sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، شتنبر 27، 2006

فتوى القرضاوي تثير جدلا مغربيا

http://www.islamonline.net/Arabic/shariah_corner/Fatwa/Topic_04/2006/09/01.shtml









فتوى القرضاوي تثير جدلا مغربيا

محمد العلوي - الرباط**

الدكتور يوسف القرضاوي

فجرت فتوى العلامة الشيخ يوسف القرضاوي بجواز الاقتراض من البنوك التقليدية للسكن بالنسبة للمغاربة؛ نظرًا لعدم وجود مصارف شرعية بركان الإفتاء الهامد بالمغرب، ورغم أن الفتوى قديمة حيث صدرت من الشيخ قبل ثلاث سنوات تقريبًا فإنها كانت جديدة بالنسبة للمغرب والمغاربة بعد أن أعادت صحف مغربية نشرها.

وصدرت انتقادات اتسمت بالحدة عن شخصيات وجهات مغربية، اعتبرت أنها صاحبة الحق في الإفتاء لأهل المغرب، وأن الفتوى مصادرة لحق العلماء المغاربة، وأنه لا يجوز قياس المغرب على البلاد غير الإسلامية ، والتي كانت موضوع الفتوى الأصيلة التي أصدرها المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، وأسس عليها فضيلة الشيخ القرضاوي فتواه .

فيما رأى الدكتور أحمد الريسوني أستاذ الفقه والأصول بالجامعات المغربية أن للناس أن تتخير بين فتوى الشيخ القرضاوي، وبين الفتاوى الأخرى، فالمسألة مبناها على الخلاف الفقهي الذي يسع الجميع. كما اعتبر الدكتور عبد الباري الزمزمي عضو رابطة علماء المغرب أن الفتوى سليمة، وهي ليست حكرا على بلد دون بلد، فهي خطاب الله للناس جميعا.

أهمية الفتوى

أدى ارتفاع ثمن العقار في المدن المغربية، خاصة تلك التي تعرف رواجًا اقتصاديًّا يستوعب الطاقات العاملة مثل الدار البيضاء والرباط، إلى ظهور أزمة سكنية عميقة ارتباطًا مع الهجرة القروية إليها؛ إذ يكون المهاجر إلى هذه المدن بين خيارين إما أن لديه مالاً كافيًا لشراء شقة سكنية أو البحث عن وسائل أخرى للكراء أو الشراء. فاستغلت البنوك التقليدية هذه الحاجة الملحّة للمواطن المغربي لتقدم عروضًا مغرية لامتلاك السكن؛ إذ تهيئ وكالات عقارية تنشئ تجزئات سكنية مجهزة، وتعلن عنها عبر وسائل الإعلام الوطنية وبنسب فائدة تتراوح ما بين 8 و14%، وحدها جمعيات الأعمال الاجتماعية لمؤسسة محمد السادس الخاصة بموظفي التعليم وضعت نسبة 4.5% وتقديم قروض تتراوح بين 150 و200 ألف درهم مغربي (15 و20 ألف دولار أمريكي).

ولهذا لاقت فتوى الشيخ القرضاوي قبولاً عند هذه الشريحة الاجتماعية والموظف البسيط، واعتبار نسبة الفائدة القليلة مما يمكن إدخاله في خانة الخدمات الإدارية.

أساس الفتوى عند الشيخ القرضاوي جاء بعد أن ذكر دواعي إصدار المجلس الأوروبي للإفتاء لفتواه التي تجيز للأقليات المسلمة في أوروبا شراء بيوت للسكن عن طريق القروض البنكية، مراعاة للظروف التي يعيشها المسلمون في تلك البلاد، وحاجتهم الماسة إلى السكن في بيت يملكونه. أشار فضيلته إلى أن المجلس أفتى بأغلبية أعضائه على الفتوى وذلك أن العلماء الراسخون قرروا: "أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة. ولا يختلف اثنان أن السكن حاجة من الحاجات الأصلية للإنسان، كما امتن الله تعالى في كتابه بقوله {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

ومضى يقول : و قد ذكر الإخوة الذين يعيشون في أوروبا: مزايا كثيرة، لشراء هذه البيوت وتملكها بالإضافة إلى الحاجة إليها.

كما يستأنس هنا بمذهب الحنفية الذي يجيز التعامل بالعقود الفاسدة خارج دار الإسلام، إذا كان فيها منفعة للمسلمين، وكانت برضا غير المسلمين".

ليخلص فضيلته "أن الأساس الذي بنيت عليه الفتوى للأقليات المسلمة في أوروبا، ينطبق على الإخوة في المغرب، ما دامت الأبواب مسدودة أمامهم لامتلاك بيت بطريق غير طريق البنك التقليدي. فيجري عليهم ما يجري على إخوانهم في دار الاغتراب. ولا سيما أني سمعت أن الدولة في المغرب لا تكاد تأخذ فائدة، إلا شيئًا قليلاً، قد يعتبر نوعًا من الخدمة ونفقات الإدارة".

قراءة لقياس الشيخ القرضاوي

الدكتور محمد الروكي

أولى ردود الفعل العلمية كانت من الدكتور محمد الروكي، رئيس جمعية خريجي الدراسات الإسلامية العليا، وأحد العلماء المشرفين على تحرير "موسوعة القواعد الفقهية" التي يشرف عليها مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، حيث نشر فتوى بجريدة "التجديد" المغربية يوم الخميس 21 سبتمبر 2006، فصل في عنصرين كبيرين الدلائل العلمية التي لا تجعل الفتوى تنطبق على أهل المغرب، والثاني تقديم بدائل شرعية وواقعية للإشكالية.

وهما أن الشيخ بنى فتواه على قياس بلد المغرب على البلاد غير الإسلامية

وهو قياس غير مسلّم لانتقاض علته من جهة ولأنه قياس مع الفارق من جهة ثانية، فالمغرب جزء من الوطن الإسلامي، وأن جواز المذهب الحنفي مبني على وجود المسلم في غير بلاد الإسلام لتعذر تطبيق الأحكام الشرعية، وهو لا ينطبق على المغرب.

ورأى الدكتور الروكي أنه من المقبول لمن يعيشون في الغرب الأخذ بالرخصة، أما في المغرب، فهناك بدائل يمكن اللجوء إليها، كما أن المجلس الأوروبي للإفتاء لم يُبِح هذا باتفاق، بل هناك من اعترض، فكيف تقبل الفتوى في بلاد إسلامية؟

وإذا كانت الفتوى قد استندت لقاعدة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة، فإنها تفريع عن: الضرورات تبيح المحظورات، وإذا كانت الضرورة تقدر بقدرها، فإن الحاجة يجب أن تقدر بقدرها أيضًا، وما يحتاجه الناس هو السكنى وليس التملك، فيحصل بالإيجار، يضاف إلى ذلك أن هذه الفتوى تمثل وجهة نظر فقهية وهي موجهة إلى المستفتي فيها بعينه، مقدرة بحاله، فلا يجوز تعميمها فتصبح تشريعًا.

البدائل الممكنة

ويطرح الدكتور محمد الروكي، البدائل ومن أهمها:

1 - امتلاك المسكن عن طريق الإيجار المنتهي بالتمليك (الليزينك) إذا استوفى شروطه التي يتحقق بها التكييف الشرعي له.

2 - امتلاك المسكن عن طريق البيع إلى أجل، ويوجد في المغرب -على اختلاف مدنه- مقاولون مستعدون للتعامل بهذه الطريقة على الوجه الشرعي مع تسهيلات تتفاوت من بعضهم إلى بعض.

