sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

القضاء منزَّه عن السياسة لكن القضاة منوط بهم الإصلاح

الحياة

القضاء منزَّه عن السياسة لكن القضاة منوط بهم الإصلاح

نادر فرجاني الحياة - 30/08/05//

استقلال القضاء مطلب شعبي وضرورة إصلاح تتجاوز – مع كل الاحترام الواجب – القضاة أنفسهم، ودعم القضاة الآن واجب أول على كل وطني.

بداية، نفرق بين القضاء من ناحية، وبين القضاة في لحظة زمنية معينة، من ناحية أخرى. القضاء أحد أهم مؤسسات الحكم، والقضاء المستقل المنصف إحدى دعائم نسق الحكم الصالح. القضاء – مؤسسة وقيمة – من أعز ما يملك الشعب، ويعلق عليه الآمال في صيانة الحرية والكرامة الإنسانية، ومن ثمّ فإن الحرص على قيام قضاء منصف ومستقل يتجاوز القضاة أنفسهم إلى الشعب قاطبة. ولكن زمرة القضاة في لحظة زمنية محددة تحمل شرفاً مزدوجاً: القيام بأعباء القضاء من ناحية، والتعبير عن ضمير الأمة من ناحية ثانية، باعتبارها شريحة من ألصق شرائح النخبة بحماية الحق وإقامة العدل كأساس للحكم الصالح، ومن ثم يشكلون ضمير الأمة في مسارها التاريخي، إذ تحت الاستبداد والفساد يضحي مجرد إحقاق الحقّ وإقامة ميزان العدل فعلاً سياسياً بالمعنى الأشمل، على الأقل في رأي أعمدة الحكم الفاسد، وإن حمى حقوق الناس.

كل هذا يضع القضاة في لحظات تاريخية فارقة، تجاه تحد تاريخي فحواه الإسهام في الإصلاح الهيكلي، أو البنيوي للحكم، خصوصاً في منظور ضمان سيادة القانون، المنصف والحامي للحرية، وضمان الاستقلال البات للقضاء. ومن ثم يصبح الإصلاح منوطاً بالقضاة، لكونهم شريحة طليعية من ضمير الأمة، في مرحلة التحول من حبس الحرية، من خلال الاستبداد والفساد، إلى مجتمع الحرية والحكم الصالح. بل ليس من المستبعد أن يتولى القضاة، في مرحلة انتقالية، أعباء تسيير المجتمع مباشرة. ولا يدنس ذلك الموقف شرف القضاء، بل يعلي من شأنه في المنظور التاريخي، ويعد عربوناً للمكانة الأرقى للقضاء في مجتمع الحرية والحكم الصالح.

من المهم هنا التحذير من سعي أساطين الحكم الاستبدادي إلى إبعاد القضاة من الإسهام في مهمة الإصلاح التاريخية بدعوى عدم تسييس القضاء.

أما في مجتمع الحرية والحكم الصالح، فيتنزه القضاء، المستقل قطعاً، عن أهواء ودنس السياسة، بمعنى التنافس على الحكم. ولا معنى للمناداة بعدم تسييس القضاء قبل بلوغ هذا المثال، إلا محاولة تخريب واحد من أهم روافد الإصلاح.

ومن حسن الطالع أن قضاة مصر تصدوا بشرف وبسالة ورصانة لقضية الإصلاح. لكل ذلك أمسى واجباً على كل وطني أن يدعم نضال القضاة من أجل الحرية والحكم الصالح في مصر. وأضعف الإيمان في تقديري هو التوقيع على «عريضة الشعب» التي يجري تداولها الآن، وإيصال الرسالة إلى القضاة وإلى كل من يهمه الأمر، حبذا قبل الاجتماع التاريخي للجمعية العمومية لنادي القضاة في الثاني من أيلول (سبتمبر) المقبل!

كاتب مصري


انتباه: أوروبا على طريق التعريب والأسلمة!

الحياة

انتباه: أوروبا على طريق التعريب والأسلمة!

رغيد الصلح الحياة - 30/08/05//

منذ الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) وصوت المحذرين من نمو ظاهرة المهاجرين العرب والمسلمين في دول الغرب يرتفع باضطراد. وبعد الانفجارات التي اصابت لندن خلال شهر تموز (يوليو) الفائت ازداد هذا الصوت علواً. فبالمقارنة بين الاعمال الارهابية التي استهدفت المدن الاميركية وهذه التي استهدفت العاصمة البريطانية يبرز فارق مهم هو ان الارهاب جاء الولايات المتحدة من الخارج، بينما تبين في لندن انه بريطاني الصنع. ومع السعي الى تسليط الانظار على هذه الظاهرة والسعي الى استجلاء اسبابها وآثارها، تمحورت هذه التحذيرات حول مستقبل القارة الاوروبية. وفي سياق ما انجبته الاعمال الارهابية من جدل وردود فعل، اطلق المحذرون من الوجود العربي في أوروبا أرقاماً ومعلومات وتوقعات كثيرة اتسمت بالاثارة والمبالغة، وسواء اشتط اصحاب هذه المعلومات والتوقعات في مجانبة الدقة أو لا، فهي من شأنها اذا تراكمت ولم تجد من يناقشها، ان تترك آثاراً بعيدة المدى على العرب في أوروبا وعلى العلاقات العربية - الأوروبية، فما هي هذه الاحصاءات والتوقعات وما هي تلك النتائج؟

يتفق اكثر المنبهين الى الخطر العربي والاسلامي على أوروبا على ان في القارة اليوم قرابة 15 مليوناً من المسلمين اكثرهم من العرب الوافدين من الدول المتوسطية. وان الغالبية الساحقة من هؤلاء موجودة في فرنسا التي يبلغ عدد المسلمين فيها حوالي الاربعة ملايين كثرتهم من المغرب العربي. ان هذا الرقم ليس نهائياً وليس حقيقة ساكنة، اذ يجزم المحذرون من خطر العرب الاوروبيين ان عددهم في ازدياد متسارع ومتصاعد، وان وراء هذا الاستمرار عوامل عديدة في مقدمها ما يأتي:

• الهجرة المتنامية من الدول العربية المحيطة بأوروبا الى دول القارة. يلاحظ نايال فرغسون استاذ التاريخ في جامعة هارفرد، والداعية الى الامبريالية الجديدة، ان هذا العامل هو الأساس طالما ان الدول العربية تعاني من التخلف الاقتصادي والاجتماعي وما دامت اوروبا توفر فرص عمل للعرب العاطلين عن العمل.

• التزاوج في تقدير الاكاديمي الاميركي جيرهارد فولك واضع كتاب «كرة القدم والهوية القومية الاميركية». ان العرب رجالاً ونساءً يعملون على تعريب أولادهم مهما كانت جنسية ورغبة الأم أو الأب. ويذهب فولك الى الاعتقاد ان المزيج من الهجرة والتزاوج سيؤدي الى تحويل فرنسا خلال العقود المقبلة الى اول دولة اوروبية عربية وثالث دولة اوروبية اسلامية بعد تركيا والبانيا!

• نسبة التوالد عند العرب والمسلمين: ولقد عاد البعض من هؤلاء الى الارقام التي نشرتها هيئة الامم المتحدة منذ الخمسينات وحتى هذا التاريخ لكي يستنتج ان نسبة المواليد بين العرب، تبلغ عادة ثلاثة اضعاف نسبة المواليد بين الاوروبيين. ان هذه التقديرات المالتوسية لن تؤدي الى التكاثر الفائق في عدد العرب والمسلمين في اوروبا فحسب، ولكنها ستؤدي، كما يؤكد بعض قارعي اجراس الانذار مثل المؤرخ البريطاني الاصل برنارد لويس، الى ان يصبح المسلمون الاكثرية في اوروبا في نهاية القرن الواحد والعشرين، أي أن أوروبا ستصبح قارة مسلمة. ولما كان اكثر هؤلاء المسلمين هم من العرب، فإن القارة ستتعرب!

إن تحول العرب والمسلمين الى أكثرية عددية في اوروبا لن يكون مجرد حقيقة ديموغرافية، بل انه سيتحول الى واقع يرخي بثقله على كل مناحي الحياة، خصوصاً على الصعيد السياسي، فالعرب والمسلمون لا يأتون الى القارة، «... من أجل بدء حياة جديدة ولكسب العيش شاكرين فيها البلد المضيف... وإنما هم يأتونها وفي نيتهم التحول الى أسياد هذا البلد... وهذا النزوع داخل في صلب العقيدة الاسلامية» كما يقول فرانك فانهيكي، زعيم حزب «الكتلة الفلمنكية» العنصري النظرة والمنتشر في شمال بلجيكا.

ويؤيد دافيد برايس جونز، الكاتب الانكليزي، هذه النظرة الى الاسلام والى الجماعات الاسلامية. وهو يسند رأيه هذا باقوال ينسبها الى زعماء بعض هذه الحركات مثل «حزب الله» اللبناني، إذ ينسب الى زعيمه رفضه التفاوض مع الغرب، او اعطاء تنازلات الى الدول الغربية لأن حزبه وسائر المسلمين يعملون على «اجتثاث الغرب». ولا يفيد جونز القارئ عن مصدر هذا القول، ولا يسعى الى التأكيد على صدقيته، هذا علماً بأن «حزب الله» كان طرفًا في مفاوضات مثمرة مع المانيا أدت الى اطلاق سراح ألوف اللبنانيين من سجون اسرائيل. إلا أن الكاتب الذي يتوقع هو الآخر «أسلمة أوروبا» يصر على ان المسلمين والعرب الذين يؤمون أوروبا مصممون على السيطرة على القارة.

ان الاستيلاء على الحكومات الاوروبية قد يكون ممكناً عندما يتحول العرب والمسلمين الى اكثرية سكان القارة. هذا معناه ان هذا الخطر قائم ولكنه، اذا صحت حسابات برنارد لويس، فإنه مؤجل الى نهاية القرن. بيد ان فريقاً من قارعي اجراس الخطر يرى ان هذا النهج ينطلق من معايير ديموقراطية تعتبر الحكومات معبرة عن غالبية المواطنين، بينما ينبه هذا الفريق الى ان العرب والمسلمين لا يأبهون لهذه المعايير، وبالتالي فإنهم لن يكونوا في حاجة الى الاصطبار الى نهاية القرن حتى يصيروا أكثرية الاوروبيين، فيأخذوا القارة عندها عن طريق صناديق الاقتراع. بدلاً من ذلك، يكفي العرب والمسلمون ان ينتشر في القارة عدد قليل من ابناء عقيدتهم حتى يبدأوا مسيرتهم الجهادية للاستيلاء على الحكومات الاوروبية عن طريق العنف. وينسجم هذا الطريق مع النظرة التي تصاحب قدوم العرب الى أوروبا، إذ انهم يأتونها ومعهم، كما يقول برايس - جونز، رغبة تاريخية في الثأر من الاوروبيين.

ويخشى باتريك سوخيديو، مدير معهد دراسة الاسلام والمسيحية، ان تكون بريطانيا باتت الآن على شفير هذه المرحلة، فالمسلمون فيها يقطنون ويتكاثرون بسرعة في المدن البريطانية الرئيسية التي تشكل عصب الحياة في البلاد من الشمال الاسكوتلندي الى لندن في الجنوب. وهو يتوقع ان يصبح المسلمون في هذه المدن اكثرية خلال عقد او عقد ونصف من الزمن. ويشاطر اكاديمي اميركي لبناني الاصل سوخيدو هذه المخاوف، ولكنه يقدر ان «الاستعمار» الاسلامي والعربي سيركز على مناطق معينة مثل منطقة يوركشير، كما فعل العرب في جنوب اسبانيا او في البلقان، أي انه لن يستهدف كافة انحاء القارة.

ومما يسهل بلوغ هذه المسيرة الجهادية غاياتها، في نظر المحذرين منها، هو نزعة التخاذل المنتشرة في اوروبا. ويعبر سياسيون اوروبيون عن هذه النزعة عندما يفرقون بين الارهابيين، من جهة، وبين وبين العرب والمسلمين، من جهة اخرى. فالاسلام، عند مارك ستاين، احد المعلقين الرئيسيين في صحيفيتي «ديلي تلغراف» و «سبكتاتور» البريطانيتين، هو في حد ذاته اكبر حاضن للعنف. ويتفق سوخيديو، مع ستاين في التحذير من الحديث عن «الاسلام المعتدل»، إذ ان تعاليم الاسلام لبثت تحث، في نظره، على العدوان منذ نشأته في القرن السابع الميلادي. ويجد ماثياس دوبفنر، مدير مجموعة اكسل شبرنجر للنشر في المانيا، نزعة التخاذل هذه عند زعماء اوروبا الذين يمضون وقتهم في انتقاد اسرائيل لانها تحارب الارهابيين بدلا من ان يلتفتوا الى الشرور التي حلت بالديار الاوروبية نفسها.

وما حل بأوروبا يضعها، في رأي أكاديمي عربي مقيم في المانيا، امام واحد من خيارين: اما ان تطبع الاسلام بالطابع الاوروبي أي نتتج اسلاماً اوروبياً، واما ان تطبع اوروبا بالطابع الاسلامي فتتحول الى قارة اسلامية. اما المؤرخة بات يئور المختصة بـ «الذمية» فترى ان اوروبا تتراجع بسرعة التخلي عن تقاليدها اليهودية -المسيحية التي تجاوزت بها مرحلة التنوير، لكي تقع في اسر تقاليد عربية - اسلامية تتخلف بها عن مبادئ التنوير. ومع هذا التحول، تفقد اوروبا، كما تلاحظ يئور بخوف، شخصيتها الحضارية المتقدمة لكي تتحول الى «اوروبيا» أو «يوروبيا» EUORABIA! ولا يقتصر استخدام هذه التسمية على يئور وإنما بات شائعاً بين الكثيرين - مثل جيرهارد فولك - ممن يرونه مناسباً الى أبعد حد للتعبير عن التحولات الحضارية والفكرية التي ستطرأ في المستقبل المنظور، في تقديرهم، على القارة الاوروبية.

قد يرى البعض في هذه المبالغات شيئاً من النكات السمجة التي لا تصمد امام حقائق ملموسة. فالمسلمون في بريطانيا لا يزيدون على ثلاثة في المئة من مجمل سكانها. وهذه النسبة باقية على حالها منذ سنوات كثيرة. وفي الوقت الذي تعلن فيه حكومات عربية تخليها عن الانتماء العربي من الصعب ان يتخيل المرء تخيل فرنسا الى دولة عربية! مع ذلك فإن تكرار هذه الاقاويل والانذارات وتداولها عبر وسائل اعلام واسعة الانتشار، وتزامنها مع اعمال ارهابية تقوم بها منظمات عربية او اسلامية، والطرق المستمر عليها من قبل احزاب عنصرية اوروبية متزايدة القوة ومن قبل مؤيدي اسرائيل النافذين في المجتمعات الغربية يضفي عليها مصداقية ويؤثر تأثيرا كبيرا على مستقبل العرب في اوروبا، وعلى العلاقات العربية - الاوروبية.

ولعله من المفيد ان نتذكر هنا كيف استخف الكثيرون بالمبالغات والاتهامات التي وجهها هتلر الى اليهود في اوروبا. حتى اذا وصل النازيون الى الحكم في المانيا، اعتبروا تلك التخيلات والمبالغات حقائق دامغة، واستخدموها كمبرر لارتكاب المحرقة، وهي واحدة من اكبر جرائم العصر. ان الذين يخوفون الاوروبيين والغرب من اسلمة اوروبا وتعريبها، يسيرون على طريق الهتلرية ويسعون الى جر الاوروبيين الى السير على نفس الطريق. ان خطر هؤلاء على اوروبا وعلى حضارتها لا يقل عن خطر معتنقي الافكار الارهابية. خصوصاً اذ يضعون الالغام على طريق التفاهم والتعاون والشراكة بين العرب والاوروبيين.

كاتب لبناني.


الصدقة المنظمة أفضل

الحياة

الصدقة المنظمة أفضل

علي بن طلال الجهني الحياة - 30/08/05//

ان مشكلة الفقر في نهاية المطاف «هيكلية». ولذلك يتعذر حلها بحلول لها نصيب من الديمومة بجهود فردية. والدولة، أي دولة بطبيعة الحال، قد تكون قادرة على حلها موقتاً إذا لم تجد غضاضة في مصادرة حقوق المواطنين المادية والمعنوية، وحكمهم بأعنف الوسائل، كما حدث في غالبية دول حلف وارسو الشيوعية.

وكما يعرف طلاب علم الاقتصاد، إذا سد الإنسان رمقه طالب باحتياجات أخرى، مما يؤدي بدوره، عاجلاً أو آجلاً، إلى انهيار البناء الذي شيد على أعمدة العنف وبقية وسائل الترويع.

غير أن حكم الناس بالحديد والنار، بحد ذاته، كما رأينا مع الدكتاتوريات العسكرية التي لا عقيدة لها غير بقائها بالحكم- بأي ثمن- لا يضمن توفير الحد الأدنى مما يقتات به الإنسان بصورة يومية، كما هو ملموس حالياً في بعض دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وقد تكون أسوأ درجات الفقر في آسيا على الأقل، في دولتي بورما وكوريا الشمالية. ولا يخفى على متابع شدة درجة القمع والتجويع والقتل إذا دعت الضرورة، في هاتين المنطقتين المنكوبتين بأنظمة بوليسية استثنائية في درجة قسوتها.

والمراد توضيحه، كما أُشير الى جزء منه، في هذا المكان يوم الثلثاء الماضي، ان ينطلق الحل من خلق الدوافع الذاتية لدى الفقراء أنفسهم، حينما يكون ذلك ممكناً، للخروج من مستنقعات الفقر المميتة للأفراد ولمجتمعاتهم ولو بعد حين. وللتوضيح نضرب أمثلة للنجاح، ومثل إضافي، ان حقق نجاحاً فليس من المرجح أن يكون نجاحاً له الديمومة.

المثال الناجح الاول، وهو من «الحلول الإبداعية الحقيقية» كما يقول الدكتور غازي القصيبي في كتابه «العولمة والهوية الوطنية» مكتبة العبيكان، 2002.