3 - امتلاك المسكن عن طريق الجمعيات التعاونية التي من حقها أن تسلك الأساليب القانونية بعيدًا عما يوقعها في التعامل الربوي.

4 - امتلاك المسكن عن طريق الاستفادة من الصناديق الاجتماعية التي توفرها مؤسسات في القطاع العام والخاص لموظفيها ربحًا لوفرة مردودهم وكثرة مجهودهم، فلا مانع من الاستفادة من هذه الصناديق على وجه الاقتراض غير الربوي إذا توفرت شروطه.

ويرى الدكتور محمد الروكي بمناسبة فتح النقاش حول الفائدة الربوية أن "يُفْتح في المغرب المسلم بنك إسلامي تحل به هذه المشكلات، وتنسد به الثغرات، ويتقوى به الاقتصاد الوطني".

إساءة للتشريع المغربي

الدكتور أحمد الخمليشي

الدكتور أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية بالرباط، استقبل فتوى الشيخ القرضاوي باستغراب، وقال لجريدة الاتحاد الاشتراكي يوم الخميس 21 سبتمبر 2006 أنه: "كان بإمكان الشيخ القرضاوي أن يسمي فتواه "رأيًا شخصيًّا حول القرض بالفائدة، ويبرر هذا الرأي الذي يقول به مع عرض الرأي المقابل ومبرراته كذلك؛ ليترك للمستفتي تحمل مسئوليته في الأخذ بأي من الرأيين؛ لأنه مسئول أمام الله بأن يأخذ بالحكم الذي يقتنع به وليس الاكتفاء بتلقي التحليل والتحريم".

وأنكر الدكتور أحمد الخمليشي، أن يصدر الشيخ فتوى قاطعة ومطلقة، فوصم التشريع المغربي وإن شابه بعض الأشياء التي قد تكون محل خلاف، لكنه تشريع إسلامي لا يمكن أن يقارن بالتشريع الغربي.

كما أصدرت هيئة الإفتاء بالمغرب بيانًا أنكرت فيه على الشيخ القرضاوي فتواه، ورأت أنه كان من الواجب عليه أن يترك الفتوى لأهلها من فقهاء البلد، وألا يشبه المغرب بالبلاد غير الإسلامية، وأن في المغرب أعلام أولى بالفتوى في هذه المسألة منه.

حجة واحتياط

الدكتور أحمد الريسوني

الدكتور أحمد الريسوني، أستاذ الفقه وأصوله بجامعة محمد الخامس بالرباط أكد من جانبه بعد الاطلاع على رأي الدكتور يوسف القرضاوي في الموضوع وتعقيب الدكتور محمد الروكي أكد بقول مختزل أن: "من أخذ برأي الشيخ القرضاوي فهو على حجة عند ربه، ومن أخذ برأي الشيخ الروكي فقد احتاط لدينه". وبتواضع العلماء في مناقشة آراء بعضهم البعض فضل عدم الخوض في الموضوع، واكتفى بالقول : "ورأيي لا يضيف شيئًا جديدًا جوهريًّا في الموضوع، وكثرة الخلاف والنقاش لعموم الناس لا يزيدهم إلا بلبلة؛ ولذلك لم أرَ أن أزيد الطين بلة. فمن أخذ برأي الشيخ القرضاوي فهو على حجة عند ربه، ومن أخذ برأي الشيخ الروكي فقد احتاط لدينه".

الفتوى ليست حكرًا على بلد

أما الدكتور عبد الباري الزمزمي عضو رابطة علماء المغرب، فاستغرب ما أثير من ضجة حول فتوى الشيخ القرضاوي، لاستناده إلى واقع الناس الاضطراري، ويرى أن الفتوى صحيحة؛ لأنها تستند إلى قول الله عز وجل: "وقد فصّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه"، وعلى غرار هذه الآية تقررت في الشريعة الإسلامية القاعدة المعروفة "الضرورات تبيح المحظورات" أي المحرمات.

بل يرى أن الشرع أجاز النطق بالكفر في حالة الاضطرار، وهو أخف وطأة من تعاطي الربا.
واستنكر الشيخ الزمزمي أن يكون الاجتهاد الفقهي محصورًا في بلد المستفتي؛ لأن خطاب الله عام لخلقه، وهذا ما هو معمول به في المغرب، فمن المعلوم أن المغرب يجري فيه العمل بالمذهب المالكي والإمام مالك ليس مغربيًّا، بل هو من المدينة، كما أن علماء المذهب الذين كانوا بعد الإمام مالك عبر قرون الأمة وأجيالها ليسوا كلهم من المغرب، وأقوالهم وآراؤهم وفتاواهم تسري على المغاربة كلهم في هذا العصر.

كما أنكر الشيخ الزمزمي على بيان هيئة الإفتاء أنها خرجت عن مسار مناقشة الفتوى، وجرحت الشيخ بما لا يليق من أهل العلم الذين يختلفون فيما بينهم، وكل فريق يدلي برأيه وأدلته، دون التجريح، بل الأعجب أن الهيئة لم تجب على السؤال وهو متكرر، والناس في أمس الحاجة إليه.

كما أكد أحد علماء المغرب، المشهود بعلمهم في المغرب، فضل عدم ذكر اسمه نظرًا لحساسية الموضوع، "أن الموضوع حرف عن مساره العلمي، وتدخلت فيه أيادٍ أخرى، رغم أن الحقيقة العلمية لا انتماء لها، ولا ترتبط بوطن جغرافي أو اتجاه سياسي". وأضاف: "باستطاعة العلماء المستقلين عن الجهات الرسمية الإدلاء بآرائهم في موضوع الاقتراض الربوي وعدم الانجرار إلى الجدال السياسي الفارغ وتحوير موضوع الفتوى، بخلاق العلماء المنضوين في الهيئات الرسمية".

طالع أيضًا:



** صحفي مغربي



----------------------------


نص فتوى الشيخ القرضاوي




نص الفتوى التي قدمت للشيخ القرضاوي:

"بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلى فضيلة الشيخ الجليل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله

الموضوع: طلب فتوى.

بناء على الفتوى التي أصدرتموها بجواز امتلاك السكن بقرض ربوي لفائدة المسلمين المقيمين بديار الغربة. فقد أخذ بعض الشباب في المغرب هذه الفتوى وصاروا يوظفونها في بلدهم بدعوى فتوى الشيخ القرضاوي.

سيدي الشيخ: لامتلاك السكن في المغرب، المرء أمام خيارين إما أن يكون له مال فيقتني سكنا أو يقوم ببنائه. ومن ليس له مال فعليه أن يلجأ إلى البنوك للاقتراض، وقد وضعت الدولة تسهيلات في هذا المجال للحصول على قرض ربوي لامتلاك السكن، والمغرب لا يتوفر على بنوك تعتمد المعاملات الشرعية.

لذا يطلب الكثير من الناس بيان حكم الشرع في هذه القضية، هل يجوز في المغرب امتلاك سكن بقرض ربوي؟

وجزاكم الله خيرا، وأطال في عمركم".

جواب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي:

"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، (أما بعد):

فقد أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء: فتوى تجيز للأقليات المسلمة في أوروبا شراء بيوت للسكن عن طريق القروض البنكية، مراعاة للظروف التي يعيشها المسلمون في تلك البلاد، وحاجتهم الماسة إلى السكن في بيت يملكونه، ولا يتحكم فيهم المستأجر الذي يضيق بسكن المسلمين الذين يتميزون عن غيرهم بكثرة الأولاد، وهو ما لا يحبه الأوروبيون.

وقد أفتى المجلس بأغلبيتة بهذه الفتوى بناء على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وهي قاعدة متفق عليها، مستمدة من نصوص القرآن الكريم في خمس آيات، منها قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة:173).

وقد قرر العلماء الراسخون: أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.

ولا يختلف اثنان أن السكن حاجة من الحاجات الأصلية للإنسان، كما امتن الله تعالى في كتابه بقوله {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} (النحل:80).

وقد ذكر الإخوة الذين يعيشون في أوروبا: مزايا كثيرة، لشراء هذه البيوت وتملكها. بالإضافة إلى الحاجة إليها.

كما يستأنس هنا بمذهب الحنفية الذي يجيز التعامل بالعقود الفاسدة خارج دار الإسلام، إذا كان فيها منفعة للمسلمين، وكانت برضا غير المسلمين.

وأعتقد أن الأساس الذي بنيت عليه الفتوى للأقليات المسلمة في أوروبا، ينطبق على الإخوة في المغرب، ما دامت الأبواب مسدودة أمامهم لامتلاك بيت بطريق غير طريق البنك التقليدي. فيجري عليهم ما يجري على إخوانهم في دار الاغتراب.

ولا سيما أني سمعت أن الدولة في المغرب لا تكاد تأخذ فائدة، إلا شيئا قليلا، قد يعتبر نوعا من الخدمة ونفقات الإدارة.

وبالله التوفيق".



-------------------------


نص تعقيب دكتور محمد الروكي على فتوى الشيخ القرضاوي




"نشرت جريدة التجديد في عدده 1494 بتاريخ 25 من شعبان 1427 هـ الموافق 10 من سبتمبر 2006، فتوى عن الاقتراض من الأبناك التقليدية من أجل السكن، للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، حفظه الله تعالى، وهي تدل بعباراتها على ما يحمله الشيخ القرضاوي من هموم وآلام بأبناء دينه ووطنه، وما يلتمسه لهم من مخارج شرعية، لما هم فيه من شدة وضيق خصوصا في حياتهم الاقتصادية ومعاملاتهم المالية، فجزاه الله خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين وأداه مرجعا فقهيا لهذه الأمة.

وقد قرر فيها حفظه الله تعالى جواز اقتراض أهل المغرب من الأبناك التقليدية (الربوية) لحاجة السكن قياسا لهم على إخوانهم في دار الاغتراب الذين أجاز لهم المجلس الأوروبي للإفتاء هذا الاقتراض مراعاة لظروفهم واستئناسا لما ذهب إليه الفقه الحنفي من جواز التعامل بالعقود الفاسدة خارج دار الإسلام.

وفي اعتقادي أن كثيرا من أهل المغرب سيتلقفون هذه الفتوى ويلتهمونها التهاما، ويقدمون آثارها إقداما، وتنزل على قلوبهم بردا وسلاما... ولأجل ذلك يجب إبراء الذمة وأداء الأمانة ببيان ما يجب بيانه لهم، ويمكن تلخيصه في النظر في دلائلها، وعرض بدائلها:

أولا: الدلائل

أ) تجويز الاقتراض المذكور بناه الشيخ حفظه الله على دلائل منها قياس بلد المغرب على البلاد التي هي خارج دار الإسلام، بجامع أن المسلمين في كل منهما لا يجدون غير الأبناك التقليدية الربوية. وهو قياس غير مسلم لانتقاض علته من جهة ولأنه قياس مع الفارق من جهة ثانية.

أما انتقاض علته فيتمثل في أمور منها:

1- المغرب دار إسلام، وهو جزء لا يتجزأ من الوطن الإسلامي فيجب أن تجري عليه أحكام الإسلام، وليس في المغاربة أحد يقبل غير هذا، كيف وهو البلد الوحيد الذي ما زال يحافظ على إمارة المؤمنين.

2- المذهب الحنفي المستأنس به في هذه الفتوى لم يبنِ حكم الجواز على ظروف المسلمين ومضايقات المتعاقدين معهم من أهل بلد الاغتراب، وإنما بناها على مجرد كون المسلم في بلد غير بلاد الإسلام لتعذر تطبيق بعض الأحكام الشرعية فيها ولا سيما أحكام المعاملات المالية.

فمناط حكم الجواز هنا هو وجود المسلم في أرض غير أرض الإسلام؛ لأن ذلك مظنة المشقة والحرج، وهما مرفوعان عن المكلف؛ لذلك رخصوا له بالتعامل بالعقود الفاسدة، وقياس بلد مسلم على بلاد غير المسلمين هو من باب القياس في الرخص والتوسع فيها ومجاوزتها محلها، وهو مردود عند كثير من الفقهاء منهم الحنفية.

وأما الفارق فيتمثل في أن ظروف الأقليات المسلمة في بلاد الغرب وما تعيشه من مضايقات وضغوط تلجئهم إلى الأخذ بهذه الرخصة والعمل بهذه الفتوى هي غير ظروف المسلمين في بلاد الإسلام كالمغرب مثلا، فمع أنه لا توجد فيه إلا الأبناك التقليدية الربوية، لا يعرف هذه المضايقات والضواغط من الملاك المؤجرين، بل قد يكون العكس أحيانا. وإذا كانت هناك فئة من الناس تعاني شيئا منه فإن هناك بدائل ستعرض في محلها.

وإذًا فقياس المغرب على غير دار الإسلام لا يستقيم في التأصيل، ولا يقبله المغاربة على مستوى التنزيل يضاف إلى ذلك أن هذه الفتوى مبنية على فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء، وقد صدرت منه بأغلبية أعضائه لا بكلهم، فإذا اختلف علماء هذا المجلس في هذه الفتوى وهي مراعية حال الأقليات المسلمة في بلاد الغرب، فكيف بهم في الفتوى للمقيمين في ديار الإسلام، والحال أن أعضاء هذا المجلس إنما هم بعض علماء الأمة.

ب) استندت الفتوى أيضا على قاعدة: الحاجة تنزل منزلة الضرورة. وهذه القاعدة أساسها القياس أيضا، فقد قيست الحاجة على الضرورة المبيحة للمحرم بجامع رفع المشقة والحرج. لكن القاعدة الأم وهي أن الضرورات تبيح المحظورات، مقيدة بأخرى وهي أن الضرورة تقدر بقدرها، فيلزم أن تقرر الحاجة بقدرها أيضا، وعامة الناس لا يعرفون قدر الضرورة الشرعية، فضلا عن الحاجة المنزلة منزلتها؛ فالترخيص لهم بالمحرم يعني فتح بابه على مصراعيه.

ثم إن الحاجة في السكن إنما هي في الحصول على منفعة السكنى، لا على ملك رقبة المسكن، فالذي يحتاج إليه الإنسان في هذا الباب هو أن يسكن لا أن يملك المحل. وإشباع هذه الحاجة حاصل بالإيجار، فالقادر على تسديد أقساط القرض البنكي قادر على تسديد أقساط الإيجار، فلا وجه مع هذا للإقدام على المحرم.

يضاف إلى ذلك أن هذه الفتوى تمثل وجهة نظر فقهية وهي موجهة إلى المستفتي فيها بعينه، مقدرة بحاله، فلا يجوز تعميمها فتصبح تشريعا.

ثانيا: البدائل

المسلمون في بلاد المغرب إذا انسدت في وجوههم أبواب الاقتراض من أبناك غير ربوية، فهناك بدائل مفتوحة أبوابها في وجوههم، منها:

1- امتلاك المسكن عن طريق الإيجار المنتهي بالتمليك (الليزينك) إذا استوفى شروطه التي يتحقق بها التكييف الشرعي له.