وهذا المثال المقصود هو «بنك جرامين» في بنغلادش. يقول القصيبي: «أترك صاحب هذا المشروع الرائد يتحدث عن تجربته:

«لقد قيل لنا المرة بعد المرة انه لا يمكن للفقراء ان يسددوا القروض، وإنه لا يمكن أن نقدم الائتمانات للفقراء... واليوم وبعد ان قدمنا أكثر من بليون دولار على هيئة قروض صغيرة (معدل الواحد منها مائة دولار) إلى أفقر الطبقات في بنغلادش، وجدنا ان نسبة التسديد تتجاوز 98%. وهؤلاء المقترضون الصغار تمكنوا من تحسين مستواهم المعيشي باستمرار، وخلال عشر سنوات يتمكن نصفهم من تجاوز خط الفقر، ويوشك 27 في المئة منهم ان يتجاوزوه». وحتى لا تتصوروا أن البروفيسور يونس يبالغ في وصف حلمه الذي تحول إلى حقيقة، فسوف أضيف إلى شهادته رأي مراقب موضوعي، هو نائب رئيس البنك الدولي إسماعيل سراج الدين:

«اذهب إلى بنغلاديش، واحدة من أفقر دول العالم، وخذ المعدمين، خذ نساءهم، أفقر الفقيرات... لهؤلاء النساء يقدم البنك قروضاً تتراوح قيمة الواحد منها بين 35 و50 دولاراً... المقترضات لا يتمكنّ من تسديد القروض فحسب، بل أن 48 في المئة منهن يتمكنّ خلال ثماني سنوات بعد القرض من تجاوز حد الفقر».

والمثال الثاني، صندوق الأمير للشباب، وهو المشروع الذي بدأه أمير ويلز. هذا الصندوق يقدم للشباب محدودي الدخل في ما بين الثامنة عشرة والثلاثين قروضاً لإقامة مشاريع خاصة بهم، ويقدم مع القروض الخبرة التي يحتاج إليها الشباب في دراسة الجدوى، والتسويق، والتمويل. لقد تمكن الصندوق من مساعدة أكثر من 33 ألف شاب على ان يبدأوا أعمالهم الخاصة. ومن هذه المشاريع هنالك مئة مشروع هي الأنجع، يبلغ حجم عملها 80 مليون جنيه، وتوظف 500 عامل. (مصدر المثالين كتاب القصيبي المذكور)

ومثال ثالث جديد يبشر بالنجاح في السعودية، ألا وهو «صندوق المئوية»، الذي ولد في 8 حزيران (يونيو) عام 2004. هذا الصندوق الذي يحاكي مشروع «صندوق الأمير للشباب» بما يتفق والظروف السعودية، يهدف تحديداً إلى تمكين الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، إلى تأسيس مشاريع استثمارية منتجة يتعذر تمويلها من مصادر التمويل المعتادة. (انظر «الحياة»، صفحة 7، في 6 حزيران/ يونيو 2005). وفي الوقت الحالي تتراوح مبالغ القروض بين 75 ألف ريال حداً أدني و 200 ألف ريال حداً أقصى.

وبما أن القضاء على الفقر بصوره «الهيكلية» لا يتم من دون توظيف من لا يجدون فرصة للعمل، أو فرصة لخلق فرص عمل إضافية عن طريق الاستثمار في مشاريع خاصة يديرها أكثر الناس مصلحة في نجاحها - أصحابها-، فإن «صندوق المئوية» من أفضل وسائل الأعمال الخيرية التي تفيد أكبر عدد من المواطنين، نسبة إلى ما يمدها به المحسنون من هبات لتمويله من جميع الجهات الفردية والمؤسساتية. أي ان ما يمنحه من قروض صغيرة نسبياً يعطي دافعاً ذاتياً للمقترضين للنجاح. ونجاحهم يضيف إلى الاقتصاد الوطني أضعاف مكاسبهم الفردية.

أما المثال الذي قد تكون نسبة نجاحه اقل من المأمول فهو تبرع مُؤسس شبكة «سي ان ان» تيد تيرنر بمبلغ ألف مليون دولار لمنظمات الأمم المتحدة الإنسانية. ومع ان الجميع يتفق على نبل دوافع تأسيسها، فإن المنظمات الدولية البيروقراطية، بطبيعتها، ليست أكثر أنواع التربة خصوبة لإنبات أعمال خيرية بكفاءة عالية.

أكاديمي سعودي.



عراق...ليس إلا عراق

الحياة

«عراق...ليس إلا عراق»

ماهر عثمان الحياة - 01/09/05//

بعد ان فكك الاحتلال الاميركي الدولة العراقية في عهد الحكم المدني الاميركي، الديبلوماسي من الدرجة العاشرة، بول بريمر الذي عين قيماً على شؤون ومستقبل بلد عربي عظيم عريق، تدفع الولايات المتحدة الآن في اتجاه تغيير هوية العراق وتركيبته كدولة من خلال اقامة الدستور العراقي الجديد على اسس طائفية وعرقية بغيضة تنكر على العراق انتماءه الى أمته العربية وتفرق بين العربي العراقي وأخيه العربي العراقي طائفياً.

ان تيار التفرقة الطائفية الذي يشجعه الاميركيون والمتعاونون معهم في العراق يصب في اتجاه ايجاد بلد مشوه يريدون هندسته جينياً ليكون غريبا لا على أمته وحسب، وانما ايضاً على غالبية اهله.

لقد ترك قرار «المحافظين الجدد»، اي الصهاينة المتغلغلين في انسجة اهم دوائر ادارة بوش ووزاراتها، تفكيك الدولة العراقية هذا البلد العربي ليس فقط من دون جيش كان سيبقى العمود الفقري لأمن الدولة، وانما ايضاً من دون قوات أمن ومن دون اهم الكوادر الادارية المدربة المتعلمة وذات الخبرة، وأحل محلها اولئك العائدين الى العراق على ظهور دبابات الاحتلال بعد تعميدهم بأموال «البنتاغون» ووكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي.آي.اي).

ان الكيان العراقي المشوه الذي يؤسس له الاحتلال الاميركي الآن مستعجلاً استيلاده ليكون بوسع الرئيس بوش سحب جزء من القوات الاميركية من العراق بعيداً عن مخاطر عمليات مقاومة الاحتلال سيكون كياناً غريباً حقاً. فالاكراد الذين طالما تمتعوا، منذ 1970 بأقصى وافضل درجات الحكم الذاتي مقارنة باخوانهم في تركيا وايران مثلاً، استطاعوا بتشجيع الاميركيين ودعمهم ان يفرضوا النظام الفيديرالي على مسودة الدستور رغم شدة المقاومة لهذا المفهوم الذي ترفضه غالبية العراقيين لأنها ترى فيه شبح تجزئة العراق وتعرف ان الاحتلال لا يأبه بعروبة العراق او وحدته الوطنية او سلامته الاقليمية. لقد استطاع الاكراد ليس فقط تسلم رئاسة العراق وبالتالي ادعاء الايمان بوحدته الفضفاضة فيديرالياً، وانما فرض مواد وبنود في الدستور تتعلق بتوزيع الثروات الوطنية على نحو يوجد تمييزاً لمصلحتهم ومصلحة المطالبين بالفيديرالية لجنوب العراق مع ترك اهالي الوسط تحت رحمة الجناحين الفيديراليين.

يحق للعراقيين، جميع العراقيين غالبية واقليات كثيرة متنوعة، ان يفخروا بحضارات العراق القديمة والاحدث عهداً وما تركته للبشرية من منجزات انسانية سامية كالابجدية والكتابة والشرائع القانونية والعلوم الفلكية والرياضية والهندسية وغيرها واساطير الخلق والطوفان وملحمة غلغاميش في عهود السومريين والكلدانيين والاشوريين، وصولاً الى منجزات مماثلة، واعظم احيانا، في عهد الدولة العباسية. ولكن ماذا يبقى للعراقيين اذا نزعت صفة العروبة عنهم وعن بلدهم، وماذا يبقى منهم لاخوتهم العرب؟ هل يريد الغرباء والمتأثرون بفكرهم: ان يزجوا بأبي الطيب المتنبي في سجن ابو غريب؟ او يصلبوا «ابو فرات» محمد مهدي الجواهري على نخلة عراقية باسقة، او يلقوا ببدر شاكر السياب في مياه شط العرب وهو يهتف حرقةً وحنيناً: «عراقُ، عراق، ليس الا عراق»؟.

ليست المسألة مسألة تراث شعري وحضاري وحسب. انها مسألة انتماء الى أمة وقضاياها. وقد حان للاهثين وراء اقامة عراق طائفي مشوه ان يدركوا ان المحتل الاجنبي لا يريد بالعراق واهله خيراً، فهو خطط لتجزئة البلد وبث الفرقة بين اهله. ان تغليب عراقية العراقيين على اي اعتبارات اخرى، طائفية كانت او عرقية، واحترام الصفة الغالبة في غالبية العراقيين من دون انكار حقوق هما المنطلق الاكثر رشداً للخروج من الازمة الحالية الناشئة بسبب مسودة دستور لا تحظى بقبول ملايين العراقيين. ومع ان من المهم ان يكون للعراق دستور يتصف بالرقي ديموقراطياً وانسانياً، فان اي فقرات سامية فيه تخبو قيمتها اذا ضم الدستور بنوداً تهدد وحدة عرق المستقبل وتلصق به سمة التفرقة الطائفية والعرقية.


بلد عربي غير عربي

الحياة

بلد عربي غير عربي

عبدالوهاب بدرخان الحياة - 01/09/05//

مأساة أخرى، مأساة زائدة في العراق، مهولة ومفجعة تتخطى الحزن الى ما هو أعمق. لم يكف القصف لإرعاب الناس فأجهز عليهم الاهمال وسوء التصرف الأمني فضلاً عن سوءالتنظيم. مئات قضوا أمس على جسر الائمة بين الاعظمية والكاظمية، رحمات الله عليهم.

رحل هؤلاء العراقيون في لحظة دقيقة تمر بها بلادهم. ولعلهم ماتوا قبل أن يشهدوا الفصل القاتم التالي، الذي سيكرس تفتت ما كان متعارفاً على انه العراق. ويراد لهذا التفتيت أن يتم بـ «شرعية» دستورية، أي أن أهل العراق قد جلسوا وتحاوروا وتوافقوا وتوصلوا الى اتفاق حر ونزيه على أن يتقاسموا البلد جغرافية وثروات وسلطة، بل انهم اتفقوا خصوصاً على أن عراقهم لم يكن له تاريخ وليست له هوية وانما وجد بالأمس مع دخول الاحتلال الاميركي وما عليهم الآن سوى فرز المغانم وتشريع اكتسابها. وفي مثل هذه الحال يفرض المنتصرون ارادتهم حتى لو كانت متخلفة رجعية لكنها مصاغة بمصطلحات العصر، كأن يقال ان «النظام الاتحادي» أثبت أنه الأكثر احقاقاً للحقوق، إلا أنهم يتجاهلون الظروف التي تقلبت فيها «الفيديراليات» المعروفة، ويتجاهلون أن الصيغة التي استقرت عليها لم تكن ارادة فئة تفرض على فئة أخرى.

لم أكن شخصياً، ولا في أي يوم، إلا مؤيداً ومدافعاً عن حقوق الاكراد وطموحاتهم في العراق وغير العراق. ولم أكن شخصياً، ولا في أي يوم، متعاطفاً مع نظام صدام حسين أو مراهناً عليه، سواء سمي بعثياً أو قومياً أو أي شيء آخر. لكنني مثل كثيرين غيري في العالم العربي لم اؤيد اسقاط العراق في غمرة اطاحة ذلك النظام. كما انني مثل كثيرين من العرب لا اعتقد بأن اعطاء الأكراد حقوقهم كاملة يجب أن يعني شرذمة البلد وتقسيمه. ولذلك فإن «الفيديرالية»، كما طرحت وأقرت، ومهما حسنت النيات، كانت ولا تزال الاسم المضلل لـ «التقسيم». ولا اعتقد أن للأكراد مصلحة حقيقية في أخذ استقلالية كيانهم في مثل هذا الظرف غير التوافقي في العراق، لكنني بالتأكيد أقف مع الاكراد في سعيهم الى تحصين كيانهم وتثبيت حقوقهم، وفي الوقت نفسه أقول لهم بكل نزاهة انهم لا يستطيعون الانفراد بهذا الكيان وثرواته ومن ثم ادعاء أنهم مساهمون أقوياء وايجابيون في وحدة العراق.

للأسف، سهلت الظروف المضطربة للاكراد ان يبتزوا طرفاً عراقياً آخر يرغب فعلاً في أن يتعرض لمثل هذا الابتزاز، لأنه يبحث بدوره عن ذريعة لنسف العراق المتعارف عليه. وهكذا بدت صفقة الاكراد مع شيعة ايران أشبه ما تكون بالتحكيم الشهير الذي جرى بين الاشعري وبن العاص، لكن مع نتائج «مصححة» هذه المرة، اذ رمت الى الاطاحة ليس بالعراق وانما بعروبته، وجرى تقديم الاعتراف بالعراق «المسلم» على انه «تنازل» (لمن؟ للسنّة؟). من الواضح ان الحقد الأعمى لا يختلف كثيراً عن العنف الأعمى، فكلاهما لا ينتج سوى الهراء، وطبعاً مع كثير من الاخطاء التي لن تلبث أن تظهر في حياة الشعوب، ولا بد ان تتسبب بكوارث. من حق المتضررين والمتألمين من نظام صدام ان ينتقموا لكنهم مطالبون بأن يبنوا دولة ووطناً لمواطنيهم ولا يمكن ان يبنى وطن اعتماداً على الأحقاد وحدها. كما لا يمكن للحاقدين، مهما بلغ الانتقام، ان ينسوا أين يعيشون وفي أي محيط يسبحون، أو أن يتجاهلوا ماذا يمثل العراق نفسه للعروبة.

العراق بلد غير عربي. هذا ما يريد «الدستور» ان يقوله. يتكلم العربية وليس عربياً. يتشارك مع العرب في التاريخ والجغرافيا والحدود والتراث والبشر لكنه غير عربي. هذه ليست مقدمة للانشقاق أو الانفصال التدريجي عن العالم العربي فحسب، انها بالأحرى حيلة لتغطية حرمان العرب من السلطة والثروة في آن. فالتقاسم الكردي - الشيعي (الفارسي) لم يقم فقط على توزع مناطق النفوذ المعنوي والسياسي، الطائفي والعرقي، بل استند أساساً الى تقاسم الثروة. وليس مهماً ما ورد في نص مسودة الدستور على التوزيع العادل للثروة الوطنية طالما ان الحكم المركزي سيصبح مسخاً مهلهلاً يخضع لمشيئة الاقاليم وميليشياتها. مثل هذا الكيان المبعثر، البلاهوية، المتخاصم على سبل العيش كما في أيام الدويلات أيام الحرب الصليبية، لا بد أن يكون خبراً جيداً لليكوديي الادارة الاميركية، ولذلك فإن الرئيس بوش يعلن انه متفائل.


(جمهورية على الطريقة الإيرانية)

الحياة

عيون وآذان

(جمهورية على الطريقة الإيرانية)

جهاد الخازن الحياة - 01/09/05//

يهدد قيام جمهورية إسلامية على الطريقة الايرانية في العراق كل بلد في المشرق العربي وكل شعب.

الحزبان الكبيران في التحالف الشيعي الحاكم في العراق، ومعهما بعض الاحزاب الصغيرة، يريدان جمهورية إسلامية في جميع العراق، فإن لم يكن ففي الجنوب وحده، حيث أصبحت مظاهر الحياة اليومية تعكس النموذج الايراني فعلاً، قبل الاختلاف على الدستور أو الاتفاق، وقبل الاستفتاء على الدستور، أو التصويت في انتخابات عامة.

السيد عبدالعزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، يريد جمهورية إسلامية، وربما كان يفضّل عليها منطقة حكم ذاتي شيعية في المحافظات الجنوبية التسع من العراق، حيث يوجد أكثر مخزون العراق من البترول.

وفي حين يؤيد حزب الدعوة الذي يترأسه رئيس الوزراء ابراهيم الجعفري الحكم الذاتي في جنوب العراق، فإن حماسة السيد الحكيم أكبر، وهو كان عاش طويلاً في ايران كأخيه الراحل السيد محمد باقر الحكيم، وقد حاربت جماعته الى جانب ايران ضد نظام صدام حسين في الثمانينات، ومع ان آية الله الخميني أراد تصدير الثورة ورفض وقف إطلاق النار الذي قبله الرئيس العراقي، فإن السيد عبدالعزيز الحكيم اعتذر لايران (كغيره من زعماء الشيعة) وطالب بدفع تعويضات لها، ثم أنكر ذلك بسبب الضجة التي استقبل بها موقفه. ولا يزال المجلس الأعلى حتى اليوم يتلقى مساعدات ايرانية من كل نوع.

لا أتهم أحداً من قادة الأحزاب الشيعية في العراق بالعمل لاسرائيل أو التعامل. فالغباء كان دائماً أكثر من الخبث أو التآمر، ولكن اسأل المواطن العربي في كل بلد، الشيعي قبل السنّي أو المسيحي، هل هناك شيء في العالم كله يخدم اسرائيل أكثر من قيام دول دينية في المشرق العربي، تبرر وجود اسرائيل كدولة دينية، أو لدين واحد؟

السؤال ليس أكاديمياً، ومع ان البداية في العراق، فإننا نجد ان في كل بلد عربي البديل من الحكم القائم هو أحزاب دينية. والكارثة الانسانية في بغداد أمس ربما كانت مؤشراً من أعلى الى خطر بعض الممارسات على أصحابها قبل الآخرين.

نقول «اذا كرت المسبحة»، ويقولون «تأثير حجارة الدومينو»، والمعنى واحد، فإذا قامت دولة إسلامية في العراق، واذا استمر الضغط على سورية ولبنان وكل بلد، هل تقوم دولة للمسيحيين في جبل لبنان، وللشيعة في البقاع والجنوب، وللسنّة في الشريط الساحلي وعكار؟ وهل تقوم دولة علوية في جبال العلويين في سورية، ودولة درزية في جبل الدروز، ودولة سنّية حول دمشق؟ وهل يخلف الاخوان المسلمون، أو نموذج عنهم، الحكومات القائمة في بلدان عربية أخرى؟ هذا أفضل لاسرائيل من حرب تنتصر فيها على العرب.

كتبت قبل أيام ان العراق كما نعرفه انتهى، ولا أزال عند رأيي ثم لا أزال أدعو ان أكون مخطئاً. اليوم أقول ان المشرق العربي كما نعرفه سينتهي اذا لم يحبط مخطط الدولة الدينية في العراق.