2- امتلاك المسكن عن طريق البيع إلى أجل، ويوجد في المغرب ـ على اختلاف مدنه ـ مقاولون مستعدون للتعامل بهذه الطريقة على الوجه الشرعي مع تسهيلات تتفاوت من بعضهم إلى بعض.

3- امتلاك المسكن عن طريق الجمعيات التعاونية التي من حقها أن تسلك الأساليب القانونية بعيدا عما يوقعها في التعامل الربوي.

4- امتلاك المسكن عن طريق الاستفادة من الصناديق الاجتماعية التي توفرها مؤسسات في القطاع العام والخاص لموظفيها ربحا لوفرة مردودهم وكثرة مجهودهم، فلا مانع من الاستفادة من هذه الصناديق على وجه الاقتراض غير الربوي إذا توفرت شروطه.

ونأمل بهذه المناسبة أن يفتح في المغرب المسلم بنك إسلامي تحل به هذه المشكلات، وتنسد له الثغرات، ويتقوى به الاقتصاد الوطني والله تعالى من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل". اهـ




----------------------------------------------


نص بيان هيئة المجلس العلمي الأعلى




"الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.

عقدت الهيئة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى يومه السبت تاسع وعشرين شعبان1427 الموافق 23/9/2006 اجتماعا خصص لموضوع الفتوى الشرعية. والذي يهمنا في هذا المقام، التذكير بحقائق تتصل بالمغرب علميا وتاريخيا وفي مقدمتها حرص المغاربة على تقاليدهم العلمية، وفي ذلك سر انضوائهم تحت راية الإسلام ، والتفافهم حول إمارة المؤمنين وإجماعهم على وحدة المذهب والعقيدة والسلوك. وقد توارثوا هذه الاختيارات وحافظوا عليها وعضوا عليها بالنواجذ واقتفى اللاحق منهم أثر السابق فيها، وعلى أساسها نشئوا صبيانهم وربوا أجيالهم ويسروا حفظها لعامة الناس منهم وتعاون أمراؤهم وعلماؤهم على هذا السنن القويم واعتنوا بالعلم ونشره في المساجد والجوامع والزوايا، وكان الفقه المالكي محط اعتبار لحاجة الناس له في حياتهم العملية فنبغ منهم علماء أعلام وفقهاء عظام كانت مؤلفاتهم أمهات يحتكم إليها ويعول عليها وما كانوا يجدون حرجا في الرجوع إلى آراء علماء خارج المذهب المالكي، ولكنهم حين يفتون لم تكن تغيب عنهم خصوصية المغرب وهوية أهله فيقتدون بآراء مذهبهم الذي ارتضوه وأجمعوا عليه مراعين أعرافهم وتقاليدهم وما جرى به العمل عندهم وما درج عليه سلفهم لا يضرهم من خالفهم مكتفين بعلماء بلدهم وفتاوى أسلافهم يجدون فيها ضالتهم توخيا لجمع الناس على رأي واحد يضمن اجتماع الكلمة ووحدة الصف.

والهيئة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى وهي تستحضر هذه الحقائق تستشعر المخاطر التي ينطوي عليها هذا التدفق الإعلامي الذي فتح الأبواب أمام الفتوى فأصبح يتولاها كل من هب ودب، سيما وقد صار أمرها بيد متنطعين مغرورين أساء بعضهم استخدام العلم في غير ما ينفع الناس واتخذه سلما لاعتلاء كرسي الرئاسة والزعامة العلمية فأعطى لنفسه الحق في إصدار فتاواه لأهل المغرب ونصب نفسه إماما عليهم متجاهلا ما للمغرب من مؤسسات علمية وشيوخ أعلام متخطيا بذلك كل الأعراف والتقاليد التي احتكم إليها العلماء قديما وحديثا.

من أجل ذلك وجب التذكير بما للمغرب من علماء أعلام كانوا ولا يزالون ملء السمع والبصر منفتحين على فقه المذاهب ومتقيدين في فتاواهم بأعراف بلدهم وظروف أهله وأحوالهم اجتهادا واستنباطا وإفتاء، قدوتهم في ذلك عالم أهل المدينة الذي كان يرى أن يستفتي أهل كل بلد علماء بلدهم.

ومحافظة على هذا النهج القويم وإحياء لرسومه وتحقيقا لغاياته وأهدافه، أسس أمير المؤمنين محمد السادس نصره الله المجالس العلمية المحلية والمجلس العلمي الأعلى الذي يتشرف برئاسته، وهو الجهة الموكول إليها النظر في الفتوى الشرعية بضوابطها وشروطها في المملكة المغربية. فالفتوى في المملكة المغربية موكولة إلى مؤسسة علمية ولم يعد بإمكان أي جهة أخرى، أفرادا وجماعات، أن تتطاول عليها. وأما فتوى من أجاز للمغاربة الاقتراض من البنوك من أجل السكن فإن هذا المفتي قد تجاوز في فتواه حدود اللياقة وارتكب أخطاء فادحة علمية وأخلاقية في مقدمتها التطاول على حق علماء المغرب في إفتاء أهل بلدهم، غير ملتزم بأدب الفتوى الذي درج عليه علماء السلف؛ لأنهم اشترطوا على المفتي ألا يفتي إلا إذا كان من أهل البلد الذي يعرف أوضاعه وأحواله ويطلع على دقائق أموره، والحال أن هذا المفتي بعيد عن المغرب جاهل لأحواله وأعرافه وتقاليده. وعلماؤه أدرى به ومؤسساته العلمية أجدر بالإفتاء في نوازل أهله وقضاياهم. كما أنه أساء إلى المغرب وأهله حين قاس بلدهم ببلاد المهجر.

والهيئة العلمية للإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى إذ تندد بهذا المسلك الغريب تعرب عن استنكارها لموقف لا يمكن أن يصدر إلا عن غافل أو ممن يسر حسوا في ارتغاء"



-------------------------------------------


نص فتوى الشيخ الزمزمي




السلام عليكم ورحمة الله، نريد رأيك في الضجة المثارة اليوم في المغرب حول فتوى الشيخ القرضاوي المتعلقة بالقروض الربوية لامتلاك السكن الاجتماعي، وأيضا رأيك في الحديث الرائج عن الإفتاء وإلزام المغاربة باتباع فتوى واحدة هي الصادرة عن مؤسسة رسمية واستبعاد ما دونها من فتاوى؟ وجزاكم الله خيرا.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

والله إني لا أعجب كل العجب من هذه الضجة التي أثيرت بغير موجب؛ فالرجل زار المغرب وسئل من أفراد من المسلمين المغاربة فأجابهم على سؤالهم ورخص لهم بالاقتراض الربوي من أجل السكن بحكم واقعهم الاضطراري، وهذه فتوى صحيحة لا خلاف حولها؛ لأنها تستند إلى قول الله عز وجل: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}، وعلى غرار هذه الآية تقررت في الشريعة الإسلامية القاعدة المعروفة "الضرورات تبيح المحظورات" أي المحرمات.

وفي القرآن مثلا أباح الله عز وجل للمؤمن أن ينطق بكلمة الكفر إذا أكره على ذلك، وذلك قوله سبحانه: {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}، يعني أن من أكرهه الكفار على إعلان كفره بالإسلام كأن يسب الله عز وجل أو نبيه صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك جاز له أن يفعل ما أمر به إذا كان تحت الإكراه، وهذه أمور كلها أعظم من تعاطي الربا...