ومرة أخرى، أدعو ان أكون مخطئاً، الا ان ما وصلت اليه بالقراءة والتحليل واستشارة من أثق بعقولهم، وجدت ما يؤيده، فالسيد عمار عبدالعزيز الحكيم قال وهو يزور الولايات المتحدة ما وصلت اليه من طريق التحليل.

عمار الذي عاش في ايران أكثر مما عاش في العراق أسمع الأميركيين في وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي كل ما يحبون ان يسمعوا، فالرئيس بوش لعب «دوراً عظيماً» في إعطاء العراقيين فرصة لبناء الديموقراطية، والدستور الجديد سيبني عراقاً مستقراً متوازناً تُعامل فيه جميع الطوائف بعدالة ومساواة، والفيديرالية ستسهل قيام أنظمة حكم ذاتي محلي مثل الولايات المتحدة.

طبعاً كل ما سبق غير صحيح، وهو غير مهم طالما انه مجرد نفاق لادارة بوش. الا ان الأهم منه ان عمار عبدالعزيز الحكيم دعا الى تحالف استراتيجي بين الشيعة وواشنطن، والصحافي البارز ديفيد اغناثيوس قابل عمار الحكيم ونقل عنه في تعليق له في «واشنطن بوست». وثقتي بكلام ديفيد، وبدقته في النقل والتحليل كاملة، فهو من أوسع الصحافيين الأميركيين معرفة بمنطقتنا.

ديفيد اغناثيوس يقول عن التحالف المقترح ان هناك مجموعات شيعية قوية في لبنان وسورية والمملكة العربية السعودية. وطبعاً فإيران شيعية في غالبيتها العظمى.

هل تستطيع الولايات المتحدة التعامل، أو التعاون، مع ايران وهذه تسعى لامتلاك سلاح نووي؟ أؤيد ايران في امتلاك سلاح نووي طالما ان اسرائيل تملكه (مع تفضيلي شرق أوسط مجرداً من كل أسلحة الدمار الشامل). ولكن حتى اذا فكرت واشنطن مرتين، هل تستطيع اسرائيل بهواجسها الأمنية، ان تتحمل برنامجاً نووياً ايرانياً يسير الى نهايته المنطقية، وايران تملك صواريخ تستطيع الوصول الى اسرائيل؟

يبدو ان دعاة الجمهورية الإسلامية في العراق يشعرون بأنهم يستطيعون ضمان الولايات المتحدة الى جانبهم، في مقابل تحريك الأقليات الشيعية في البلدان العربية، خصوصاً تلك البلدان التي لا تقبل (كل) الاملاءات الأميركية، أو حيث يوجد النفط.

موقف المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ليس موقف كل قادة الشيعة في العراق والخارج، وهو حتماً ليس موقف الزعيم الشاب مقتدى الصدر الذي يبدو أكثر حكمة وفهماً للأوضاع من كثيرين يفترض ان يتصرفوا من منطلق خبرة العمر لا عُقَده. وفي حين ان المواجهة الأخيرة بين رجال كتائب بدر وجيش المهدي لم تكن لها علاقة مباشرة بالفيدرالية والحكم الذاتي في الجنوب، فإن الملاحظ ان السيد مقتدى الصدر لم يحسم أمره بعد. وهو لا بد من ان يكون أكثر حذراً بعد الاعتداء على مكتب والده آية الله محمد باقر الصدر، رحمه الله، فقد كنا نفترض ان مكانة الزعيم الراحل الذي اغتاله نظام صدام حسين مع اثنين من أبنائه سنة 1999 تعطيه مناعة من أي اعتداء.

أيضاً السيد حسن نصر الله لا يمكن ان يقبل قيام دولات دينية، أو دويلات، فهو بين أفضل قادة الشيعة في العالم فهماً للسياستين الاقليمية والدولية، وقيادته تتجاوز دوره الشيعي المباشر، ولا يمكن ان يوافق على طبخة البحص التي تدبر في جنوب العراق.

اذا خسر العرب، وفي مقدمهم الشيعة العرب، المعركة في العراق، ستصبح خسائر الجيلين الأخيرين منا ألعاب أطفال بالمقارنة.


المراهقتان الانتحاريتان: هددنا السفارة الأميركية بالمغرب

الشرق الأوسط 31/08/05

المراهقتان الانتحاريتان: هددنا السفارة الأميركية بالمغرب

الدار البيضاء: نبيل دريوش
قالت إيمان وسناء الغريسي، الفتاتان التوأمان الانتحاريتان ،16 عاما، اللتان أصدر العاهل المغربي الملك محمد السادس العفو عنهما أخيرا، إن الظروف القاسية التي مرتا بها كانت سببا رئيسيا في تحولهما إلى انتحاريتين، إذ وجدتا نفسيهما تكتبان مواضيع عن القضية الفلسطينية بسبب احساسهما أن الظلم الذي يمارسه الجندي الاسرائيلي ضد المواطن الفلسطيني هو نفسه الظلم الذي تعانيان منه. وقالت سناء الغريسي لـ«الشرق الأوسط» لقد «أثرت فيّ صور القتلى في فلسطين.

وأضافت ايمان «هددت السفارة الأميركية بالرباط مرتين، وفي احدى المكالمات الهاتفية قال لي موظف السفارة : هل تهدديننا؟»، فأجبته قائلة «رغم كل هذه الحراسة التي تطوقون بها السفارة، فإنها ستتهدم بإذن الله وأنهيت المكالمة».

وشرحت المراهقتان التوأمان كيفية استقطابهما من طرف بعض سماسرة التطرف الديني الذين استغلوا سذاجتهما من أجل الزج بهما للتخطيط لبعض العمليات الإرهابية التي كانت تستهدف مبنى البرلمان المغربي وأحد الأسواق الممتازة بمدينة الرباط. وأوضح التوأم أنهما كانتا تتسللان إلى الأسواق الممتازة وبعض الفيلات لتوزيع المنشورات التي تكتبانها بخط اليد.


من يغيث 15مسلما صينيا يبحثون عن ملاذ؟

الشرق الأوسط 31/08/05

من يغيث 15مسلما صينيا يبحثون عن ملاذ؟

فهمي هويدي


من يجير 15مسلما صينيا قررت السلطات الأميركية الإفراج عنهم من جوانتانامو منذ عشرين شهرا، لكنهم لا يزالون قابعين في السجن ولم يغادروه، بانتظار بلد يقبل بإيوائهم، كان هؤلاء من الذين جرى اعتقالهم في إطار اللوثة الأميركية التي أعقبت أحداث 11سبتمبر، وأدت إلى احتجاز أعداد غير معلومة من البشر، لأقل اشتباه وأية وشاية، وكما هو معلوم، فقد توزع هؤلاء على مختلف السجون العلنية السرية الموزعة على أنحاء العالم، في البر والبحر وشاء ربك أن تتبين براءة هؤلاء المسلمين الصينيين البؤساء في وقت مبكر نسبيا، إذ كان خمسة منهم قد اعتقلوا على سبيل الخطأ، وكانت تهمتهم الوحيدة أنهم مسلمون، ولم تكن لهم علاقة بشيء مما جرى أو يجري من قريب أو بعيد، أما العشرة الآخرون فقد كانت جريمتهم مضاعفة، فهم مسلمون ثم انهم ناشطون، لكنهم ليسوا خطرين، وشأنهم شأن الأولين، فلم تكن لهم علاقة بما يجري من أي باب ولان الأمر كذلك، فلم يجد الأميركيون ـ بعد التدقيق والتحقيق والتحري ـ مسوغا لاستمرار احتجازهم فقرروا إطلاق سراحهم بعدما اطمأنوا إلى براءتهم.

كان أولئك الصينيون قد اعتقلوا في باكستان، التي تحتفظ بحدود مشتركة مع الصين، وطبقا للعرف الذي اتبع في الحالات المماثلة، فإن الذين يجري إطلاقهم يفترض أن يسلموا إلى بلدانهم، لكن ذلك ليس مأمونا دائما، خصوصا في الحالة الصينية (ولا في بعض الأقطار العربية للأسف) التي يعامل في ظلها المسلمون بقسوة غير عادية، ولي تجربة شخصية في ذلك حيث كنت في زيارة للعاصمة الباكستانية إسلام أباد ذات مرة، ووجدت الجميع يتحدثون بأسى عن أربعة من الناشطين المسلمين الصينيين، اتهموا في بعض حوادث الشغب التي جرت في مقاطعة «سينكيانج» وهربوا إلى باكستان، التي استجابت لطلب حكومة بكين استعادتهم، وتم التسليم فعلا عند نقطة على الحدود المشتركة بين البلدين، وبعد دقائق من استلامهم، وعلى مرأى من الجنود الباكستانيين الذين لم يكونوا قد غادروا المكان بعد، أطلق الجنود الصينيون الرصاص على الأربعة فقتلوهم جميعا.

بسبب سوء سمعة السلطات الصينية في تعاملها مع الناشطين المسلمين خاصة، فإن الأميركيين آثروا ألا يسلموا المعتقلين الخمسة عشر إلى بكين، وقرروا ان يسلموهم إلى أي بلد آخر يقبل بهم، ومن الجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن الأميركيين رفضوا السماح لهم بالدخول إلى الولايات المتحدة، حتى تحت قيود ومراقبة مشددة، وهو ما كان له إسهامه في تردد الدول الأخرى، ورفض قبولهم، لأن الإدارة الأميركية طالبت الدول الأخرى بما لم تبد هي أي استعداد للقبول له.

«الشرق الأوسط» نشرت في 25/8 تقريرا من واشنطن تضمن قصة المسلمين الصينيين ذكرت فيه أن السلطات الأميركية أجرت اتصالات مع حوالي عشرين دولة لإيوائهم، ولكن الرفض كان ردها جميعا، ومن هذه الدول السويد وفنلندا وتركيا وإحدى دول أميركا اللاتينية، ونقل التقرير عن متحدث باسم منظمة هيومان رايتس ودتش المعنية بحقوق الإنسان في الولايات المتحدة أن هؤلاء الأشخاص أصبحوا الآن مسؤولين من الحكومة الأميركية لانهم منذ اعتقالهم اصبحوا في عهدتها من الناحية القانونية.

ولكن لان واشنطن متمسكة برفض إيوائهم على أراضيها، فإنها لم تجد مفرا من الاحتفاظ بهم في سجن جوانتانامو، ومن ثم استمرار معاملتهم كسجناء، تنطبق عليهم كافة الإجراءات القاسية التي يخضع لها السجناء الآخرون رغم القطع ببراءتهم من جانب السلطات الأميركية ذاتها، وقد وصف أحد المحامين الأميركيين الذين تطوعوا للدفاع عن اثنين منهم الظروف البائسة التي يعيش في ظلها أحد موكليه، قائلا انه يقبع في زنزانة صغيرة بلا نوافذ، وقد قيدت رجلاه بالأغلال التي ربطت بمزلاج الباب.

حين قرأت هذا الكلام قلت إنه إذا كان الذين ثبتت براءتهم وتأكد عدم خطورتهم يعاملون على هذا النحو، فكيف بمن حامت حولهم شبهات أقوى والذين يشك في خطورتهم؟ ـ لكن ذلك يظل سؤالا فرعيا، لأن المشهد يثير أسئلة أخرى أهم منها مثلا: كم يا ترى عدد الأبرياء الذين لا يزالون محتجزين في جوانتانامو؟، ولا يُعرف لهم مصير، ولا يُرى أمل قريب في إطلاقهم؟ ولماذا تتقاعس بعض الحكومات العربية ومختلف جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان عن إثارة الموضوع في المحافل الدولية. ومطالبة الولايات المتحدة بحسم القضية بحيث يحاكم من ثبتت بحقه أي تهمة ويطلق سراح من لا يكون هناك سبب قانوني لاحتجازه؟

أما فيما يخص أولئك المسلمين الصينيين، فإن ما يثير الدهشة حقا انهم لم يجدوا ملاذا لهم في أي دولة عربية أو إسلامية، وليس ذلك أسوأ ما في هذا الموقف، لأن الأسوأ هو احتمال أن يكون ذلك الموقف السلبي ناتجا عن اقتناع جهات القرار في الدول العربية والإسلامية بأن المسلمين اصبحوا يشكلون حقا خطرا على المجتمعات التي يعيشون في كنفها، وهي الأكذوبة التي روجتها الأبواق الإعلامية الغربية، وصدقتها بعض الجهات في الغرب، ولكن ما لم يخطر على البال أن تنطلي على جهات القرار في عالمنا العربي والإسلامي.

ومن أسفي أن ذلك ليس مجرد استنتاج أو تحليل نظري، وانما هناك شواهد عدة في الواقع تؤيده، منها على سبيل المثال تلك الخطوات التي اتخذت في أقطار عربية وإسلامية عدة، سواء لتقليل جرعة الثقافة الإسلامية في المناهج أو لإغلاق المدارس الدينية، أو ترحيل أبناء الاقليات الإسلامية الذين يدرسون في المعاهد والمدارس الدينية في العالم العربي.

ليس ذلك فحسب وإنما أصبحت الصحف العربية تنشر كتابات عدة تروج لمصطلح «الإرهاب الإسلامي» الذي ظللنا حينا من الدهر ننتقد الإعلام الغربي على استخدامه ونسوق مختلف الحجج للتدليل على الفساد في إطلاقه وتعميمه، حتى قرأنا لمن ادعى ان العمليات الإرهابية في زماننا لم يعد يقوم بها سوى المسلمين، في تجاهل مستغرب لممارسات بقية البشر من اتباع الديانات الأخرى، وفي ربط متعسف وغير مسبوق بين العقيدة الإسلامية والإرهاب.

في التعاليم الإسلامية الكثير مما يوظف في إجارة غير المسلمين، انطلاقا من النص القرآني، وان أحد من المشتركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله... الخ، لكن لم يخطر على بال أحد أن يحث المسلمون يوما ما على أن يجير بعضهم البعض باعتبار ان ذلك أمر مفروغ منه، حيث المسلم أخو المسلم، ووشائج المودة والتراحم التي تربط بين المسلمين تجعلهم كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، إلى غير ذلك من المعاني المستقرة في الإدراك الإسلامي منذ قرون، ولكن الدنيا تغيرت، حتى بتنا نتمنى في بعض الأحيان أن يعامل المسلمون في بلادهم معاملة أهل الذمة، في الالتزام بالبر والقسط اللذين أمر بهما القرآن الكريم. وصرنا نبحث في أمة محمد عمن يجير خمسة عشر مسلما يعانون من المهانة والذل في جوانتانامو في حين ينتظرهم الموت في الذي يحملون جنسيته.

لست أشك في إيجابية مشاعر المسلمين واستعدادهم لإغاثة كل ملهوف أو خائف في أمة الإسلام، ولأهل الخير في عالمنا العربي والإسلامي رصيد كبير على ذلك الصعيد يبيض صفحتهم، ويشرفهم في الدنيا والآخرة، لكن المشكلة ليست في مجتمعات المسلمين والخيرين فيها، ولكنها في جهات القرار وعناصر النخبة التي تملكها الخوف أو استسلمت لمشاعر النفور والمرارة من الإسلام وأهله، الأمر الذي يغلق الأبواب أمام البر والتراحم بين المسلمين، وهو ما حدث للأسف مع منظمات الإغاثة الإسلامية التي أغلقت أبوابها أو أجبرت على ذلك بدافع الخوف أو الحذر، الأمر الذي كان له أبلغ الضرر بقطاعات واسعة من فقراء المسلمين في آسيا وأفريقيا بوجه أخص ومن أسفي أن هؤلاء تركوا نهبا للجوع والتشرد والضياع وتسلمتهم المنظمات التبشيرية الغربية التي انتشرت في تلك المجتمعات، محاولة اقتلاع الإسلام من قلوب أبنائها، بمختلف الوسائل الماكرة التي نعرفها.

ترى، هل تستريح ضمائر أهل القرار في العالم الإسلامي إذا ما لجأ أولئك الصينيون في نهاية المطاف إلى كنيسة لتتولى أمر رعايتهم وتنصيرهم؟

المقلق في الأمر أن المشكلة ليست في هؤلاء فحسب، ولكنها أيضا فيما يلوح الآن في تخلي الدول العربية بخاصة عن دورها التاريخي في إغاثة المسلمين ونصرتهم، في حين تكالب الجميع عليهم واصبحوا أكثر أهل الأرض حاجة إلى الغوث والنصرة.