وفي السنة وفي الفقه مسائل كثيرة من هذه القاعدة؛ فالفتوى التي أصدرها الشيخ القرضاوي فتوى صحيحة أراد بها التيسير على المعوزين والمحتاجين الذين لا يجدون قدرة على استئجار السكن كما ذكرنا آنفا في مثل هذه الفتوى.

وليس بالضرورة أن تصدر الفتوى من علماء بلد المستفتي؛ فالإسلام هو خطاب الله لخلقه والله عز وجل يخاطب عباده بكتابه وعلى لسان رسوله أينما كانوا وحيثما وجدوا وليس في الإسلام عنصرية ولا عصبية ولا غير ذلك من الاعتبارات، وحتى واقعنا في المغرب يؤيد هذا، فمن المعلوم أن المغرب يجري فيه العمل بالمذهب المالكي والإمام مالك ليس مغربيا بل هو من المدينة، كما أن علماء المذهب الذين كانوا بعد الإمام مالك عبر قرون الأمة وأجيالها ليسوا كلهم من المغرب وأقوالهم وآراؤهم وفتاواهم تسري على المغاربة كلهم في هذا العصر.

فلا يمكن أن يقال في الإسلام إنه لا يستفتى إلا عالم من علماء البلد؛ لأن المفتي يتعامل مع السؤال فإذا طرح عليه السؤال أجاب عنه ولا يعنيه أن يبحث في خلفية السؤال أو في أحوال السائل، وهذا ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أيها الناس إنكم تختصمون إليَّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض -أي أفصح وابلغ- فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فإنما هي قطعة من نار فليأخذها لو ليذرها".

فهذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبرأ من كل من أراد أن يتلاعب بحكمه وقضائه بطلاقة لسانه أو بالإدلاء بالحجج الكاذبة؛ لأنه يتعامل في جوابه مع السؤال والقضية، ولم يقل إنه لا بد من البحث في خلفية السائل وظروفه وأحواله، فيكفي التعامل مع السؤال. وهذا الذي كان عليه العلماء وأهل الفتوى منذ أقدم العصور، يستفتى المفتي فيفتي على حسب ما يسمع.

والذي يندى له الجبين هو ما صدر عن هيئة الإفتاء في المجلس العلمي الأعلى من تجريح وطعن في الشيخ القرضاوي ونعته بنعوت لا تليق أن تصدر من أهل العلم؛ لأن الرجل على كل حال ضيف على المغرب، والضيف له حقه وأقل ما له حق الاحترام والإكرام، ثم إنه رجع من المغرب وكان ينوه بالمغرب في كل المحافل واللقاءات وأنه بلد إسلام، وينبغي ألا يجازى بهذا الجزاء الذي ينبغي للعلماء أن يتصفوا به.

وبيان هيئة الإفتاء في المجلس العلمي الأعلى لم يناقش فتوى الشيخ القرضاوي ولم يعرض لها بنفي ولا إثبات، مع أن الناس في أشد الحاجة إلى معرفة الحكم الصحيح في هذه الفتوى، فإذا كان المطلوب ألا يفتي في البلد إلا علماؤه فعليهم أن يفتوا المسلمين في هذه الواقعة؛ فالسؤال حول هذه الواقعة كثير جدا ولا يمر يوم دون أن يطرح السؤال حولها، فكان الواجب يقضي على هيئة الإفتاء المغربية أن تسعف المسلمين في المغرب بفتوى شرعية تنقضهم مما يتخبطون فيه من الحرج والمشقة والارتباك.

والله أعلم




------------------------------------------
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528623732


اطبع
أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد

عباس الاسم
الحصول على قروض من البنوك لشراء شقةالعنوان
أريد أن أشتري بيتاً لأسكن فيه أنا وعائلتي ولا يوجد مجال أمامي للحصول على البيت سوى الاقتراض بالفائدة وأنا مضطر للجوء للبنك الربوي فما حكم ذلك؟السؤال
08/06/2005التاريخ
د.حسام الدين بن موسى عفانةالمفتي
الحل

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:-

صحيح أن البيت حاجة من الحاجات الأساسية للإنسان التي لا غنى له عنها إلا أن تملكه ليس من الحاجات الأساسية ، فمن وجد مسكنا بالإيجار فهذا ليس مضطرا، وإلا كان معظم الناس داخلين في مفهوم الضرورة ، وهو ما ينفيه الواقع ، وترده أدلة الشريعة ، فالضرورة استثناء من الأصل ، وليست هي الأصل .

على أن هذه الضرورة ليست حقيقية ، ولكن أوجدها تعسف الحكومات، وإصرارها على توفير الشقق من خلال القروض الربوية، ولو أنها – أرادت- لباعتها لرعاياها بالتقسيط فبرئت من حرب الله ورسوله، ولأرضت رعاياها...... ولكنه الإصرار على إحواج الناس إلى الربا.

يقول الأستاذ الدكتور حسام عفانه أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس بفلسطين :-


إن الربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) سورة البقرة / 275 - 279 . وثبت في الحديث عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء ) رواه مسلم .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( اجتنبوا السبع الموبقات . قالوا : يا رسول الله وما هن ؟ قال : الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) رواه البخاري ومسلم .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الربا ثلاثة وسبعون شعبة أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) رواه الحاكم وصححه وقال الشيخ الألباني : صحيح .انظر صحيح الجامع الصغير 1/633 .
وقال صلى الله عليه وسلم :( درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية ] رواه أحمد وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح . مجمع الزوائد 4/117 . وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة 3/29 .
وغير ذلك من الأحاديث .

إذا تقرر هذا فإن بعض المشايخ يتساهلون تساهلاً كبيراً في الإفتاء بجواز الربا بحجج هي أوهى من بيت العنكبوت متكئين على أن الضرورات تبيح المحظورات فتراهم يفتون بجواز الاقتراض بالفائدة لشراء مسكن ،وبعضهم يفتي بجواز الاقتراض بالفائدة من أجل الزواج وغير ذلك من الفتاوى العرجاء التي لا تستند على دليل صحيح فضلاً عن مصادمتها للنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة نبيه المحرمة للربا تحريماً قطعياً

واستناداً لهذه النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة قرر العلماء أن الإقراض بالرِّبا محرَّم لا تبيحه ضرورة ولا حاجة، والاقتراض بالرِّبا محرَّم كذلك لا تبيحه الحاجيات ، ولا يجوز إلا في حالة الضرورة .

ولكن ما هي الضرورة التي تجيز الاقتراض بالربا ؟ وهل شراء المسكن داخل في مفهوم الضرورة ؟
يقول الله تعالى :( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) سورة الأنعام الآية 119 .ويقول الله تعالى :( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) سورة البقرة الآية 173 .

وتأصيلاً على هذه النصوص وغيرها قال العلماء :[ الضرورة هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث: يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو- أي عضو من أعضاء النفس- أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع ] نظرية الضرورة الشرعية ص 67-68 .

وبناءً على ما سبق فإن الضرورة التي تجيز التعامل بالربا هي بلوغ الإنسان حداً إن لم يتعامل بالربا المحرم هلك أو قارب على الهلاك. وبالتأكيد فإن شراء المسكن ليس داخلاً في هذه الضرورة ، صحيح أن المسكن من الحاجات التي لا غنى للإنسان عنها ولكن ليس شرطاً أن يكون المسكن ملكاً للساكن بل يمكن للإنسان أن يكون مستأجراً للمسكن لا مالكاً له .