لماذا لسنا بحاجة الي قناة الحرة وراديو سوا ؟

القدس العربي

لماذا لسنا بحاجة الي قناة الحرة وراديو سوا ؟
2005/08/31

نظام المهداوي
أثناء جدال طويل، سألني مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية في جلسة غير صحافية جمعتنا: لماذا تعتقد أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلي قناة الحرة واذاعة سوا؟ وكيف تدعي الموضوعية وأنت تحكم عليهما بالفشل الذريع قبل أن يمضي عليهما الوقت؟
بالنسبة للشق الأول من السؤال ـ أجبته ـ لأن هناك في الوطن العربي أكثر من قناة (حرة) واحدة، تقوم بالدور وتؤدي المهمة فلا داعي لاضاعة أموال دافع الضرائب الأمريكي، أما الشق الثاني من السؤال فإني أقر بأنني لم أشاهد برامجهما بسبب القانون الأمريكي الذي يمنع بث الاعلام الأمريكي الموجه داخل الولايات المتحدة، لكن الأسباب المنطقية التي تبشر بفشلهما لا تجعلني أعتقد غير ذلك.. فالادارة الأمريكية التي تصر علي معاملة الشعب العربي بسذاجة بل بغباء أحياناً، تصدق أن سبب كره العرب لها ناتج من اعلام ومناهج ودين يحرض علي العنف والكره والارهاب، وأن مجرد تغيير لغة الاعلام (بتكميمه وتسميمه) واطلاق اعلام مضاد وتعديل المناهج الدراسية ومراقبة الخطب الدينية في المساجد ستنهي هذه الظاهرة لتحل محلها العولمة والانفتاح وشعارات الحرية والديمقراطية والتي ستحملها إلي المنطقة قناة الحرة واذاعة سوا بخطوات متوازية مع خطوات المارينز في عاصمة الرشيد حاليا وعواصم عربية أخري لاحقاً.
لم يتفق معي المسؤول طبعاً حين أشرت إلي أن سياسات واشنطن تجاه العرب والمسلمين هي المسؤولة عن حالة السخط علي سياسات أمريكا في الوطن العربي ولاحظت تململه وأنا أكرر علي مسامعه (اسطوانات) ما انفك عن سماعها في العالم العربي، وآثرت أن لا أزيد، فرأيه بالنهاية لن يخرج عن توجه ادارة الرئيس بوش الذي يصر أن موجة الكره للولايات المتحدة التي تعم العالم وليس المنطقة العربية فحسب لا شأن لسياساته بها وعلي هذا الأساس أوكل مؤخراً مهمة تحسين صورة الولايات المتحدة لكاتمة أسراره كارين هوغيز، لتخوض ما يطلق عليه حرب الأفكار.
وحرب الأفكار تتطلب أدوات تكشف زيف الاعلام الذي يحرض ضد الجنود الأمريكيين ومصالح واشنطن في المنطقة ويدعم الفلسطينيين ويندد بالاسرائيليين، ولهذا انطلقت قناة الحرة كقذيفة في أوج الحرب علي العراق، وكان ذلك أول فشلها اذ تلقفها المواطن العربي مثل المناشير التي تقذفها الطائرات الحربية، أما فشلها الثاني فقد كان بدخولها حرباً مكشوفة وغبية مع قناة الجزيرة (راجع أحاديث مديرها موفق حرب) ربما طمعاً بشهرة أو ربما لاعتقادها أنها قادرة علي منافسة الجزيرة، أما فشلها الممتد إلي الآن فهو انها لم تحقق نسبة مشاهدة عالية في الوطن العربي الذي يفرق مواطنه جيداً بين اعلام حر واعلام موجه، وبالتالي لم تحقق رسالتها وهو الأمر الذي أثار همسا وتساؤلات في واشنطن وبالتحديد في مؤسسات الفكر وبين بعض المشرعين عن أسباب اخفاقاتها والجدوي اذن من وجودها.
وبالتزامن مع بدء صديقة الرئيس بوش السيدة كارين عملها في تحسين صورة الولايات المتحدة ورداً علي التساؤلات المتزايدة خرج مؤخراً استطلاع غريب من نوعه يقول ان الحرة وسوا تحققان أعلي نسبة مشاهدة بلغت 21.3 مليون مشاهد و20.8 مليون مستمع اسبوعياًً!! وأن صدقية (الحرة) ارتفعت في ثلاثة بلدان هي مصر والأردن ولبنان وبلغت في مصر وحدها 90%. هذا الاستطلاع الذي لم ينشره سوي موقع سوا الألكتروني يوم 23 آب (اغسطس) الجاري، نقلا عن مؤسسة (اسي نيلسن العالمية) ذيله بتصريح لنورمان بايتس رئيس لجنة الشرق الأوسط في مجلس أمناء البث الاذاعي والتلفزيوني يقول فيه للاستهلاك في الكونغرس: (ان راديو سوا وقناة الحرة اظهرا منذ انطلاقتهما انه بامكانك الوصول إلي أعداد كبيرة من الجماهير).
والأمين بايتس يعرف أنه لا يقول الحقيقة كاملة لمواطنه الأمريكي دافع الضرائب، ولكنه قول تستمرئه الادارة الأمريكية وبوش نفسه الذي لم يحاسبه الشعب الأمريكي علي أكاذيب قادت إلي حرب قتل فيها الأبرياء، ولكنه حاسب الرئيس كلنتون لأنه كذب في علاقة جنسية!!.. وعلي كل الأحوال هذه الأرقام حتي لو كانت كاذبة فهي لصالح ادارة بوش في حربها ضد الأفكار وهي بأمس الحاجة اليها الآن في ظل اخفاقاتها العسكرية في العراق، وهي أيضاً مطمئنة لأعضاء في الكونغرس ينتظرون سماع الأخبار المفرحة في مجريات الحرب علي الارهاب، والادارة لا تدخر جهداً في طمأنتهم باعلانها:
الحرب علي الارهاب ناجحة ومستمرة وعلي ما يرام
علي الصعيد العسكري، نحارب الارهابيين في عقر دارهم، لكن الارهاب في العالم يزداد ولا يتوقف!
وعلي صعيد الأفكار، ننجح في اعلامنا الموجه وعبر اعلام وكلائنا في المنطقة، لكن سخط الشعب العربي علي أمريكا يزداد ويكبر!
اذن مبروك لقناة الحرة واذاعة سوا هذا الانتشار الجماهيري الواسع والمصداقية العظيمة التي وصلتا اليها، لكن هل يصدق أحد هذا الاستطلاع في وقت أصبح فيه الكذب ديدن الادارة. حتي العاملون في القناة والاذاعة لا يصدقون ويتندرون علي أرقام مؤسسة استطلاع الرأي آنفة الذكر.
كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في واشنطن
nezammahdawi@yahoo.com

مصر : تنافس الفضائيات أشد من تنافس المرشحين

القدس العربي

تنافس الفضائيات أشد من تنافس المرشحين: أفراح انتخابات الرئاسة المصرية تتواصل
2005/08/31
هويدا طه
منذ الإعلان رسميا بأن موعد انتخابات الرئاسة المصرية سيكون في السابع من ايلول (سبتمبر) القادم.. التي يُنتظر فيها (زف) العريس إلي القصر الجمهوري.. والقنوات الفضائية العربية ـ وبدرجة تالية بعض القنوات الأجنبية ـ تتسابق في اختيار العنوان الأكثر إثارة لبطاقة الدعوة! عناوين كبيرة تطل من الفضائيات لحث المشاهدين علي متابعة تغطياتها الحية والمسجلة لأفراح الانتخابات المصرية! المصريون في عيون قناة الحرة يفعلونها لأول مرة!.. لم يعرفوا في نظرها مذاق هذا الشيء منذ وجدوا علي ضفاف النيل.. لذلك اختارت لتغطيتها انتخابات الرئاسة المصرية عنوانا يعطي انطباعا بأن الحدث زلزالي.. في برنامج يومي بدأ الأحد الماضي بعنوان (مصر تنتخب).. بينما ما زالت قناة دريم المصرية الخاصة تتابع الحدث في فقرة طويلة من برنامجها (العاشرة مساء).. حيث تلتقي يوميا واحدا من المعازيم التسعة في حفل العريس الكبير.. حسني الزعيم! أما قناة الجزيرة الإخبارية وبعد تحفظ طال كثيرا تجاه كل ما يأتي من مصر.. فقد أعلنت عن عرض ٍ يومي يبدأ أول ايلول (سبتمبر) بعنوان (تغطية خاصة لانتخابات الرئاسة المصرية).. عنوان هادئ يتسم بطابع الحياد الذي تريده القناة لنفسها منذ نشأتها.. في حين تستمر قناة (الجزيرة مباشر) بشكل شبه يومي في نقل أجزاء من مؤتمرات المرشحين في مختلف محافظات مصر. قناة العربية ـ وكالعادة ـ تتعامل مع الأمر علي طريقة (إللي يتجوز أمي أقوله يا عمي)! مرور سريع خاطف علي المعازيم في الفرح.. بينما التركيز الأكبر هو بالطبع علي العم حســني! ســواء في تقــارير الأخبار اليومية عن فعاليات الفرح.. أو في اللقـاءات الحيــة و المسجــلة.. مع مـــن يقــــومون عادة فــــي مثل هذه الأفراح بدور(المحلل)! قناةBBC WORLD تبث تقارير تتسم ببرود الإنكليز.. تفضح بطء فهمهم.. فهم وحدهم الذين لا يعرفون (حتي الآن) نتيجة التصويت في الانتخابات... القادمة!
ورغم أن معظم الفضائيات سيطر علي اهتماماتها خلال هذا الأسبوع الجدل الكبير حول صياغة الدستور العراقي.. إلا أن الحدث العراقي برمته هو حدث يجلب الغم والنكد.. والحزن علي الوضع الضبابي للعراق، بينما الانتخابات المصرية هي حدث يشرح القلب!.. لا من حيث الإثارة التي يسببها غموض التوقعات مثلا حول من سيفوز.. توم أم جيري! وإنما من حيث ما يسمي بكوميديا الموقف! أخبار المرشحين وجولاتهم في مصر من قِبلي لبحري وهتافات أتباعهم.. تشبه ما يسمي إعلاميا.. الأخبار الخفيفة، دُب ولد بأذن واحدة في حديقة حيوان ألمانية.. رجل وصل طول شاربه إلي أربعة أمتار في الهند.. عجوز في التسعين من عمرها في ألبانيا نبتت لها أسنان وعاودتها الدورة الشهرية بعد انقطاع خمسين عاما!.. إلي آخر هذه الطرائف من أنحاء الدنيا! الانتخابات في مصر واحدة من هذه الأخبار، عروس في الألف السابعة من عمرها.. يتسابق علي الظفر بها عشرة عرسان.. من بينهم زوجها! علي هزل ذلك الخبر.. فإن ما يُبث كل يوم علي شاشات الفضائيات يُظهر تفاصيله كسباق هزلي، لكن في نفس الوقت.. قد تنظر العروس بيأس إلي مهازل المتسابقين.. وفي جوفها حلم ولو يائس.. بالتغيير! تغيير مَن كتم نفسها طويلا.. حتي لو صبغ شعره وظهر خلال السباق في (نيو لوك)!
من المضحكات المبكيات في مهازل السباق أن أحد الحضور في مؤتمر لواحد من المرشحين سأل الأخ الدكتور المرشح ـ ومعظمهم بالمناسبة دكاترة ـ :(لو فزت حتغيّر الدستور؟) فأجابه المرشح: (أنت مالك ياابني ومال الدستور)! وفي نفس المؤتمر تقدم صحفي غريب عن الدار ـ مسكين مش فاهم هو بيغطي إيه أصلا ـ سأل بجدية تثير الشفقة وتقطّع القلب:(ما موقفكم من القضية الفلسطينية؟) فقال له الأخ المرشح: (فلسطين في نن عيني)! حينها انطلقت جماعة الهتيفة تصفق وتهتف: (الصحافة فين.. الرئيس أهوه.. أووه أووه)!
وفي إحدي المظاهرات كان هناك فريقان.. أحدهما يهتف بسقوط مبارك.. والفريق الآخر واضح أنه من هؤلاء البلطجية.. الذين تستأجرهم وزارة الداخلية بعشرين جنيها للبلطجي الواحد.. كان يهتف ببقاء مبارك، كلا الفريقين يقفان علي رصيفين متقابلين في أحد ميادين القاهرة.. السيارات العابرة تلقي نظرة وتمر، وقوات الأمن أكثر عددا من المتظاهرين.. يشبهون بعضهم وكأنهم خرجوا للتو من معمل لاستنساخ البشر! بينما كاميرات مصوري وكالات الأنباء تتنقل بين الفريقين مع كل هتاف، فريق يهتف ضد مبارك: (مش عايزينه.. مش عايزينه) فيرد أفراد الفريق الآخر: (لأ عايزينه.. لأ عايزينه)! اقترب شاب من بتوع (مش عايزينه) من إحدي الكاميرات.. وموجها كلامه لبتوع (عايزينه) قال: (عايزينه؟.. خدوه)!
قناة الجزيرة مباشر بثت أجزاء من تسجيل لجولة المرشح أيمن نور في محافظة المنيا بصعيد مصر، بعد أن نزل المرشح من القطار في محطة المنيا وحوله زحام شديد من المواطنين يحيطون به، سار بينهم يجفف عرقه من حر صيف الصعيد، من الواضح أن مجهودا كبيرا تم في التصوير.. أمام المرشح وخلفه ومن أماكن مرتفعة.. المواطنون ينتمي معظمهم إلي طبقات كادحة أو معدمة.. تعرف ذلك من ملابسهم وهرولتهم حول (البيه الجاي من القاهرة).. وهتافاتهم وانقضاضهم عليه لتقبيله.. أو لتسليمه قائمة طلبات لا بد أنها بسيطة.. يحلمون منذ ألف عام أن تحققها لهم حكومة القاهرة القابضة.. دون مجيب، لكن الطريف في هذا الزحام وقبل أن يستقر المرشح ممسكا بالميكروفون كانت.. تلك (الزفة) التي أقيمت للعريس الانتخابي! طبل وغناء صعيدي وهتافات: (أيمن نور يا بلاش.. واحد غيره مينفعناش)! أحد المواطنين ظن أن اسم المرشح (أنور بيه)! فراح يهتف له هتافا قديما.. كان المتظاهرون يستخدمونه في السبعينات (ضد) الرئيس أنور السادات.. في مجال الشكوي من الغلاء والمعارضة له وليس لصالحه! أنور بيه يا أنور بيه.. جوز الجزمة بعشره جنيه! مع أن جوز الجزمة الآن بعشرة أضعاف ثمنها أيام الشكوي من غلاء السادات! إلا أن ذلك المواطن المصري المنسي في الصعيد.. التبس عليه الأمر علي ما يبدو.. بين من يشكو منه ومن يشكو إليه! وعلي ذكر الجزمة.. وفي حلقة الاثنين من برنامج قناة الحرة (مصر تنتخب) نوقش موقف الصحافة المصرية مرئية ومكتوبة تجاه أول انتخابات رئاسية في مصر.. وكان الضيوف رئيس تحرير مجلة روز اليوسف الحكومية ورئيس تحرير جريدة صوت الأمة المستقلة ومدير قناة دريم الخاصة، انقسمت الآراء حول الصحافة الحكومية.. رأي يقول بتطورها في ظل انطلاق لن يتوقف لقطار الديمقراطية.. ورأي يسوق الحجة تلو الأخري علي فسادها المرتبط بفساد النظام الحاكم، قال رئيس تحرير جريدة صوت الأمة: إن الصحافة المستقلة تشبع رغبة المواطن المكتومة في (المشاغبة السياسية) وإن (حرية الكلام والنقد للنظام ورأسه في مصر) ليست منحة من ذلك النظام حتي تحُسب له.. ومع ذلك.. والكلام ما زال لرئيس تحرير صوت الأمة.. فقد تم (تهديدنا) بأنه بعد 7 ايلول (سبتمبر).. (حتاخدوا بالجزمة)!
هذه بعض مضحكات ومبكيات الفرح! فرح الانتخابات سابقة التحضير والنتائج! وكل ما يدار حولها من نقاش وتحليل.. هو تمرير لصورة ليس لها أساس علي الأرض.. هو من قبيل ضرب نار في الهواء! وحتي من يضرب النار في الهواء.. فإن (جزمة) العريس تنتظره بعد انتهاء هيصة الفرح! أما العروس التي أقيمت لها هذه الهيصة.. فقد سبق وأن اغتصبها العريس القائد قبل بدء السباق! ثم راح (يُهوّش) الناس في الفرح: محدش يضرب نار.... العروسة حامل!

أسامة أنور عكاشة علي قناة الحرة :
يعني إيه واحد يعشق الكتابة؟!

أسامة أنور عكاشة كاتب متميز للدراما التليفزيونية، وربما هو أول من جعل اسم المؤلف والسيناريست علامة جودة للمسلسل التليفزيوني، كان ذلك بسبب مسلسلاته الناجحة الأولي مثل الشهد والدموع، ليالي الحلمية، الراية البيضاء، عصفور النار، أرابيسك.. وغيرها من أعمال تليفزيونية عالج قضاياها بطرح يتعاطف مع الأفكار العلمانية اليسارية.. وحققت نجاحا في كل الدول العربية، وفي السنوات القليلة الأخيرة بدا أن الرجل تخلي عن المعسكر اليساري.. واتخذ منحيً ليبراليا واضحا، وهذا حقه.. فالبشر يتغيرون وهذا لا يعيبهم. قناة الحرة أجرت معه حوارا مطولا حول تجربته ككاتب ومثقف مصري، عندما تستمع إلي حديث عكاشة.. تتداعي أمامك عدة ظواهر سادت في العالم العربي خلال العقدين الأخيرين سياسيا وثقافيا، إحداها تحّول الكثيرين من المثقفين العرب عن الفكر اليساري.. إلي الفكر الليبرالي الذي له واجهة تتزين ببريق الديمقراطية والحرية الأخاذ.. بينما تتخفي وراءها بشاعة نوع آخر من الحرية.. حرية السوق.. حرية التنافس الضاري.. التي تتيح لرجال البيزنيس الكبار ـ محليا ودوليا ـ حرية دهس ملايين البشر وإفقارهم.. بغرض المزيد والمزيد من الربح، زلزلنا الانفراد الأمريكي بالعالم وتلاعبه بعقول ومشاعر الشعوب.. عندما صور لنا (الديمقراطية السياسية) كنهاية للمطاف ومنتهي للأحلام.. فتخلينا عن التمسك بمفردات التنمية الوطنية والاستقلال والعدالة الاجتماعية.. قال عكاشة لمقدم البرنامج: (تراجُعي عن تأييد الثورة يأتي من باب التجديد) ونسي كاتبنا المبدع أن الثورة.. فكرة تحمل في رحمها أرقي أشكال التجديد التي عرفها البشر، لكن.. رغم الاختلاف معه في بعض الرؤي حول الثورة والحياة والحرية.. يظل عكاشة كاتبا متميزا، في تعليقه علي سؤال: هل هناك علاقة بين الكتابة والجسد؟ جسد الكاتب؟ بدا صادقا وهو يقول لمحاوره: الكتابة نوع من (المتعة).. تفرز جزءاً من ذاتك وأنت تكتب.. عارف يعني إيه الواحد (يعشق) الكتابة؟!.... عارفة!
كاتبة من مصر
howayda5@hotmail.com