قال الشيخ المودودي :
[لا تدخل كل ضرورة في باب الاضطرار بالنسبة للاستقراض بالربا . فإن التبذير في مجالس الزواج ومحافل الأفراح والعزاء ليس بضرورة حقيقية .وكذلك شراء السيارة أو بناء المنزل ليس بضرورة حقيقية وكذلك ليس استجماع الكماليات أو تهيئة المال لترقية التجارة بأمر ضروري . فهذه وأمثالها من الأمور التي قد يعبر عنها بالضرورة والاضطرار ويستقرض لها المرابون آلافاً من الليرات لا وزن لها ولا قيمة في نظر الشريعة والذين يعطون الربا لمثل هذه الأغراض آثمون .

فإذا كانت الشريعة تسمح بإعطاء الربا في حالة من الاضطرار فإنما هي حالة قد يحل فيها الحرام كأن تعرض للإنسان نازلة لا بد له فيها من الاستقراض بالربا أو حلت به مصيبة في عرضه أو نفسه أو يكون يخاف خوفاً حقيقياً حدوث مشقة أو ضرر لا قبل له باحتمالها ففي مثل هذه الحالات يجوز للمسلم أن يستقرض بالربا ما دام لا يجد سبيلاً غيره للحصول على المال غير أنه يأثم بذلك جميع أولي الفضل والسعة من المسلمين الذين ما أخذوا بيد أخيهم في مثل هذه العاهة النازلة به حتى اضطروه لاستقراض المال بالربا .
بل أقول فوق ذلك:
إن الأمة بأجمعها لا بد أن تذوق وبال هذا الإثم لأنها هي التي غفلت وتقاعست عن تنظيم أموال الزكاة والصدقات والأوقاف مما نتج عنه أن أصبح أفرادها لا يستندون إلى أحد ولم يبق لهم من بدّ من استجداء المرابين عند حاجاتهم .

لا يجوز الاستقراض حتى عند الاضطرار إلا على قدر الحاجة ومن الواجب التخلص منه ما استطاع الإنسان إليه سبيلاً لأنه من الحرام له قطعاً أن يعطي قرشاً واحداً من الربا بعد ارتفاع حاجته وانتفاء اضطراره .أما : هل الحاجة شديدة ؟ .. أم لا .. ؟ وإذا كانت فإلى أي حدّ ؟ .. ومتى قد زالت ؟ فكل هذا مما له علاقة بعقل الإنسان المبتلى بمثل هذه الحالة وشعوره بمقتضى الدين والمسؤولية الأخروية . فهو على قدر ما يكون متديناً يتقي الله ويـرجـو حـسـاب الآخـرة يـكـون معتـصـماً بـعروة الـحـيطة والـورع فـي هذا البـاب ] الربا ص 157-158 .

وجاء في الفتوى التي أصدرها المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية والذي عقد في القاهرة سنة 1965م ما يلي:

‌أ- الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي، لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.

‌ب- كثير الربا وقليله حرام، كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) صدق الله العظيم سورة آل عمران الآية130.

جـ - الإقراض بالربا المحرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، لا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه الضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير ضرورته.]

وخلاصة الأمر أن الاقتراض بالربا من المحرمات القطعية الثابتة التي لا مجال للتلاعب بها ولا يباح الاقتراض بالربا إلا في حالة الضرورة وأن الضرورة تقدر بقدرها ولا يدخل تملك المسكن في ذلك ومن أفتى بجواز تملك المسكن بالاقتراض الربوي ففتواه باطلة ومردودة عليه ولا يجوز الأخذ بها شرعاً .

والله أعلم .



------------------------------------------


http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528603238



اطبع
أرسل لصديق
تفاصيل الاستشارة والرد

ساهر - فرنسا الاسم
شراء البيوت بالربا في غير دار الإسلامالعنوان
ماحكم شراء البيوت للسكن عن طريق البنوك مع خضوع ذلك للتعامل بالربا؟
السؤال
31/12/2001التاريخ
الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاويالمفتي
الحل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
جمهور الفقهاء يحرمون التعامل بالربا، سواء وقع في دار الإسلام أم في غيرها، وذلك لعموم النصوص المحرمة وإطلاقها، ولا يجوز لنا أن نخصص العام أو نقيد المطلق إلا بنص أو إجماع، ولا يوجد واحد منهما.
واستثنى المذهب الحنفي من ذلك التحريم: التعامل بالربا -وغيره من العقود الفاسدة في نظر الشرع- إذا وقع في دار الحرب بين مسلم وحربي.
ويعني الحنفية بـ(دار الحرب) ما ليس بـ(دار الإسلام)، فالتقسيم عند أبي حنيفة رضي الله عنه للدور تنافٍ لا تلاقٍ، فهما داران فقط: إما دار إسلام، وإما دار حرب.
بخلاف بعض المذاهب التي جعلت التقسيم للدور ثلاثيًّا: دار الإسلام، ودار حرب، ودار عهد. وعند أبي حنيفة تدخل (دار العهد) في (دار الحرب).
فليس معنى دار الحرب عنده أن تكون معلنة للحرب على المسلمين؛ بالفعل، بل أن تكون إمكانية الحرب قائمة، أي هي دار حرب بالقوة لا بالفعل.
المهم أن أبا حنيفة وصاحبه محمدًا: أجازا التعامل بالربا للمسلم مع غير المسلم في دار الحرب، وأخذ الزيادة من الحربي لصالح المسلم.
وأجازه مع أبي حنيفة: الإمام سفيان الثوري (ت 161 هـ)، وأجازه بعلمهم الإمام التابعي: إبراهيم النخعي (ت 95 هـ) فقد روى عنه الإمام أبو جعفر الطحاوي (ت ) في (مشكل الآثار) قوله:"لا بأس بالدينار بالدينارين في دار الحرب، بين المسلمين وأهل الحرب ".
والظاهر أنه قول مكحول أيضًا من أئمة التابعين لما يُرْوى عنه من الحديث في ذلك.
ويروى أيضًا عن ابن الماجشون من المالكية (ت 212 هـ).
وقد تبنى الحنفية مذهب إمامهم الأعظم، وصاحبه محمد، واعتمدوا عليه في الفتوى، واحتجوا له بما يقويه من المنقول والمعقول.
والذي يجعلنا نرجح الأخذ بمذهب أبي حنيفة هنا جملة أمور:
1- أن المسلم غير مكلف شرعًا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها في مجتمع لا يلتـزم بالإسلام؛ لأن هذا ليس في سعة، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وتحريم الربا من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع، وفلسفة الدولة، واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي.

وإنما يُطالَب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فردًا، مثل أحكام العبادات، وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات، وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والمبررات وغيرها من الأحوال الشخصية، بحيث لو ضُيِّق عليه في هذه الأمور ولم يستطع بحال إقامة دينه فيها وحده عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

2- أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة ـ ومنها عقد الربا ـ في دار القوم، سيؤدي بالمسلم إلى أن يكون التـزامه بالإسلام سببًا ضعفه اقتصاديًّا، وخسارته ماليًّا، والمفروض أن الإسلام يقويه المسلم ولا يضعفه، وينفعه ولا يضره، والإسلام يعلو ولا يُعْلَى. وهو إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم، سيضطر إلى أن يعطى ما يطلب منه، ولا يأخذ مقابلة، فهو ينفذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم، ولا ينفذها فيما يكون له من مغانم، فعليه التغرُّم دائمًا وليس له الغنم، وبهذا يظل المسلم مظلومًا ماليًّا بسبب التـزامه بالإسلام. وما أحب أن الإسلام يقصد أبدًا إلى أن يُظْلَم المسلم بالتـزامه به، وأن يُتْرَك المسلم - في غير دار الإسلام - لغير المسلم، يمتصه ويستفيد منه، في حين يحرم على المسلم أن ينتفع من معاملة غير المسلم في المقابل في ضوء العقود السائدة والمعترف بها عندهم.

2- أضف إلى ذلك: ما ظهر من حاجة المسلمين الماسة في تلك المجتمعات إلى شراء المنازل للسكن عن طريق البنوك، مقسَّطة بالفوائد، وقد أكد المسلمون الذين يعيشون في تلك الديار بالسماع المباشر منهم، وبالمراسلة. أن الأقساط التي يدفعونها للبنك مثل الأجرة الشهرية التي يدفعونها للمالك، بل كثيرًا ما تكون أقل، ومعنى هذا أننا إذا حرمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك حرمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبر الفقهاء، وربما يظل عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر يدفع إيجارًا شهريًّا أو سنويًّا، ولا يملك شيئًا، على حين كان يمكنه في خلال عشرين سنة ـ وربما أقل ـ أن يملك البيت.
فلو لم يكن هذا التعامل جائزًا على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، لكان جائزًا عند الجميع للحاجة، التي ننـزل أحيانًا منـزلة الضرورة، في إباحة المحظور بها.

ولاسيما أن المسلم هنا ـ على رأي الجمهور ـ إنما يُؤكِّل الربا، ولا يأكله، أي هو يعطي الفائدة ولا يأخذها.
ومن المعلوم: أن أكل الربا المحرم لا يجوز ـ عند جميع الفقهاء ـ بحال، أما إيكاله ـ بمعنى إعطاء الفائدة ـ فيجوز للحاجة، وقد نص على ذلك الفقهاء، وأجازوا الاستقراض بالربا للحاجة إذا سدت في وجهه أبواب الحلال.
والله أعلم


----------------------------------


http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528614444



تفاصيل الاستشارة والرد

أبو معاذ - المغرب الاسم
القرض بالربا لشراء مسكنالعنوان
سماحة العلامة الدكتور/ يوسف القرضاوي:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا مسلم مقيم بدول الغرب، ولا أمتلك سكنا لي ولأسرتي، بل أقوم باستئجار بيت للسكنى مما يكبدني أموالا طائلة، وبشروط صاحب السكن، التي ربما تضيق علي في أمر التزامي، حيث إنهم يشترطون ألا يزيد عدد الأولاد عن اثنين، ومعلوم أن المسلمين يزيد عدد أولادهم عن ذلك، كما يشترط على المستأجر عدم استضافته لضيوف كثر، وقد لاحت أمامي فرصة شراء بيت بقرض ربوي، حيث يقوم البنك بتقسيط المبلغ على سنوات طويلة وبأقساط مريحة ماديا لي، فهل يجوز لي شرعا شراء بيت للسكنى بقرض ربوي؟
السؤال
19/07/2001التاريخ
الحل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
أخي الكريم: التيسير على العباد مقصد من أهم مقاصد الشريعة وما كان الله ليشق على عباده أو يحرجهم في دينهم فالله أرحم بنا من أنفسنا ولذلك فهناك قواعد كلية يبنى عليها كثير من الأحكام منها قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" وقاعدة "المشقة تجلب التيسير" وقاعدة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" وبناء على هذا فإذا تعين القرض بالربا طريقا لشراء المسكن ولم تكن هناك وسيلة أخرى لشراء المسكن غير هذا الطريق فلا حرج في ذلك.
وإليك فتوى فضيلة الدكتور القرضاوي:
أجيب على أخي السائل هنا بما أصدره مجلس الإفتاء الأوربي ـ الذي أشرف برئاسته ـ في بيانه الختامي لدورته العادية الرابعة، المنعقدة في الفترة 18-22رجب 1420هـ الموافق 31أكتوبر1999م وهذا نص البيان:
نظر المجلس في القضية التي عمت بها البلوى في أوربا وفي بلاد الغرب كلها، وهي قضية المنازل التي تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية.
وقد قدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض، قرئت على المجلس، ثم ناقشها جميع الأعضاء مناقشة مستفيضة، انتهى بعدها المجلس بأغلبية أعضائه إلى ما يلي:
1ـ يؤكد المجلس على ما أجمعت عليه الأمة من حرمة الربا، وأنه من السبع الموبقات، ومن الكبائر التي تؤذن بحرب من الله ورسوله، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام.
2ـ يناشد المجلس أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية، التي لا شبهة فيها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، مثل (بيع المرابحة) الذي تستخدمه البنوك الإسلامية، ومثل تأسيس شركات إسلامية تنشئ مثل هذه البيوت بشروط ميسرة مقدورة لجمهور المسلمين، وغير ذلك.
3ـ كما يدعو التجمعات الإسلامية في أوربا أن تفاوض البنوك الأوربية التقليدية، لتحويل هذه المعاملة إلى صيغة مقبولة شرعا، مثل (بيع التقسيط) الذي يزاد فيه الثمن مقابل الزيادة في الأجل، فإن هذا سيجلب لهم عددا من المسلمين يتعامل معهم على أساس هذه الطريقة، وهو ما يجري به العمل في بعض الأقطار الأوربية، وقد رأينا عددا من البنوك الغربية الكبرى تفتح فروعا لها في بلادنا العربية تتعامل وفق الشريعة الإسلامية، كما في البحرين وغيرها.
ويمكن للمجلس أن يساعد في ذلك بإرسال نداء إلى هذه البنوك، لتعديل سلوكها مع المسلمين.
4ـ وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ميسرا في الوقت الحاضر، فإن المجلس في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارت الشرعية، لا يرى بأسا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكنه من شرائه بغير هذه الوسيلة، وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين:

المرتكز الأول: قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"
وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من نصوص القرآن في خمسة مواضع، منها قوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) الآية:119 سورة الأنعام، ومنها قوله تعالى في نفس السورة بعد ذكر محرمات الأطعمة: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) الآية:145، ومما قرره الفقهاء هنا أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.
والحاجة هي التي إذا لم تتحقق يكون المسلم في حرج وإن كان يستطيع أن يعيش، بخلاف الضرورة التي لا يستطيع أن يعيش بدونها، والله تعالى رفع الحرج عن هذه الأمة بنصوص القرآن كما في قوله تعالى في سورة الحج: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الآية:78، وفي سورة المائدة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) الآية:6.
والمسكن هو الذي يدفع عن المسلم الحرج هو المسكن المناسب له في موقعه وفي مرافقه، بحيث يكون سكنا حقا.

وإذا كان المجلس قد اعتمد على قاعدة الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإنه لم ينس القاعدة الأخرى الضابطة والمكملة لها، وهي أن "ما يباح للضرورة يُقَدَّر بَقَدْرِها"، فلم يجز تملك البيوت للتجارة ونحوها.
والمسكن ولا شك ضرورة للفرد المسلم وللأسرة المسلمة، وقد امتن الله بذلك على عباده حين قال: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) النحل:80، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم السكن الواسع عنصرا من عناصر السعادة الأربعة أو الثلاثة، والمسكن المستأجر لا يلبي كل حاجة المسلم، ولا يشعره بالأمان، وإن كان يكلف المسلم كثيرا بما يدفعه لغير المسلم، ويظل سنوات وسنوات يدفع أجرته ولا يملك منه حجرا واحدا، ومع هذا يظل المسلم عرضة للطرد من هذا المسكن إذا كثر عياله أو كثر ضيوفه، كما أنه إذا كبرت سنه أو قل دخله أو انقطع يصبح عرضة لأن يرمى به في الطريق.