في استمرارية للحرب التي ابتدأت رحاها في أفغانستان: دخان الحرب الإلكترونية يتصاعد

القدس العربي

في استمرارية للحرب التي ابتدأت رحاها في أفغانستان: دخان الحرب الإلكترونية يتصاعد
2005/08/31
سعيد الزغوطي
مع ان طالبان كانت تحرم مشاهدة التلفاز، استعمال فرشاة الأسنان، ومظاهر الغرب عموما، إلا ان ما يسجل عليها وعلي انصارها، انها كانت أشد حرصا علي استخدام أدوات الاتصال والتواصل الحديثة، خاصة بعد هزيمة حكم طالبان في أفغانستان أواخر ديسمبر 2001، بدءا بأفلام الفيديو القصيرة التي بين الفينة والأخري كان زعيم القاعدة أو مساعده الأيمن أيمن الظواهري يشهرها ويرسلها إلي بعض الفضائيات في المعركة الشرسة التي تواجه تنظيم القاعدة بالولايات المتحدة الأمريكية، مرورا بالهواتف النقالة، وانتهاء باستخدام الويب أو الانترنت كأرقي تقنية تواصلية توصلت إليها الإنسانية في العصر الحالي، إذ يحكي عن انصار القاعدة، وهم يستعدون للانتشار والتخفي في جبال أفغانستان الوعرة بعد هزيمتهم في الحرب الأفغانية، انهم وضمن ما كانوا يجمعونه من عتاد وعدة، جمعوا بالإضافة إلي بنادق الكلاشنكوف طبعا، هواتفهم النقالة، لكن وبالأساس حواسيبهم الشخصية التي كانت تتزين بصور زعيم 11 سبتمبر محمد عطا ، في إشارة إلي ان الحرب الدائرة هناك لم تنته بعد وان ما ابتدئ في الأرض من معارك، سينتقل إلي عالم أكثر شراسة، عالم الويب الافتراضي في مساحات افتراضية حيث الزمان والمكان لا معني له.
وهكذا فلقد تعززت شبكات الجهاد المقربة من تنظيم القاعدة، عبر الانترنت، بانصار ووافدين جدد، بحيث خفف هذا الأخير من مشاق وأتعاب التنقل إلي بعض الأماكن من أجل اكتساب مهارات التدريب والتمرس علي الجهاد والقتال، فأمام الحاسوب الشخصي لأي متطوع، بالإمكان الانفتاح علي بعض المواقع التي تحولت إلي ما يشبه المعاهد لتلقين كل ما يلزم لكي يتحول المتطوع إلي عضو ناشط وفعال في التنظيم، وحتي وإن لم تكن الظروف تسعف، لكي يشارك المتطوع عمليا وماديا في الحرب الدائرة، فبإمكانه المشاركة افتراضيا عبر المشاركة إلكترونيا، مع اختيار السرعة التي تناسب مؤهلاته ومداركه في التكوين، حتي ان بعض المواقع بدأت تنصح بان ينتظم المستفيدون من الدروس في مجموعات صغيرة حتي يتسني لهم تكوين الخلايا المناسبة التي بإمكانها ان تنفذ عملياتها بكل دقة وعناية، بعيدا عن انظار رجالات الاستخبارات والأمن، فلم تعد تنفع كثيرا مراقبة خطب المساجد، ولا المضامين التي تلقن للأطفال في المدارس، ولا حتي مراقبة تجوال بعض الأشخاص في الحدود المجاورة لبعض الدول، ما دام هؤلاء الأشخاص أصبحوا متخففين من حمل أشياء بإمكانها الكشف عن انتمائهم أو تبرز حقيقة نواياهم، فعقل الانترنت الكبير دائما جاهز وفي الخدمة يمد بالمعطيات في كل جانب، بدءا بكيفية صنع بعض المتفجرات التقليدية، كيفية استهداف أحد الجنود الأمريكيين في قلـــب بغداد، أو خــريطــة بعض المواقع المستـــهدفة، وفي معظـــم الأوقات كل هذا الكم الهائل من المعلومات موجود وبلغة قريبة من لغة العـــديد من المتطوعين الذين يأتون بالخصوص من دول الشـــرق الأوسط أو شمال إفريقيا، سواء تعلق الأمر باللغة العـــربية، الأوردية، أو الباشتونية، يعني انها موجودة وبالخلفية الدينية واللغوية للمتطوعين.
ولا يعني هذا ان الإدارة الأمريكية تجلس غاضة الطرف أو مكتوفة الأيدي حيال هذا التطور، بل إنها تعمل جاهدة من أجل تتبع وتدمير أي موقع يشك في قرابته من معسكر القاعدة، غير انه ومنذ تدمير المواقع الأولي للقاعدة، وبالخصوص موقع النداء ، دفعت الإدارة الأمريكية انصار القاعدة إلي ابتكار أساليب جديدة تنسجم أكثر مع الوضع الجديد المرتكز علي إتقان لعبة التخفي والتستر، بغية تأمين الحضور، إذ من الواضح ان تنظيم القاعدة ومنذ هزيمة أفغانستان استجمع قواه وركزها في سبيل ان يكون أكبر تنظيم يستعمل الفضاء الرقمي والإلكتروني بكيفية جد متطورة وناضجة حسب ما أوردته صحيفة الواشنطن بوست في إحدي أعدادها الأخيرة، بحيث انتقل العدد الإجمالي لمواقع التنظيم من 12 موقعا سنة 97 إلي أكثر من 4500 موقع حاليا، جلها تنطلق وتتصرف تحت إمرة شبكة من العلاقات المباشرة وغير المباشرة تربطها ببعضها البعض، ومع العديد من الجمعيات والمنظمات المنتشرة عبر العالم، هذا التحول الكمي واكبه تحول نوعي انعكس إيجابا علي طرق التخفي والتستر بحيث أخذت هذه الأخيرة أبعادا أخري جد متطورة وملتوية كما كشفت عن ذلك عدة تقارير بريطانية حين أكدت علي ان مجموعة من متعاطفي القاعدة التجؤوا إلي إخفاء رسائلهم الإلكترونية في ملفات صور وملفات موسيقي أو متخفين في بعض صور الخلاعة، كل ذلك من أجل إنجاز مهام التراسل فيما بينهم، بل أكثر من ذلك فحتي بعض المواقع الإلكترونية الأمريكية لم تعد هي الأخري في مأمن من هذه المواجهة، حيث تعرضت العديد من مواقع شبكة الكهرباء والمواصلات الأمريكية لضربات موجعة كادت ان تشل حركتها في كبريات المدن الأمريكية بالكامل، بل حتي مواقع الاستخبارات الأمريكية FBI لم تسلم هي الأخري من نفس الضربات أو ما يسمي بعمليات القرصنة أو الهاكرز لكن هذه المرة بواسطة أياد أمريكية نظيفة حاولت ان تثبت لرجالات الاستخبارات والأمن ان الجدار الأمني المضروب علي مواقعها ليس بالقوة التي يصعب اختراقها.
من جهة أخري، وفي استفادة واضحة من طريقة الهيكلة التنظيمية للانترنت، هيكلت القاعدة نفسها علي النحو الذي اقتبست فيه تقنياتها و فلسفتها في التنظيم من صميم نفس الشبكة العنكبوتية ، بخلايا منتشرة ومتفرقة عبر العالم، وربما من دون سابق معرفة أو تنسيق مسبق بينها وبين انصارها، تلعب وفق نظام خاص ومن أجل أهداف واضحة، وهو ما ساعدها بقوة علي تجاوز البنيات التقليدية للتنظيمات، برأس مدبر وأتباع يأتمرون بأمره، لقد أدخل الانترنت ثورة علي جل المفاهيم التقليدية، بحيث أسعف القاعدة هي الأخري وبالخصوص زعيمها بن لادن في ان يعانق رغبته في إنشاء مفهوم الأمة الذي طالما نادي به منذ ان تكبد عناء الانتقال إلي أفغانستان ليجعل منها خلفيته لتحقيق مراده ، ساعيا إلي تحقيق مفهوم الأمة الذي يتجاوز الاعتبارات القومية، العرقية والارتباط بالفضاءات القطرية، وإذا كانت الهزيمة علي الأرض الأفغانية قد أجهضت مفهوم الأمة مرحليا ، إلا ان نافذة الانترنت قد أحيت نفس المفهوم علي الأقل افتراضيا ، حتي ليمكن الحديث عن وجود أمة افتراضية بين انصار القاعدة ساهم الانترنت في بلورتها وإيجادها علي نحو كبير. ولا يعني هذا ان الويب قد اقتصر استخدامه من طرف بعض التنظيمات المتشددة فقط، كفضاء من أجل التجييش خدمة لبعض القضايا والأهداف الجهادية، بل تحول بالنسبة لبعض الانصار بمثابة التعويض عن الحياة الحقيقية، نوعا من الحياة الموازية التي تمكن أصحابها من العيش في مجتمع افتراضي حيث الأجوبة متوفرة عن كل الجزئيات التي بالإمكان طرحها. وبهذا يمكن القول ان عقل الانترنت عاد لكي يختزل جل المعارك التي بالإمكان خوضها في معركة واحدة يمكن التواضع علي تسميتها بمعركة الأفكار ، وربما نعيش اليوم إرهاصات وبوادر تشكل نوعا من السجالات والمعارك المطولة في ساحة الويب التي ستلزم الأطراف المتنازعة علي وضع أسلحتهم التقليدية جانبا، لكي يتعبأ الجميع في عصر العولمة من أجل المشاركة في هذا النوع الجديد من السجالات الفكرية والنظرية حيث لن يصح إلا الصحيح، وربما جزء كبير من الأفكار المتطرفة وبعض قضايا الظلم في العالم ستجد طريقها إلي الحل فقط عبر هذه المقارعات النظرية، إذ وفي تحول غريب، وبدل ان يستغل بعض مستعملي الانترنت خدماته في إذكاء الحروب وتغذية الاقتتال كما هو الحال حاليا، ربما يملك هذا الأخير من الذكاء والقوة ما سيجعله يفعل فعلته ويورط مستعمليه فيخرجهم بفعل كمية الأفكار والمعلومات التي يروجها، من الأرضية التي ينطلقون منها، أو ليـــست من بين أهداف حرية الإعلام والتواصل غربلة الأفكار وتلاقحها من أجل الخروج بأشياء يمكنها إسداء الكثير من النفع للإنسانية ?? ومن يدري، فربما تتلاشي جزء كبير من الأفكار المتطرفة التي تقف خلفها القاعدة، أو تجد الإدارة الأمريكية نفسها محرجة غدا جراء بيت الانترنت الزجاجي الذي سيكشف عوراتها في فلسطين والعراق وسيضطرها هذا الأخير لمباشرة المعالجة علي وجه السرعة.. وحده التاريخ يملك الجواب عن أمثال هذه التساؤلات.

ہ كاتب من المغرب

هوية العراق الوطنية والقومية اولاً!

القدس العربي

هوية العراق الوطنية والقومية اولاً!
2005/08/31
حكمت العاني
كل حديث يخرج عن اطار هوية العراق الوطنية والقومية يعد امراً غير مقبول طالما ان هذه الهوية مهددة بالتقسيم والتفتيت تحت مسميات (الفيدرالية) و(تقسيم الثروة) و(ظهور خرائط جغرافية في الشمال والجنوب)، فضلاً عن الاصرار علي ان تكون لهذه التقسيمات مدلولات طائفية ومذهبية وعرقية. فماذا يستهدف مشروع الاحتلال الامريكي ـ البريطاني من العراق ارضاً وشعباً.. وماذا يستهدف اتباع هذا المشروع وما تحتويه برامجهم السياسية المختلفة والمتناقضة من مخططات؟
يتساءل البعض حول اللغز الذي ينطوي عليه احتلال العراق، عدا مزاعم امتلاكه اسلحة الدمار الشامل المفضوحة، وانه يهدد جيرانه وان نظامه دكتاتوري ويفتقر الي الديمقراطية. هذه التوصيفات قد تهاوت تماماً فلا اسلحة دمار شامل ولا عراق يهدد احداً ولم تكن دول المنطقة خالية من سلطات قمعية حتي في لندن وواشنطن وتل ابيب كما انه لا ديمقراطية حقيقية في تلك البلدان بل هي ديمقراطية انتقائية مصنوعة من قبل النخبة، فلماذا اذن استهدف العراق، ليس نظامه السياسي الوطني فحسب انما تدمير الدولة العراقية؟
ومن اجل توضيح هذا (اللغز) الذي يتساءل البعض بشأنه يتوجب التذكير بالآتي:
ـ انجز العراق تأميم ثروته النفطية وحقق استقلاله الاقتصادي في عام 1971 الامر الذي جعل العراق يمتلك ناصية العلم والاقتصاد، وينهي الامية بالكامل ويبني قاعدة صناعية متطورة وفاعلة ويؤسس مراكز بحوث في الجامعات والمعاهد مع رعاية حلقة واسعة من العلماء في التخصصات المختلفة.
ـ انجز العراق الحكم الذاتي لشمال العراق في 1 آذار 1972 وهو الاقرار الديمقراطي المتقدم الذي حققه العراق الامر الذي وجه لوماً من دول الجوار لأقدامه علي هذه الخطوة الجريئة والمحاطة بخط احمر بالنسبة لأيران وتركيا.
ـ اتساع نطاق صناعات العراق العسكرية بعد ان نفذ استراتيجية تنويع مصادر التسلح وبلوغه تقريباً حد الاكتفاء الذاتي في تصنيع الذخيرة بكل اصنافها فضلاً عن الكثير من الاسلحة الميدانية ومنها علي وجه الخصوص الصواريخ البالستية التي تحمل رؤوساً للكيمياوي المزدوج لكي تكون معادلاً استراتيجياً لترسانة الكيان الصهيوني الذي يمتلك ما يقرب من (200) قنبلة نووية.
ـ ونتيجة لاستمرار الكيان الصهيوني في منهج الاستيطان وقتل وتشريد الشعب الفلسطيني.. ونتيجة لتهديد هذا الكيان بضرب العراق بعد ان دمرت طائراته مفاعل تموز للاغراض السلمية في عام 1981.. ونتيجة لتجهيز هذا الكيان للدولة الايرانية بالسلاح والمعلومات وتقديمه تسهيلات للقوات الامريكية واعلانه شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة اضطر العراق الي توجيه تهديد لهذا الكيان بأسلوب الردع (اذا لم تكف اسرائيل عن عدوانها علي الشعب الفلسطيني او اي دولة عربية فان العراق سيحرق نصف اسرائيل)، ثم تلقت خلال الحرب العدوانية علي العراق عام 1991 عدداً من الصواريخ العراقية حطمت ما يسمي بنظرية الامن الاسرائيلية، الامر الذي انهي اسطورة قدرات العمق الاستراتيجي الذي لا يقهر للعدو الصهيوني.
ـ بروز العراق قوة اقليمية كبيرة بلغت حداً مؤثراً في ميزان تعادل القوي مع الكيان الصهيوني، الامر الذي عكس قلقاً كبيراً انتاب هذا الكيان ومراكز صنع القرار في واشنطن، فيما باتت ابواق الغرب تزعق بخطر العراق الجدي والوشيك علي الكيان الصهيوني.
ـ الحشود الامريكية وحليفاتها التي تحركت نهاية عام 1989 بعد انتصار العراق في حربه مع ايران، من البحار العالية (البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر والبحر العربي والمحيط الهادي) قد تكالبت بهدف ما يسمونه احتلال منابع النفط في الخليج العربي بما فيها العراق تنفيذاً لقرار اتخذته منظمة الطاقة الدولية عام 1975 الامر الذي دفع بالعراق الي اخماد منبع التآمر الاقليمي في الكويت الذي تغذيه الطغمة الحاكمة هناك من خلال اللجنة الثلاثية الامنية المشتركة (الامريكية البريطانية الكويتية) التي يشرف عليها آنذاك وزير الخارجية والنائب الاول لرئيس الوزراء الكويتي صباح الاحمد الجابر من جهة والامريكي ديك تشيني من جهة ثانية.
ـ تراجع معدلات انتاج النفط وشحة الكثير من آبار مناطق العالم وخاصة آبار بحر الشمال، الامر الذي جعل التركيز علي نفط الخليج العربي ذي الخزين الاستراتيجي الكبير ونفط بحر قزوين المكلف في الاستخراج والتسعير والنقل عبر ايران الي موانيء تركيا المعروفة. هذا الواقع النفطي التراجعي دفع بانضاج استراتيجية احتواء واحتلال منابع النفط في الخليج العربي وقلبها العراق الذي يضم خزينا استراتيجيا يمتد لمائة سنة بعد اكتشافات حقول لم تكن مكتشفة فيه.
ـ بات العراق يمثل دولة القرار السياسي والاقتصادي المستقل ونموذجاً محرراً من سطوة الكارتلات الامبريالية، فيما باتت اغلب الدول العربية رهينة في قرارها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي، وخاصة الموقف من قضية فلسطين الذي تبناه العراق آيديولوجيا وعملياً لما لديه من امكانات سخرت لصالح هذه القضية، فيما كانت بعض الانظمة العربية تتآمر علي الانتفاضة الفلسطينية الباسلة وتعمل علي اجهاض نضال الشعب الفلسطيني وتهرول مذعورة باتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني.
كل ذلك قد وضع العراق في دائرة الضوء الامبريالية ـ الصهيونية اضافة الي عوامل اخري ذات مدلول مهم وهي عروبة العراق وحضارته وتمسكه باسلامه الحنيف وصلابة ايمانه بتحرر الشعب العربي ووحدته وتنميته وعدالة مكوناته الاجتماعية، فضلا عن ما يتميز به العراق من موقع استراتيجي وعمق جغرافي وتنوع بيئي وسكاني متماسك عبر العصور وثروات طبيعية ومعدنية في مقدمتها النفط ومياه وافرة، مما جعل العراق يجمع كل عناصر القوة التي تفتقر الي بعضها وحدات سياسية عربية اخري، الامر الذي وضع العراق علي رأس المخططات الامريكية ـ البريطانية ـ الصهيونية، ليس لتغيير نظامه السياسي الوطني فحسب انما لتدمير الدولة العراقية وافراغها من عناصر قوتها وتغييب مخاطرها المزعومة علي امن الكيان الصهيوني.
وهكذا بدأ مسلسل حصار العراق والاجهاز عليه وتغيير نظامه السياسي وتدمير مؤسساته السياسية والخدمية والعسكرية والامنية والثقافية والحضارية وارجاع الدولة العـــراقية الي ما اســــماه جيمس بيكر وزير خارجية امريكا الاسبق بالعصر الحجري!!
ولكن وبالرغم من كل المغالطات التي احاطت بمجريات الاحداث في العراق والتشويهات التي رافقتها وتصدير مفاهيم غريبة واقحامها في القاموس السياسي العراقي ومنها (الفيدرالية) و(الديمقراطية) و(اقتسام الثروات)، وكلها ادوات للتهديم والتقسيم والتفتيت كما ذكرت ذلك صحيفة الاندبندنت في تعليقها علي الاحداث في العراق.. من ان مسودة الدستور العراقي تسهم في توسيع شقة الخلاف في البلاد من خلال تأكيد الفيدرالية التي تعني الانفصال وسيادة القوانين الاسلامية.. انها مسودة غير مكتملة وغامضة ومثيرة للجدل، وهي تعزز عملية تفكيك العراق الي اقطاعيات مثل البند (129) الذي يســـمح لاي اقــليم بادارة شؤونه الامنية والشرطة بعيداً عن الحكومة المركزية . الاشكالية الخطرة في مضمون مسودة الدستور التي هي عبارة عن الغام تكرس التجزئة ولا توحد، تشيع التفرقة ولا توحد، تشجع علي التطاحن والاقتتال بدل الوئام والسلام والتعايش السلمي كما كان شعبنا في العراق من شماله حتي جنوبه ومنذ الآف السنين بهذا النسيج الفسيفسائي المنسجم والمتلاحم عبر التاريخ لا يعرف الطائفية او العرقية ولم يشهد نزاعاً او حربا اهلية. فكيف يراد له التناحر والاقتتال الطائفي؟ من هو الذي خطط ويخطط لهذه الاهداف الاجرامية؟ ومن له مصلحة في تفكيك العراق وشرذمته وتفتيته وتمزيق عناصر قوته كدولة ذات اهمية قومية واستراتيجية؟
من البديهي الاجابة علي هذه التساؤلات بناء علي المعطيات التي تحدثنا عنها آنفاً وهي جديرة بان تأخذ مدياتها التأثيرية ليس في محيط العراق القريب فحسب انما علي المستوي الدولي وهما (النفط) و(امن الكيان الصهيوني) ومشروعه في الشرق الاوسط، الذي يقوم علي خيار احتواء المنطقة العربية عن طريق الاقتصاد ولكن تحت مظلة التهديد النووي والابتعاد قدر الامكان عن استخدامات القوة بسبب من ان الصواريخ البالستية الحديثة، كما قال شمعون بيريز من الصعب تحييدها وهي في طريقها الي العمق الاستراتيجي لهذا الكيان. اذن لم يتبق له سوي الاحتواء عن طريق الاقتصاد ـ مع استخدام القوات الامريكية لتمهيد الطريق كلما تطلب الامر ذلك ـ وهذا يذكرنا بخيار ايران الآيديولوجي في تصدير الثورة الاسلامية بعد ان جربت خيار القوة مع العراق وخسرت هذا الخيار ولم يتبق لها الا الخيار الآيديولوجي ـ الديني.
والتساؤل في هذا المنحي هل ينجح الكيان الصهيوني في خياره الآيديولوجي ـ الاقتصادي لتطويع المنطقة العربي واحتوائها! وهـــل تنجــح ايران في خيارها الآيديولوجي ـ الديني لابتلاع المنطقة العربية واحتوائها!
ان المخططات التي تضعها مراكز البحوث والخبراء الاستراتيجيون قد تكون بارعة ومتماسكة نظرياً ومغرية للقادة السياسيين والعسكريين الا انها ليست دائماً متطابقة مع حقائق الواقع الموضوعي، لان عوامل وتفاعلات وتأثيرات هذا الواقع غير معروفة دائماً ستقوم بافساد تلك المخططات عاجلاً ام آجلاً.. وكما سقط خيار القوة الصهيونية مؤقتاً حيال المنطقة العربية بصورة عامة والقضية الفلسطينية علي وجه الخصوص، وسقط خيار القوة الايرانية حيال المنطقة العربية بصورة عامة والعراق بشكل خاص، ستتساقط تلك الخيارات الاخري التي تريد بالعراق وبالامة العربية سوءاً وشراً بفعل انتباهة الشرفاء من ابناء العراق والامة العربية ويقظتهم وهم يفكرون ويناضلون من اجل الخلاص من فكي كماشة الكيان الصهيوني والدولة الصفوية الفارسية التي تهدد الوجود العربي والهوية القومية!!

ہ كاتب من العراق

المغرب: إعادة انتاج المشهد ذاته!

القدس العربي

المغرب: إعادة انتاج المشهد ذاته!
2005/08/31
إدريس ولد القابلة
يبدو، وبجلاء، أن المشهد السياسي والحزبي المغربي لازال مقيدا بالعديد من المعوقات والمقومات السياسية والدستورية والتشريعية والادارية، تجعل المجتمع المغربي يكرس،من حيث لا يدري ومن حيث يدري، جملة من آليات إنتاج وإعادة انتاج نفس الأنساق السياسية القائمة، وذلك بفضل فاعلين ونخب جديدة، وبتأسيس لتجارب تتمظهر كأنها، علي الاقل خطابا ومظهرا، قطعت قطعا كليا مع التجارب السياسية السابقة في إدارة وتدبير الشأن العام والتعاطي معه، وبذلك قد يُعتقد أنه هناك تأسيس لتجربة نوعية جديدة مغايرة. لكن علي أرض الواقع المعيش يتبين وبجلاء أن هناك استمرارية بل أكثر من ذلك فالمرء في المغرب يشعر وبالملموس كأن التاريخ المغربي يعاد وقد يبدو وأنه مستنسخ في أكثر من قضية حاسمة. و يري أغلب المحللين السياسيين أن أسباب الانحصار السياسي واختناقه ترجع إلي غياب الإرادة السياسية الفعلية لدي السلطة في المغرب، في إعادة التعاطي مع مبدا اقتسام السلطة علي قاعدة الديمقراطية بمفهومها الكوني. لاسيما وأنه تأكد بما لايدع أدني مجال من الشك أن التطورات السياسية التي عرفها المغرب وعبر كل التجارب الانتخابية والاستشارية لم تؤد إلا إلي ديمقراطية مشوهة وغير متوازنة لأن السلطة في المغرب غير قابلة للتداول وأن الانتخابات تجري بدون رهانات سياسية واضحة، ولا تشكل بتاتا مجالا للتباري أو التنافس الديمقراطي حول البرامج والمشاريع المجتمعية. وبالتالي لا يمكن أن يسفر عن ذلك، سوي أجهزة متجاوزة قبل شروعها، جهاز تنفيذي ضعيف، ومجرد من الصلاحيات التنفيذية الحقيقية، ولا دور له إلا الحرص علي تطبيق القوانين، ومما زاد من تهميش الحكومة في ظل العهد الجديد، تلك السلطات الواسعة التي منحت للولاة والعمال علي المستويين الاقتصادي والسياسي.
و يقول المتخصصون في القانون الدستوري وكذلك المحللون السياسيون أن عدم اعتماد الفصل الحقيقي للسلطات، وتمركزها في يد المؤسسة الملكية، أعطي لحكم هذه المؤسسة سلطة مطلقة، أصبح معها الملك، وفقا لمنطوق الدستور، له صلاحية تعيين الوزير الأول دون التقيد بما يسفر عنه الاقتراع في الانتخابات (وهذا ما أوضحه تعيين إدريس جطو علي رأس الحكومة بعد انتخابات 27 شتنبر 2002). كما يمنح الدستور الملك صلاحية وضع حد لمهامه، ومهام الوزراء، لأن الحكومة مسؤولة أمامه قبل أن تكون مسؤولة أمام البرلمان و هذا ما ينص عليه الفصل 60 من الدستور المغربي، وبذلك تصبح الحكومة تحت الإمرة، والسلطة ذات رأسين من الناحية الشكلية والمظهر، لكنها ذات رأس واحد من الناحية الفعلية والعملية وبذلك ينتفي دور الوزير الأول المعين.
و اعتبارا لهذا الوضع اهتم البعض بمحاولة ترصد المنحي العام لمستقبل المغرب وقد انفرزت جملة من الرؤي ذات مسارات متباينة. ولعل من الاحتمالات التي قد تؤيدها صيرورة تطورات بعض العوامل البارزة حاليا، هو احتمال سير المغرب نحو نظام حكم شمولي يجد مرتكزه في المشروع المجتمعي الأصولي، الذي يتغذي ويتطور من فشل المشروع الديمقراطي، والذي يزيد من تقويته الفشل الذريع والساطع لتجربة التناوب السياسي والتراجع الكبير للكتلة الديمقراطية بالبلاد، وكذلك منحي تردي الأوضاع الاجتماعية والمعاشية العامة لأوسع فئات الشعب المغربي. إلا أن هذا الاحتمال قد تقلصت إمكانية حدوثه بفعل أحداث 16 ماي الارهابية بالدار البيضاء، والتي أول ما فرضته هو تفكيك البنية السياسية للاتجاهات المتشددة والمتطرفة، وسرعت، بشكل ملفت للنظر، بالإدماج الكلي للاتجاهات المعتدلة، وعلي رأسها حزب العدالة والتنمية في نسق النظام السياسي، وتراجع اتجاهات أخري علي صراعها البين علي السلطة وعلي رأسها جماعة العدل والاحسان بقيادة عبد السلام ياسين. وكل هذا ساهم في سيادة نوع من الخوف لدي عموم المواطنين مما يمكن أن يؤدي إليه المشروع الأصولي.
والمنحي الثاني يتجه نحو ابقاء علي الوضع السائد علي ما هي عليه مع إمكانية التراجع إلي الوراء علي بعض المكتسبات المحققة وبعض التطورات التي عرفها المغرب. وفي أفضل الحالات الرجوع إلي نمط تيكنوقراطي في التدبير والاعتماد علي خطة وضع وزير أول تيكنوقراطي علي رأس الحكومة مهما كانت نتائج الاقتراع. وبالموازاة مع ذلك الاستمرار في الاعتماد علي المؤسسات غير الدستورية (الصناديق والمؤسسات الخاصة المرتبطة بالقصر)، تقوم به ما كان من المفروض أن تقوم به حكومة فعلية. علما أن المؤسسات غير الدستورية تشتغل بمال الشعب لكن خارج مسؤولية الحكومة لكونها ترتبط مباشرة رأسا بالمؤسسة الملكية، كما أنها غير خاضعة للمراقبة التنفيذية والتشريعية. وقد تقوي هذا المنحي بفعل اتخاذ العديد من الاجراءات والتدابير، وسن الكثير من القوانين المقلصة فعلا وفعليا من مساحة المجال المدني والحريات لفائدة المجال المقدس والإقرار بالمزيد من الخطوط الحمراء، كقانون محاربة الارهاب وكقانون الصحافة ومشروع قانون الأحزاب. وقد تمكن تعميق هذا المسلسل بفعل أحداث 16 ماي التي تمخض عنها قانون الارهاب، الذي قوي، وبشكل قوي، من عنصر الهاجس الأمني الذي يعتبر ثابتا من الثوابت السياسية للقائمين علي الأمور بالبلاد، وما ترتب عن ذلك من تقليص مجال الحريات والتجاوزات الأمنية التي رافقت تلك الأحداث والتي تم الاعتراف بحدوثها بما لا يترك أي مجال من الشك.
وبخصوص المنحي الثالث وهو ما يطمح إليه أغلبية المغاربة فهو نظام حكم ديمقراطي حقيقي. إلا أنه وبشهادة الجميع أن هذا المشروع غير قابل للتحقق في المدي المنظور. ومما يقوي هذا الشعور الفشل الكبير لتجربة التناوب التي خرجت منه أحزاب الكتلة الديمقراطية مفككة، والتي مازالت إلي حد الآن لم تقو قطعا علي تحقيق ولو الجزء اليسير من ما تسميها الحد الأدني من مشاريعها وبرامجها، بل هي الآن لا تسعي إلا إلي البحث عي كيفية مواجهة التصدعات السياسية والتنظيمية التي تنخرها. وقد زادت من تكبيل أفقها بإسقاطها لمطالب الاصلاحات الدستورية من حسبانهاو من أجندتها الراهنة إن كانت فعلا تتوفر علي ما يمكن أن نسميه أجندة سياسية أصلا. ومما يقوي الشعور بأن احقاق نظام ديمقراطي حقيقي غير قابل للتحقق في المدي المنظور، الضعف الحالي للقوي الحية الحاملة لمشروع التغيير الديمقراطي الحقيقي. كل هذا يدفع إلي الاعتقاد أن إمكانية تحقيق إقامة ديمقراطية حقيقية، غير قابلة للانجاز في المدي المنظور إلي حد الآن.
لذلك يري الكثيرون أن إشكالية الاصلاحات الدستورية تكتسي أهمية قصوي في سلم ترتيب الأولويات حاليا بالمغرب لأنها هي الوحيدة الآن التي من شانها إعادة انعاش الشعور بإمكانية الاقرار بنظام ديمقراطي فعلي بالمغرب في المدي المنظور، لاسيما وأن تجربة الاصلاح السياسي التي وضعتها أحزاب الكتلة الديمقراطية في أولوية برامجها وحاولت مباشرتها من موقع الحكم قد آلت إلي الفشل الذريع الذي زاد من إحباط المغاربة.
وبالضبط هذا الفشل الذريع يؤكد هو كذلك ، إن كانت هناك حاجة من التأكيد، ضرورة الاصلاح الدستوري كمدخل مركزي وحيوي وربما وحيد الآن، لعملية التغيير الديمقراطي الحق، إنه حجر زاوية أي انتقال ديمقراطي مستقبلي بالمغرب طال الزمن أم قصر.لأنه بكل بساطة يعتبر اصلاحاً أولوياً قصد فصل حقيقي للسلطات، ولمنح هوامش كبري لمؤسسة الحكومة ومؤسسة الوزير الأول، ولإعطاء إمكانيات حقيقية للمؤسسة التشريعية في المراقبة والتشريع الفعليين. وإصلاح من هذا النوع بالمغرب حاليا يتطلب إرادة سياسية قوية، قادرة علي القطع مع كل أشكال التدبير والادارة والتسيير السابقة في كل المجالات ومختلف الميادين، لأنه بكل بساطة لا يمكن تأسيس مجتمع ديمقراطي حقيقي علي قاعدة البني السياسية العتيقة مازال يتحكم فيها أشخاص أدانهم التاريخ سواء بالفساد الأكيد وبإقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان بالجملة بل هناك منهم من اقترف جرائم في حق الانسانية. وبذلك يكون الاقرار بإصلاح دستوري جذري هو أقصر السبل وأفضلها للعباد وللبلاد لتمكين المغرب ليصبح بلدا ديمقراطيا في المدي المنظور وما عدا هذا فكل شيء ممكن ما عدا الديمقراطية.