وتملك المسكن يكفي المسلم هذا الهم، كما أنه يمكنه أن يختار المسكن قريبا من المسجد والمركز الإسلامي، والمدرسة الإسلامية، ويهيئ فرصة للمجموعة المسلمة أن تتقارب في مساكنها عسى أن تنشئ لها مجتمعا إسلاميا صغيرا داخل المجتمع الكبير، فيتعارف فيه أبناؤهم، وتقوى روابطهم، ويتعاونون على العيش في ظل مفاهيم الإسلام وقيمه العليا.
كما أن هذا يمكن المسلم من إعداد بيته وترتيبه بما يلبي حاجته الدينية والاجتماعية، ما دام مملوكا له.

وهناك إلى جانب هذه الحاجة الفردية لكل مسلم، الحاجة العامة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقلية خارج دار الإسلام، وهي تتمثل في تحسين أحوالهم المعيشية، حتى يرتفع مستواهم، ويكونوا أهلا للانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس، ويغدوا صورة مشرقة للإسلام أمام غير المسلمين، كما تتمثل في أن يتحرروا من الضغوط الاقتصادية عليهم، ليقوموا بواجب الدعوة ويساهموا في بناء المجتمع العام، وهذا يقتضي ألا يظل المسلم يكد طول عمره من أجل دفع قيمة إيجار بيته ونفقات عيشه، ولا يجد فرصة لخدمة مجتمعه، أو نشر دعوته.

المرتكز الثاني: (وهو مكمل للمرتكز الأول الأساسي) هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني ـ وهو المفتى به في المذهب الحنفي ـ وكذلك سفيان الثوري وإبراهيم النخعي، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، ورجحها ابن تيمية ـ فيما ذكره بعض الحنابلة ـ من جواز التعامل بالربا ـ وغيره من العقود الفاسدة ـ بين المسلمين وغيرهم في غير دار الإسلام.

ويرجح الأخذ بهذا المذهب هنا عدة اعتبارات، منها:
1ـ أن المسلم غير مكلف شرعا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام، لأن هذا ليس في وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع، وفلسفة الدولة، واتجاهها الاجتماعي والاقتصادي.
وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فردا، مثل أحكام العبادات، وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية، بحيث لو ضيق عليه في هذه الأمور، ولم يستطع بحال إقامة دينه فيها لوجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلا.

2ـ أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة ـ ومنها عقد الربا ـ في دار القوم، سيؤدي ذلك بالمسلم إلى أن يكون التزامه بالإسلام سببا لضعفه اقتصاديا، وخسارته ماليا، والمفروض أن الإسلام يقوي المسلم ولا يضعفه، ويزيده ولا ينقصه، وينفعه ولا يضره، وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم من غير المسلم بحديث: " الإسلام يزيد ولا ينقص " أي يزيد المسلم ولا ينقصه، ومثله " حديث " الإسلام يعلو ولا يعلى "، وهو إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم، سيضطر إلى أن يعطي ما يطلب منه، ولا يأخذ مقابله، فهو ينفذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم، ولا ينفذها فيما يكون له من مغانم، فعليه الغرم دائما وليس له الغنم، وبهذا يظل المسلم أبدا مظلوما ماليا، بسبب التزامه بالإسلام، والإسلام لا يقصد أبدا إلى أن يظلم المسلم بالتزامه به، وأن يتركه ـ في غير دار الإسلام ـ لغير المسلم، يمتصه ويستفيد منه، في حين يحرم على المسلم أن ينتفع من معاملة غير المسلم في المقابل في ضوء العقود السائدة، والمعترف بها عندهم.

وما يقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيز التعامل بالربا في حالة الأخذ لا الإعطاء، لأنه لا فائدة للمسلم في الإعطاء، وهم لا يجيزون التعامل بالعقود الفاسدة إلا بشرطين: الأول: أن يكون فيها منفعة للمسلم، والثاني: ألا يكون فيها غدر ولا خيانة لغير المسلم، وهنا لم تتحقق المنفعة للمسلم.
فالجواب: أن هذا غير مسلَّم، كما يدل عليه قول محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير، وإطلاق المتقدمين من علماء المذهب، كما أن المسلم وإن كان يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد، إذ به يتملك المنزل في النهاية.

وقد أكد المسلمون الذين يعيشون في هذه الديار بالسماع المباشر منهم وبالمراسلة: أن الأقساط التي يدفعونها للبنك بقدر الأجرة التي يدفعونها للمالك، بل أحيانا تكون أقل، ومعنى هذا أننا إذا حرمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك حرمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبر الفقهاء، وربما يظل عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، يدفع إيجارا شهريا أو سنويا، ولا يملك شيئا، علـى حين كان يمكنه في خلال عشـرين سـنة ـ وربما أقل ـ أن يملك البيت.
فلو لم يكن هذا التعامل جائزا على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، لكان جائزا عند الجميع للحاجة التي تنزل أحيانا منزلة الضرورة، في إباحة المحظور بها.
ولا سيما أن المسلم هنا، إنما يؤكل الربا ولا يأكله، أي هو يعطي الفائدة ولا يأخذها، والأصل في التحريم منصب على (أكل الربا) كما نطقت به آيات القرآن. وإنما حرم الإيكال سدا للذريعة، كما حرمت الكتابة له والشهادة عليه، فهو من باب تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد.

ومن المعلوم أن أكل الربا المحرم لا يجوز بحال، أما إيكاله ـ بمعنى إعطاء الفائدة ـ فيجوز للحاجة، وقد نص على ذلك الفقهاء، وأجازوا الاستقراض بالربا للحاجة إذا سدت في وجهه أبواب الحلال.

ومن القواعد الشهيرة هنا: أن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة، والله الموفق



--------------------------------------------


http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528609404




تفاصيل الاستشارة والرد

منير - المغرب الاسم
شراء البيوت من البنك الربوي العنوان
هل يجوز شراء بيت من بنك ربوي ؟السؤال
21/11/2000التاريخ
الحل

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الجواب: نفيد الأخ السائل أن كل قرض جرّ نفعًا فهو ربًا؛ ولذلك فأخذ قرض من البنك على أن يكون ربا فهذا عقد باطل شرعًا ولا يحل، ولكن إذا استطاع الأخ أن يقنع البنك أو شركة من الشركات أن تبيع له هذا البيت بالتقسيط ولا تسمي فائدة قلّت أو كثرت، وإنما تبيعه له بالتقسيط ولو كان بنفس ثمن الفوائد الربوية، فإن البيع بالتقسيط جائز شرعًا، أما البيع على أساس فوائد محددة فهذا لا نفتي به للمسلم أبدًا، إنما هذه الفتوى صدرت من بعض العلماء بالنسبة للذين يعيشون في بلاد الغرب –أوروبا وأمريكا-، بناء على أنه يجوز أخذ الفوائد في دار الحرب أو في غير بلاد المسلمين، وهذا كلام محل خلاف كثير، وهو لا ينطبق عليكم في المغرب؛ حيث إنها بلاد إسلامية؛ ولذلك يجب أن تبتعد عن أي قرض فيه ربا، وإنما لك أن تسعى في أن يبيعوا لك بالتقسيط مهما كان الثمن زائدًا فهذا جائز
وندعو الله عز وجل أن تظل أنت وأسرتك على التحري في الدين، ومتابعة الحلال. والله الموفق