ہ كاتب من المغرب

الدستور العراقي والطريق الطويل نحو الاستقرار والحرية

القدس العربي

الدستور العراقي والطريق الطويل نحو الاستقرار والحرية
2005/08/31
د. سعيد الشهابي
يمكن النظر الي ما يجري في العراق حول كتابة الدستور من زاويتين: يائسة ومتفائلة. فاليائسة تري ان الصراع المتواصل بين الفرقاء الرئيسيين حول نصوص هذه الوثيقة تعبير عن سوء الاوضاع والتناحر الطائفي والعرقي ومؤشر علي ان العراق سيظل متوترا، وقد ينتهي الامر به الي التشطير. ويذهب بعض أصحاب هذه النظرة الي حد التنبؤ بحرب أهلية طاحنة لن تتوقف رحاها حتي يتقسم العراق. كما يقول بعضهم ان الدستور غير شرعي لانه يكتب تحت الاحتلال، بل يصفه البعض بانه أمريكي . اما النظرة المتفائلة فتري ما يحدث مؤشرا علي حيوية الشعب العراقي، وان التسابق من قبل الاطراف الرئيسية علي تحقيق مكاسب دستورية محددة يعكس حالة طبيعية، وان هذا ما سيحدث في اي بلد آخر يسمح لشعبه بكتابة دستور بلادهم بحرية، فكل تيار سوف يسعي لبلورة اتجاهه ورغباته ومنطلقاته الايديولوجية او السياسية في مواد هذا الدستور. ويري اصحاب هذه النظرة ان كتابة الدستور في هذه الاوضاع لا يفقده قوته وشرعيته، ما دام كاتبوه منتخبين من قبل الشعب. ويدلل اصحاب هذه النظرة علي الموقف القوي من ممثلي الطائفة السنية ازاء بعض الاطروحات خصوصا الفيدرالية، ومشاركة الاطراف التي لم تشارك في الانتخابات السابقة في مطلع العام، بشكل فاعل في مساومات الساعات الاخيرة. وبالرغم من تكرار تأجيل عرض المسودة الكاملة والنهائية علي المجلس الوطني لاقرارها، يري المتفائلون ان ذلك يعود لحيوية المشاركة والشعور بأهمية هذه الوثيقة التي سوف تحكم عراق المستقبل، وان الانتهاء منها واقرارها من قبل الجمعية الوطنية حسمت الموقف ولو مؤقتا.
كتابة الدستور العراقي، برغم انها تحدث في ظل الاحتلال الانغلو ـ امريكي، ظاهرة غير معتادة في العالم العربي. فمتي كان هناك استفتاء علي دستور كتبه اعضاء منتخبون من ابناء البلاد في اي بلد عربي؟ وربما اجريت استفتاءات علي تغييرات محدودة في الدستور الاردني والمصري، بناء علي رغبة الحكام لتحقيق رغباتهم ودعم مواقفهم، بعيدا عن الارادة الشعبية الحقيقية والاجواء المفتوحة. وآخر هذه الاستفتاءات ما جري في مصر مؤخرا للسماح بترشيح منافسين للرئيس، ولكن بشروط اعتبرتها المعارضة تعجيزية. الاقتراحات الدستورية جاءت بعد ضغوط امريكية لتوسيع دائرة المشاركة السياسية في مصر بعد ان تصاعدت الاصوات المنددة بالسياسة الامريكية الداعمة للانظمة الاستبدادية والقمعية في المنطقة. وشهدت مصر وضعا أمنيا متوترا، حيث اعتقل المئات من اعضاء حركتي الاخوان المسلمين وكفاية، وهما الحركتان الاساسيتان المطالبتان بتنحي الرئيس عن منصبه. وجاء اقرار تعديل المادة 76 من الدستور، في نظر المعارضة، ليكرس سلطة الرئيس بدلا من تخفيفها، برغم معارضة كافة التيارات والاحزاب السياسية لمبدأ الرئاسة مدي الحياة .
وكانت الجزائر قد سعت لتشريع اوضاعها بتعديلات علي الدستور الاول الذي وضع في 1963 بعد التحرير مباشرة، والذي حصر الوجود السياسي بجبهة التحرير الوطني، ولكن علق العمل به في 1965، وبقيت الجزائر تحكم بدون دستور طوال العقد التالي. وفي 1976 تمت صياغة مشروع الميثاق الوطني والدستور الجديد، ثم أقرّا عن طريق استفتاءات عامة. وأعاد الدستور الجديد التأكيد علي الالتزام بالاشتراكية. كما أعلن جبهة التحرير الوطني الحزب السياسي الشرعي الوحيد في البلاد. وتم تعديل دستور 1976 في الأعوام 1986 و1989 و1996. وأكدت تعديلات 1986 مجددا علي احتكار جبهة التحرير الوطني للعمل السياسي في البلاد، لكنها وسعّت دور القطاع الخاص وقللت من التزام النظام بالاشتراكية. وأنهي دستور 1989 المعدل ذلك الالتزام وألغي احتكار جبهة التحرير الوطني للعمل السياسي. تم تعليق الدستور في سنة 1992 وأعيد تعديله في سنة 1996. وتنص تعديلات 1996 التي أقرت باستفتاء عام علي قيام سلطة تنفيذية قوية برئاسة رئيس الجمهورية. ويتولي رئيس الجمهورية، الذي يجوز إعادة انتخابه بالاقتراع الشعبي لولاية ثانية مدتها خمس سنوات، وتعيين رئيس الوزراء الذي يتولي بدوره تعيين أعضاء وزارته. وهكذا يبدو الدور الشعبي الفاعل في صياغة الدساتير العربية غائبا.
ما الجديد في الدستور العراقي؟ ثمة عوامل عديدة تضفي علي الدستور العراقي اهمية يؤكدها هذا التنافس المحموم علي صياغة مواده من قبل الفرقاء بما يحمي مصالحهم. اولها انه يأتي بعد مخاض عسير حول المشاركة في انتخابات المجلس الوطني المخول كتابة الدستور، وبعد الطوفان السياسي والعسكري الذي ضرب البلاد في 2003 وأسقط النظام السابق وأحدث واقعا سياسيا جديدا في أكبر بلد عربي مشرقي. وثانيها: ان كتابة الدستور يأتي في ظروف قلما تمر ببلد آخر، فالعراق واقع تحت الاحتلال الانغلو ـ امريكي من جهة، ويعاني من وضع أمني مضطرب يحصد أرواح الابرياء بشكل يومي، ويواجه شبح الحرب الاهلية والتقسيم وفق خطوط عرقية ومذهبية. وثالثها انها المرة الاولي في العقود الاخيرة التي يسمح لشعب عربي فيها بانتخابات هدفها الاول كتابة دستور دائم للبلاد، بأطر توافقية، بعيدا عن املاءات جهة دون غيرها، وبالتالي، سيكون، في حالة اقراره، معبرا عن رغبة الاكثرية الساحقة من الشعب العراقي. ورابعها ان الاطراف المشاركة فيه سوف تحصل علي القدر الادني من تطلعاتها، اذ ان علي كل منها ان يتنازل عن سقفه السياسي ليتوافق مع الآخرين، وهذا هو عنوان التحدي: فهل سيكون هذا القبول بالحد الأدني عامل استقرار ام توتر في المستقبل؟ وخامسها ان كتابة الدساتير ليست ظاهرة معتادة في العالم العربي في العقود الاخيرة، اذ تحولت الحكومات عموما الي انظمة ديكتاتورية واستبدادية، ترفض مبادئ المشاركة الشعبية الحرة والتعددية وتبادل السلطة والمحاسبة والرقابة وفق ثوابت دستورية.
هذه العوامل مجتمعة تجعل التجربة العراقية فريدة من نوعها في المنطقة، وستكون ذات أثر كبير علي الصعيد الاقليمي خصوصا اذا نجم عن كتابة الدستور قيام حكم مستقر بمشاركة كافة الاطراف، وانسحاب القوات المحتلة بشكل كامل، واسترجاع السيادة الوطنية كاملة من قبل الشعب العراقي وممثليه. وليس مستحيلا ان يتحول العراق، وفق النظرة المتفائلة، الي انموذج متحضر يحتذي به الآخرون، ويتحركون لمحاكاته خصوصا اذا تخلص من اعباء الاحتلال. وبعيدا عن هذا التفاؤل الواسع، ما تزال المخاوف من تدهور تلك التجربة ماثلة في اذهان اهل العراق وجيرانهم والعالم، وليس مستبعدا حدوث انتكاسة تؤدي تدريجيا الي فشل التجربة وتفكيك العراق، في حال عدم القدرة علي الاتفاق علي دستور توافقي. وقد أصبحت العلاقة بين وحدة العراق ودستوره تلازمية، وأصبح الدستور العامل الاقوي في الحفاظ علي وحدة العراق او تفككه. وبالرغم من الصعوبات التي تواجه هذه الوثيقة التي طال انتظارها ليس من قبل العراقيين فحسب، بل من جميع الاطراف المعنية بالشأن العراقي، خصوصا الامريكيين، فانها تؤكد ضرورة التوافق بين مكونات الشعب العراقي لبدء صفحة جديدة وتطوي صفحات الماضي بمرارته. وفي ظل هذا الوضع اصبح العراق ساحة تجارب مفتوحة. فالامريكيون لديهم اجندتهم الخاصة في هذا البلد. فهو الساحة الاساسية لما أسموه الحرب ضد الارهاب ، بعد ان استطاعوا استدراج المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة الي ارض الرافدين، ودخلوا في مواجهات متواصلة معها، وقلصوا فرص نقل الصراع الي العواصم الغربية. واذا كانت تفجيرات لندن خروجا علي هذه القاعدة، فانها في الوقت نفسه كثفت الضغوط الامنية والاستخباراتية ضد المجموعات المسلحة، لاعادتها الي حالة الحصار التي فرضت عليها في العراق. ومن وجهة نظر واشنطن، ليس هناك خيارات كثيرة في المواجهة مع المجموعات الارهابية، ولا يمكن السماح لها بتوسيع وجودها خارج هذا البلد. كما ان التجربة السياسية العراقية اصبحت هي الاخري عنوانا لتحد آخر يرتبط بالمشروع الامريكي الذي طرح لتبرير الحرب ضد العراق تارة، واخري لعلاج احد اسباب الظاهرة الارهابية وذلك ببدء تجربة ديمقراطية لمنع الاحتقان السياسي الذي يؤدي الي التطرف والعنف.
في الوقت نفسه يراقب جيران العراق ما يحدث فيه من تطورات دستورية وديمقراطية، وهم في هذا بين الامل والوجل. فهم يأملون في بقاء العراق موحدا ولكن بقوة عسكرية ضعيفة ومحصورا في اطره الايديولوجية والسياسية بحدوده الجغرافية، ويأملون ايضا ان لا تتواصل الازمة فتخترق حدودهم لتطال الوجودات العرقية والقومية والمذهبية لديهم. ولكنهم وجلون ايضا من ان يطالبوا بالتعاطي مع استحقاقات التجربة السياسية العراقية في حال نجاحها. فالمسألة الدستورية واحدة من القضايا الحساسة في منطقة لا تتوفر فيها مقومات الممارسة السياسية الحديثة، ومنها الممارسة الديمقراطية المؤسسة علي دساتير عصرية تعاقدية. والواضح ان الدستور العراقي، برغم انه كتب في ظل الاحتلال، يمثل، في حال اقراره في الاستفتاء المقرر في منتصف اكتوبر المقبل، تعاقدا بين العراقيين بكافة اعراقهم واديانهم ومذاهبهم. فهو ليس وثيقة مفروضة علي شعب العراق من أحد، بل كتبه العراقيون انفسهم، ولن يصبح ساري المفعول الا اذا أقره عامة الشعب في الاستفتاء المزمع. هذا لا يعني ان هذا الدستور سوف يحقق جمهورية افلاطون في هذا البلد الذي ابتلي بالحروب والتوتر الداخلي لعقود، ولكنه، برغم الاصوات التي تتعالي ضده، يمثل رغبات أغلبية شعب العراق، ويحقق، اذا ما طبقت مواده مستقبلا، توزيع السلطة والثروة بشكل متساو بين المواطنين. والأهم من كل ذلك انه لا يسمح باستبداد حاكم او فئة او عرق او مذهب بل يعطي الاكثرية نصيبها في الحكم والادارة بشكل متوافق مع الاقليات.
باقرار مسودة الدستور من قبل اللجنة التي كلفت باعداده، وهي تمثل كافة الاطياف العراقية، واقراره من قبل الجمعية الوطنية اصبح الوضع مهيأ للاستفتاء الشعبي العام عليه في منتصف اكتوبر. ويصعب التكهن بنتيجة ذلك الاستفتاء، خصوصا مع اعتراض شريحة كبيرة من المسلمين السنة علي بعض مواده، خصوصا في ما يرتبط بالفيدرالية والموقف من النظام السابق وعناصره. ولذلك فمن المتوقع ان تكون المشاركة الشعبية في الاستفتاء كبيرة جدا، خصوصا مع تأهب كل فريق للتعبير عن موقفه ازاء الدستور اقرارا او رفضا. فقد دعا آية الله السيد علي السيستاني العراقيين للمشاركة في هذا الاستفتاء، وهذه الدعوة من شأنها ان تكثف المشاركة بشكل واسع. ودعت الاحزاب الكردية والسنية والشيعية أتباعها للمشاركة، مع اختلاف واضح في اتجاه كل منها. ومهما تكن نتيجة الاستفتاء، فهي ظاهرة فيها الكثير من الايجابية، لانها تكريس لمبدأ التعاقد بين مكونات الشعب العراقي بشأن مستقبل بلادهم السياسي، والقضاء علي الاستبداد والديكتاتورية وحكم الفرد او الحزب الواحد، وتسيير شؤون البلاد وفق قاعدة التوافق وليس الفرض او الاكراه، كما هو الحال مع انظمة الحكم في اغلب الدول العربية. فالمسألة الدستورية لا تنفك عن المسألة الديمقراطية، وما لم تتجسد ارادة الشعوب في دساتير عصرية تعبر عن رغباتها وتنظم دورها في المشاركة السياسية والتشريع وتبادل السلطة فسوف يبقي الوضع العربي محكوما بالاستبداد. هذه الحقيقة تدركها النخب العربية، وتناقشها في ندواتها ومؤتمراتها، كما حصل يوم السبت الماضي في ندوة الدراسات الديمقراطية في العالم العربي التي عقدت في اكسفورد برئاسة الدكتور علي الكواري. الاشكالية الاساسية في المشروع الدستوري العراقي انه يتم تحت الاحتلال، وهي اشكالية كبري، ولكنها ليست حاسمة طالما بقي التفويض بأيدي العراقيين انفسهم بدون تدخل مباشر من الاحتلال في الصياغة او التوجيه. فالدستور لا يقر الاحتلال، بل يعتبر العراق دولة كاملة السيادة، ويؤكد انتماءه للاسلام والتزامه باحكامه بحيث لا يسمح بتشريع يخالف تلك الاحكام، وان الشعب مصدر السيادة والحكم. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الاصوات لانهاء الاحتلال، فمن الضروري ايضا دعم قيام نظام دستوري يمارس الديمقراطية ولا يقر الاستبداد او الديكتاتورية
.

التحقيق لبناني والمستهدف سوري

القدس العربي

التحقيق لبناني والمستهدف سوري
2005/08/31
بدأت التحقيقات التي يجريها فريق دولي برئاسة القاضي الالماني ميليس في جريمة اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني تدخل مرحلة جدية باستدعاء ثلاثة مسؤولين كبار من قادة الأمن اللبناني كمشتبه بهم، هم مصطفي حمدان رئيس الحرس الجمهوري، وجميل السيد المدير السابق للأمن العام وعلي الحاج المدير السابق لقوي الأمن الداخلي وريمون عازار المدير السابق للمخابرات العسكرية.
الاستدعاء كان اقرب الي الاعتقال، خاصة بعد مداهمة قوي الأمن لمنازل هؤلاء وتفتيشها بشراسة، والتحفظ علي بعض الاوراق والملفات المتعلقة بالتحقيقات.
القاسم المشترك بين المعتقلين الأمنيين الثلاثة الي جانب النائب السابق ناصر قنديل الذي عاد طوعاً من دمشق، هو انهم جميعاً من حلفاء سورية الخلص، وكانوا حلقة الوصل الرئيسية للتنسيق الاستخباري والأمني بين دمشق وبيروت.
استدعاء اشخاص للتحقيق معهم كشهود وبهدف جمع المعلومات، او استيضاح بعض المواقف شيء، اما استدعاؤهم كمشتبه بهم وتفتيش منازلهم في غارة أمنية من قبل قوات الأمن نفسها التي كانوا يترأسونها وفجراً، فهذا شيء آخر مختلف تماماً. فلا بد ان لجنة التحقيق حصلت علي معلومات شبه موثقة حول تورط هؤلاء بطريقة مباشرة، او غير مباشرة في عملية الاغتيال تلك.
انها كرة ثلج تكبر وتتضخم يوماً بعد يوم. ومن المؤكد ان التحقيقات التي وصلت الي أكبر القيادات الأمنية اللبنانية الذين تسيدوا المرحلة السابقة، لن تتوقف عندهم، وربما تمتد، وفي القريب العاجل، الي من كانوا ينسقون معهم، وربما يوجهون لهم الاوامر في دمشق.
فالقاضي الالماني الذي يتولي رئاسة فريق التحقيق اتهم الحكومة السورية بعدم التعاون في هذا الخصوص في التقرير الذي قدمه الي مجلس الأمن الدولي، فما كان من الحكومة السورية الا اصدار الاوامر لبعثتها في الأمم المتحدة لنفي هذا الاتهام، وتأكيد الاستعداد للتعاون مع فريق المحققين في اي وقت واي مكان.
هذا الموقف الرسمي السوري يختلف عن مواقف سابقة أكدت ان الحكومة السورية لن تسمح بالتحقيق مع قادتها الأمنيين، لأن هذا يشكل انتهاكاً لسيادتها، علي اعتبار ان قضية اغتيال رفيق الحريري مسألة لبنانية صرفة لا علاقة لسورية فيها، وخاصة بعد تنفيذها الشق المتعلق بها من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، أي سحب جميع قواتها واجهزتها الأمنية من لبنان.
المعارضة اللبنانية برئاسة السيد سعد الحريري رحبت بالتطور الأخير في مسيرة التحقيقات، علي اعتبار انها خطوة رئيسية علي طريق تحقيق العدالة، واظهار الحقائق كاملة حول جريمة الاغتيال، ولكن ربما يأتي ذلك علي حساب أمن لبنان وما تبقي من استقراره.
فمن الواضح ان هناك جهات امريكية تريد توظيف نتائج التحقيقات سياسياً، وبما يخدم مخططات لضرب سورية بالطريقة التي تمت من خلالها ضرب العراق وحصاره ومن ثم احتلاله.
اصابع الاتهام تتجه نحو سورية، او هذا ما يمكن استنتاجه من استدعاء ابرز ركائزها الأمنية في لبنان للتحقيق بالطريقة التي تم بها هذا الاستدعاء. واذا جري تكرار الاسلوب نفسه مع مسؤولين أمنيين سوريين كبار فان رد الفعل ربما يكون مختلفاً ويصعب التكهن به.
التعاون السوري مع لجنة التحقيق يظل محفوفاً بالمخاطر، لأنه يتعلق بانتهاك سيادة اجهزة أمنية تعودت ان تنتهك سيادة الآخرين، ونصبت حول نفسها هالة كبري. أما عدم التعاون الكامل فربما يؤدي الي قرار جديد من مجلس الأمن يتضمن عقوبات علي غرار ما حدث مع ليبيا اثناء أزمة لوكربي.
هناك مثل انكليزي يقول: عندما تتصارع الفيلة يكون العشب هو الضحية ، وكل الدلائل تشير ان لبنان هو العشب في هذه الحالة. ولن نفاجأ اذا ما جرت عمليات الانتقام وتصفية الحسابات علي ارضه علي شكل تفجيرات واغتيالات، وهذا ما يفسر وجود معظم قياداته السياسية المعارضة في باريس حالياً وليس بيروت

لبنان: مشهد اليوم التالي لتقرير ميليس النهائي

القدس العربي

لبنان: مشهد اليوم التالي لتقرير ميليس النهائي
2005/08/31
د. عصام نعمان

يقول المثل اللبناني التقليدي: عند إختلاف الدول، إحفظ رأسك !
الدول إختلفت في لبنان وعليه. بعد أن إختلفت إتفقت علي إخراج دولة سورية وإدخال دولتي الولايات المتحدة (وفي معيتها إسرائيل) وفرنسا. إتفاق الدول تمّ في إطار قرار مجلس الأمن 1559 الذي يتضمن، إلي بند إخراج سورية، بنوداً أخري تتعلق بإخراج الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ، أي بتجريدها من السلاح. حزب الله يعتبر نفسه، بحق، مقاومة وليس ميليشيا. لذلك رفض تنفيذ قرار مجلس الأمن. مثله رفضت المنظمات الفلسطينية تسليم سلاحها إلي أن تتفق حكومة لبنان والسلطة الوطنية الفلسطينية علي تسوية لقضية اللاجئين تعالج شروط العودة والإقامة وممارسة الحقوق المدنية والإنسانية.
لم يتأخر اللبنانيون، لا سيما الزعماء ورجال الصف الأول بينهم، عن إدراك أبعاد إختلاف الدول في لبنان، فقرروا حفظ رؤوسهم. بعضهم تحصّن في بيته لا يغادره إلاّ قليلاً ووسط حراسة مكثّفة. بعضهم الآخر غادر البلاد إلي عواصم دول القرار، متخوفاً من قائمة إغتيالات قيل ان لجنة التحقيق الدولية حذّرت هي الأخري من مفاعيل مخاطرها علي شخصيات معروفة. أما سائر اللبنانيين فقد تركوا لمصيرهم. تري، من سيحفظ رؤوسهم ؟!
مع توقيف مجموعة من كبار القادة الأمنيين السابقين والحاليين أمام لجنة التحقيق الدولية لإستجوابهم، أدرك أهل القرار والمراقبون والمتابعون لمجريات الساحة اللبنانية مغزي التأجيل المفاجيء لزيارتي خافيير سولانا وتيري رود ـ لارسن لبيروت. الأول هو الممثل الأعلي للسياسة الخارجية والأمن المشترك للإتحاد الأوروبي، والثاني هو موفد الأمين العام للأمم المتحدة المكلّف متابعة تنفيذ القرار 1559. سبب التأجيل يتعدي واجب حفظ الرأس إلي ملاحظة صلة ضمنية بالمناخات التي دخلها لبنان عقب تقديم رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تقريره الإجرائي لمجلس الأمن، وبدء العدّ العكسي لتقديم تقريره النهائي في جريمة إغتيال المغفور له الرئيس رفيق الحريري.
اللبنانيون وغيرهم من المهتمين والمتتبعين يتساءلون كيف سيكون مشهد اليوم التالي في لبنان بعد صدور تقرير ميليس النهائي؟
ليس صعبا، في ضوء المعلومات المتوافرة، والإجراءات المتخذة، والتطورات المتوقعة، ان يتصور المراقب المتتبع السيناريو المرجح للخطوات والتدابير المراد إتخاذها من طرف ميليس والحكومة اللبنانية، بدعم صريح من حكومتي واشنطن وباريس.
في هذا الإطار تُمكن الإشارة إلي واقعات بارزة وإحتمالات مرجحة علي النحو الآتي:
أولي الواقعـات أن لبنان أصبح عمليا بعد صدور قرارات مجلس الأمن 1559، 1595 و1614 تحت رقابة دولية معقودة اللواء للولايات المتحدة وفرنسا. هذه الرقابة هي اقل من وصاية وأكثر من رعاية. ومن المرجح ان يطول أجل هذه الرقابة كونها متصلة بقضايا إقليمية أخري، شائكة وساخنة، كقضية فلسطين وقضية العراق، وربما أيضاً قضية سورية إذا ما صعّدت واشنطن (وباريس) ضغوطها علي دمشق في سياق مطالبتها بفك ارتباطها بالمقاومة الإسلامية (حزب الله) في لبنان، ومنظمات المقاومـة (حماس والجهاد الإسلامي) في فلسطين، وحركة المقاومة القومية والإسلامية للاحتلال في العراق.
ثانية الواقعات أن الرقابة الدولية المخيمة علي لبنان لا تحول دون إستمرار الصراع داخله بين قوي سياسية مشاركة في الحكومة، بعضها مؤيد للقرارات الدولية آنفة الذكر وبعضها الآخر معارض لها. كذلك تتسم قوي المعارضة بأن بعضها مؤيد للقرارات الدولية ولكنه غير مؤيد للحكومة، وبعضها الآخر معارض للقرارات الدولية وللحكومة معا. هذه الحال تضع لبنان في مهب تناقضات وربما اضطرابات حادة قد لا تتمكن أطراف الرقابة الدولية من تسويتها، أقله في المستقبل المنظور.
ثالثة الواقعات ان سورية تعهدت بشخص رئيسها بشار الأسد علي التعاون مع لجنة التحقيق الدولية بما في ذلك السماح لها بالتحقيق مع أي سوري . هذا الموقف يدل، ظاهرا، إما علي وجود ثقة راسخة لدي دمشق ببراءة ساحتها مما نُسب إليها، أو ان ما يمكن ان يتهم به بعض مسؤوليها الأمنيين السابقين في لبنان لن يشكل إدانة لها، لا من الناحية الجنائية ولا من الناحية السياسية.
ماذا لو صدر قرار لجنة التحقيق متضمنا تحديد الجهة المخططة للجريمة والجهة الآمرة بارتكابها، أو تعذر عليها تحديد هوية المخطط والفاعل واكتفت بتحديد بعض المشتبه بهم من المتدخلين في مسألة العبث بمعالم مسرح الجريمة؟ ماذا لو تعثرت سياسة جورج بوش (ومواقف جاك شيراك) ومخطط ارييل شارون في ما يخص قضايا فلسطين والعراق وسورية وإيران؟ ماذا لو اندلعت الإنتفاضة الثالثة في الضفة الغربية نتيجة متابعة شارون سياسة الإستيطان؟ ماذا لو تعاظمت المقاومة العراقية للإحتلال، وجري رفض مسودة الدستور في الاستفتاء المرتقب في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، بل تعذّر إجراء الاستفتاء بسبب إلتقاء المعارضة السنّية مع المعارضة الشيعية علي رفضه؟ ماذا لو اغتنمت دمشق تعثّر سياسة بوش في المنطقة فعادت إلي دعم حلفائها الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين؟ ماذا لو إغتنمت طهران هي الأخري تعثّر سياسة بوش وإضطراره إلي تليين حملته عليها مع إقتراب موعد الإنتخابات النصفية في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل؟
ثمة ثلاثة احتمالات راجحة علي النحو الآتي:
أول الاحتمالات ان يسارع مجلس الأمن، بطلب من لبنان أو من دونه، إلي إتخاذ قرار اجتهادي بإعتبار إغتيال الحريري بمثابة جريمة ضد الإنسانية وإحالة القضية تاليا علي المحكمة الجنائية الدولية لتقرير صلاحيتها وإختصاصها والسير بها. يسبق هذا القرار، علي الأرجح، مبادرة الحكومة اللبنانية إلي إعلان حالة الطواريء لقطع الطريق علي أية محاولة للإخلال بالأمن.
ثاني الإحتمالات ان تتصاعد ضغوط خصوم رئيس الجمهورية اميل لحود السياسيين، بدعم من واشنطن وباريس، لحمله علي الإستقالة بغية إنتخاب رئيس موالٍ للأكثرية النياببة التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة. اذا ما نجحت هذه الحملة في تحقيق أغراضها فإن الخطوة التالية التي ستحظي بدعم دول الرقابة الدولية هي قيام الحكومة اللبنانية بإتخاذ قرار بنشر وحدات من الجيش اللبناني علي طول الخط الأزرق الذي يفصل بين أراضي لبنان وأراضي فلسطين المحتلة، وان تتوضع هذه الوحدات بين الناقورة في الغرب ومزارع شبعا في الشرق، وان ترفدها وحدات أخري تنتشر بين شبعا ونقطة المصنع علي الحدود بين لبنان وسورية. ذلك كله بقصد إقامة جدار عسكري فاصل للحؤول بين المقاومة الإسلامية والوصول إلي المناطق المحتلة تحت طائلة الاصطدام بالجيش اللبناني. هذا بالإضافة إلي تمكين الحكومة من سدّ منافذ الإمداد اللوجستي للمقاومة علي طول الحدود بين لبنان وسورية. ولن تتأخر دول الرقابة الدولية بتوفير وحدات عسكرية إضافية تحت راية الأمم المتحدة لمساندة الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه آنفة الذكر.
ثالث الإحتمالات ان يرفض حزب الله وحلفاؤه السياسيون هذه الترتيبات بحجة انها مقدمة لتجريده من السلاح فيقوم، مغتنما ـ شأن سورية وإيران ـ تعثّر سياسة بوش في المنطقة، لا سيما في العراق وفلسطين، بتوليد معارضة شعبية لمخطط نشر الجيش اللبناني علي طول الخط الأزرق ما يؤدي إلي خلخلة النظام السياسي اللبناني وإنقسام الطبقة السياسية علي نفسها وبالتالي تعطيل تنفيذ المخطط الدولي المرسوم للبنان وسورية معا.
في كلٍ من الإحتمالات الثلاثة ستكون الإرادة الدولية ـ وهي امريكية في الدرجة الأولي ـ فاعلة لا لشيء إلاّ لأن الإرادة اللبنانية غائبة أو سائبة. غير ان إحتمال تعثّر سياسة إدارة بوش في المنطقة قد يؤدي إلي تعثـر الإرادة الدولية في لبنان. من هنا تنبع أهمية إستعادة اللبنانيين وحدتهم الوطنية من أجل تكوين إرادة سياسية لمواجهة تحدي إخفاق بوش في إعادة تشكيل المنطقة سياسيا وثقافيا.
إما أن ينجح اللبنانيون في إستعادة وحدتهم وتوليد إرادة وطنية للمواجهة أو يسقط لبنان ـ شأن فلسطين والعراق ـ في الفوضي البناءة التي نشرها بوش في المنطقة كوصفة فاعلة من اجل الإنتقال من حال التجزئة إلي حال التفتيت
.

الثلاثاء، غشت 30، 2005

الفيديرالية: حلول للواقع أم خضوع للأمر الواقع؟

الحياة

الفيديرالية: حلول للواقع أم خضوع للأمر الواقع؟



نهلة الشهال الحياة - 21/08/05//

... ذلك أن الفارق كبير بين الوجهين. وما يرسم هذا الفارق هو تحديداً الديموقراطية. ولأن الديموقراطية (وكذلك الفيديرالية) ليست بالطبع تعاويذ سحرية، نماذج مثالية قائمة بذاتها، فإن ديموقراطية مجتمعات مخربة كمجتمعاتنا (في المشرق والمغرب) هي اليوم العودة الى التأسيس، الى تعيين عناصر التوافق الوطني. وليس المقصود به الإجماع، بل التوافق الوطني هو، وبمعنى ما، ضد – إجماع، أي اتفاق عقلاني واسع، يتبلور ببطء وبعمق، للوصول الى التحديد وصياغة المشتَرك. نحن إذاً في مرحلة انتقالية قد تكون مديدة. ولا يمكن القفز من فوق هذه المرحلة الى أنماط من الحكم يجري اقتراحها واعتمادها ثم بعدها يحدث التوافق، أو هكذا يفترض. إن تجاهل الحاجة الى مرحلة التأسيس التوافقية تلك، مهما كانت شاقة ومربكة وطويلة، والميل الى اختزالها، هو سلوك لا يقل قمعاً وقسراً عما كانت عليه الانظمة الديكتاتورية، لا تقل نتائجه خطراً عن النتائج الكارثية التي قادت اليها تلك الانظمة. والسؤال هو: هل إطار هذه العملية الأمثل هو الفيديرالية؟ هل الفيديرالية تُطلق هذه المهمة التأسيسية أم أنها تُغلقها؟ والسؤال الثاني يتعلق بمكونات هذه العملية، بالقوى الحاملة لهذه المهمة. هل التوافق الوطني هو محصلة الانتماءات العضوية، الطائفية والاثنية والعشائرية؟ هل تملك هذه الانتماءات انتاج توافق وطني؟ في لبنان، تَطَابَقَ الانتماء الطائفي مع وظائف محددة، خصوصية، ضمن نظام اقتصادي شديد الفرادة. وسار ذلك لفترة قصيرة جداً، هي فترة إزدهار النظام اللبناني، عقب نكبة فلسطين في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. قبل ذلك وبعده، النظام اللبناني مأزوم بعنف، سواء حرباً (أهلية) أو سلماً (يترنح باستمرار). يعني، ليس نموذجاً يُهتدى به، أو تشتهيه لمن تحب، كما يبدو أن الصديق صالح بشير يفعل، معتبراً بجملة واحدة ان «الطائفة، عرقية كانت أم دينية، هي الوحدة السياسية الفاعلة (...) لدى أهل منطقة الشرق الأوسط». أين؟ ما المقصود بالتعبير؟ هل هو المشرق العربي دون المغرب؟ (ولكن ماذا عن البربر؟ رغم أنهم هم أيضاً أطياف)، وهل يشمل الشرق الاوسط تركيا وإيران أيضاً؟

بعد بناء مقالته على هذا الاطلاق، يضع صالح بشير الديموقراطية بمقابل التوافق الوطني، كضدين. يرى الاولى نموذجاً يصلح في «بلدان التجانس السكاني» (أين يوجد مثل هذا التجانس التلقائي في العالم؟ في فرنسا، حيث مشكلات الباسك والكورسيكيين مطروحة بعنف بينما حدة انتماءات البروطون والالزاسيين لا تمتشق السلاح بعد، أو الآن، ناهيك عن المشكلات الاخرى المستجدة المتعلقة بالفرنسيين المسلمين الخ). وهو يرى الفيديرالية النموذج الذي قد يكون الانجع في تذليل عقبة تداول السلطة (تسلط الاقليات ولكن ايضاً استئثار الأغلبية «الديموقراطي» بالسلطة عن طريق الاقتراع). وهو يأمل ان تقيم الفيديرالية تقاسماً اساسه «الوفاق على مكونات العيش المشترك». إلا أن الافدح هو افتراض ان يكون «النصاب الديموقراطي المنشود على صعيد الكيان خلاصة تلك الممارسات الديموقراطية المحلية»! هل يعتقد صالح بشير ان الانتماء العضوي متجانس بذاته الى حد عدم الحاجة لشرح كيف انه يولّد «ممارسة ديموقراطية محلية». هل لا يوفر لنا أمثلة؟ حبذا تكون من لبنان، حيث تذابح أبناء الطائفة الواحدة اكثر مما تذابحت الطوائف فيما بينها، وكذلك الحال في كردستان العراق... حسناً. وهل نرحِّل الاقليات لنقيم مناطق تجانس تام؟ نرسل سنّة البصرة الى الفلوجة؟ وماذا عن الكلدان في الجنوب؟ نرسلهم الى الموصل؟

وكيف يا ترى نحل المشكلة المستعصية (حقاً، حقاً!) لتداول السلطة في مصر، كبرى البلدان العربية، حيث لا طوائف سوى القبط، وفي تونس، بلد صالح بشير، حيث لا طوائف على الاطلاق؟؟ وماذا يقترح الكاتب لسورية؟ هل نعود الى المدينة – الدولة القائمة في أصل تاريخها، فتستقل حلب وحمص ودمشق، وعليها يضاف إقليماً للدروز وآخر للعلويين وثالثاً للأكراد؟ فلنعد الى الجد. الفيديرالية مطروحة علناً في العراق والسودان، وعلى استحياء وإنكار في هذا البلد الجميل المتناهي الصغر المسمى لبنان، والذي يبدو ان آليات انتاج وإعادة انتاج السياسة فيه قد اصبحت حقاً على الموضة، مع الاسف حين فقدت اساسها وهو اقتصادي بالدرجة الاولى.

لست عليمة بشؤون السودان، وقد يكون الحل الفيديرالي جواباً ناجعاً على مشكلات هذا البلد المترامي الاطراف، ولمَ لا، اذا توافق السودانيون عليه توافقاً تأسيسياً وحراً حقاً. اما الفيديرالية المطروحة في العراق فقد وُلدت في سياق الاحتلال الاميركي لهذا البلد (كيف تفوت صالح بشير هذه؟)، والاحتلال أعقب عقوداً ثلاث من حكم طاغ أضعف الى أبعد الحدود حيوية المجتمع السياسية والفكرية او اقله قدرته على التعبير عن نفسه، وطابق بين السلطة والدولة بحيث عنى اسقاط الاولى حلّ الثانية.

من يطرح الفيديرالية في العراق؟ الاكراد، وكمقدمة للانفصال (وهو ما يقولونه بصراحة وفي تصريحات رسمية تعلن انتظار الفرصة المناسبة لإعلان الانفصال، ولعله حقهم، ولعله يجب دعوتهم الى ممارسته بدل اختطاف البلد بأكمله). ويطرح الفيديرالية كذلك السيد عبدالعزيز الحكيم، منصباً نفسه ناطقاً باسم الشيعة بينما يعرف أي مطلع على اوضاع العراق كم ان السيد المذكور ضئيل النفوذ بالمقارنة مع تيار السيد الصدر مثلاً الذي يرفض الفيديرالية ومعها الاقليم الشيعي. ما زالت دوافع السيد الحكيم لطرحه غامضة، يقال انها «نكاية» بالأكراد او تهديداً لهم بمثل اساليبهم كطريقة لردعهم، ويقال انها بدفع من الجار الايراني الطامع بالتسلط او أقله بإبقاء العراق مصطرعاً يشغل الاميركيين عنه...

كيف نقيل الطرح عن سياقاته هذه، ونبدأ بتفحص الفكرة مجردة، وكأن هناك أفكار مجردة يمكن نقاشها، ثم استحسانها وتطبيقها. في المطلق المجرد، يتملك كل شيء وجاهة ما، وتصبح المفاضلة بين الافكار أشبه بتنوع أذواق البشر.

أما الصديق عباس بيضون * فيعتقد أنها حرب كلمات (يا ليتها)، وهو محق لأنه شاعر (رائع). ليست الفيديرالية (أيضاً بالمطلق والمجرد) نقيضاً للعروبة، بل قد تكون مدخلاً مجسِّداً لها (إذا قُيض للعروبة يوماً ان تتجسد سياسياً). هل المطروح اليوم هو استبداد العروبة في العراق يا عباس؟ وهل يمثل عمر البشير العروبة او يقاتل دفاعاً عنها في السودان. أم انه اذا قال كان الكلام (مجدداً) هو الاصل وهو الواقع؟ ألم تحكم الانظمة باسم تحرير فلسطين، ولم تحررها، الا ان ذلك لم يكن اصلاً هو عصب كيانها.

ثم عجباً: لماذا يحق للأقليات ان تعبّر عن نفسها وتتمسك بهوياتها وانتماءاتها وخصوصياتها وطموحاتها، ويُعاب على الاغلبية الطموح الى التمتع بنفس الحقوق؟ وهل اصل المشكلة في العراق وسورية مثلاً هو استئثار الاغلبيات بالسلطة. وهل يمثل سنة العراق العروبة رغم ان الحركات القومية العربية، وكذلك اليسارية العلمانية، ولدت في حضن المناطق الشيعية وشكّل الشيعة العراقيون (اغلبية البلد) كوادرها وجمهورها الاوسع على السواء؟

من المؤكد ان واقع مجتمعاتنا يحتاج الى حلول، تُفتكر، تُطرح وتُناقش، يُختلف بشأنها ويُناضل من اجلها. اما اعتبار الخضوع للأمر الواقع، لما هو متداول ضمن الآليات المتاحة، حلاً، وفوق ذلك وعلاوة عليه، التنظير له، فلا يجدي بالتأكيد نفعاً في المصيبة التي نقف حيالها. اذ ثمة مصيبة. وهي لا تخص فحسب بشاعة ما اقترفناه بأنفسنا حتى الآن، بل تتضمن ايضاً ما يقترفه بنا الآخرون. وأولهم، وقبل أي جهة اخرى، الولايات المتحدة واسرائيل. فلنقل جدلاً – جدلاً فحسب – ان لهذه وجود وفاعلية وأهداف ومصالح ومخططات، قد لا تكون ملائمة للتصدي لمصيبتنا. هذا وغيره، يُلزمنا ان نعيد الافكار الى سياقاتها، الى لحظتها وطرفها، والى ادواتها وقواها، والى نتائجها ومؤدياتها. أليست هذه هي الواقعية؟

صالح بشير – «في ما خص هجاء الفيديرالية السائد» – الحياة – ملحق تيارات 7 آب/ أغسطس 2005.

عباس بيضون – «فيديرالية مكروهة» – السفير 3 آب 2005