sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الثلاثاء، غشت 30، 2005

ملف 1 : قراءات في الدستور العراقي

http://www.islamonline.net/Arabic/In_Depth/IraqiConstitution/index.shtml


هل أصبح تقسيم العراق أمرا واقعا بعدما اكتسب من خلال الدستور الجديد سندا قانونيا؟ أم ينجح العرب السنة في منع صدوره في استفتاء أكتوبر المقبل؟...


مشكلة العراق ليست فى الفيدرالية ذاتها، بل في المنشود من ورائها، لأنه من الوهم افتراض أن العراق كان موحدا، وأن الفيدرالية جاءت لتفككه. لذا يتوجب الكف عن الحلم بابتعاث وحدة أسطورية لم توجد فى الماضى السحيق…

أربع قضايا خلافية ومفصلية بالدستور العراقي ظهرت بقوة وستحدد صورته المستقبلية: الفيدرالية، وهوية العراق الإسلامية والعربية، وتقاسم الثروات، والفكر البعثي...













---------------------------------------------------------------------------------------------------


السنة قادرون نظريا على تعطيل إقراره.. والتقسيم الطائفي أخطر
دستور العراق يمزق العراق!

2005/08/29

محمد جمال عرفة **

الرئيس العراقي جالال الدين طالباني يعلن طرح الدستور للاستفتاء

بإصرار بعض القوى الشيعية والكردية المسيطرة على الجمعية الوطنية العراقية (البرلمان المؤقت) على صياغة مشروع الدستور العراقي بنفس مواده التي تحمل بذور تقسيم العراق خصوصا المواد الخاصة بـ"الفيدرالية"، ورفض عروبة العراق، وفي ضوء معارضة القوى السنية العربية لهذا الدستور، سيكون على الجميع الاحتكام إلى استفتاء منتصف أكتوبر المقبل سيحدد المنتصر النهائي.

وخطورة هذا الصدام الذي نشب بين الطرفين الكردي والشيعي من جهة، والسنة العرب من جهة أخرى، لا تتمثل فقط في الخلاف حول بعض بنود الدستور وإصرار الطرفين الشيعي والكردي على رفض مطالب السنة بعدم النص على الفيدرالية بوجه خاص، ولكنها تتمثل في سؤال آخر عن سر هذا الإصرار على الفيدرالية وعدم الوصول لاتفاق جماعي، رغم أن الشيعة والأكراد يدركون أن هناك سلاحا في يد السنة العرب لإيقاف إقرار الدستور، هو سلاح "الفيتو"؟.

فإحدى مواد قانون إدارة الدولة المؤقت في العراق المسمى "قانون بريمر" -الحاكم العسكري الأمريكي السابق- تنص على أنه إذا صوت ثلثا الناخبين في ثلاث محافظات من بين 18 محافظة عراقية ضد الدستور في استفتاء أكتوبر المقبل، فلن يمكن إقراره، وستتم الدعوة مجددا لانتخاب برلمان مؤقت (جمعية وطنية) جديدة تتولى إعداد دستور جديد، واختيار حكومة جديدة.

وإذا علمنا أن هناك حوالي سبع محافظات عراقية ذات غالبية سنية (من 18 محافظة)، فسيتضح أن مسألة رفض الدستور نظريا محسومة، خاصة أن هناك حملة ساخنة من جانب القوى السياسية السنية، مثل هيئة علماء المسلمين لحث السنة على المشاركة بقوة في الاستفتاء القادم لرفض الدستور والحفاظ على وحدة العراق، فلماذا غامر الشيعة والأكراد بتجاهل مطالب السنة وتعطيل العملية السياسية في العراق، والعودة مرة أخرى إلى مرحلة كتابة دستور جديد وهم يعلمون أن السنة سيرفضون الدستور الحالي؟.

ومن الواضح أن هناك تفسيرين لذلك، الأول: ربما يكون توقع قادة الفصائل الشيعية والكردية استمرار عزوف السنة العرب عن التصويت في الانتخابات كما حدث في الانتخابات السابقة، يضاف إليه نوع من التجاهل لهم واعتبار ألا تأثير حقيقيا لهم في الساحة ولهذا غامروا بتجاهل مطالب السنة وأصروا على الدستور بوضعه الحالي.

أما التفسير الثاني الأخطر -كما تقول مصادر سنية عراقية- فربما يتمثل في التلاعب في نتائج استفتاء منتصف أكتوبر بالتعاون مع قوات الاحتلال، سواء بالقيام بحملة اعتقالات وقتل انتقامية عبر بعض التنظيمات والميليشيات الشيعية والكردية وتفريغ المحافظات السنية من سكانها، والتزوير على نطاق واسع لنتائج الاستفتاء.

وقد ألمح لهذا حسين الفلوجى عضو البرلمان السني عندما قال لرويترز: "إذا لم يحدث تلاعب في النتائج فأعتقد أن الشعب سيقول لا للدستور الأمريكي"، مشيرا إلى الاستفتاء المتوقع إجراؤه في أكتوبر.

فزاعة البعث

القيادي السني صالح المطلك - يسارا

والمشكلة أن بعض القيادات الشيعية والكردية -وليست كل القيادات بدليل معارضة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر- تروج لمخاوف بأن يعود حكم البعث وسيطرة السنة مرة أخرى، وترى بالتالي أن الحل يكمن في فيدرالية شيعية في الجنوب وأخرى كردية في الشمال يتوافر لهما الأساس القانوني (حق الإقليم في رفض تنفيذ قرارات المركز) والمعيشي (تقسيم الثروات)، غير أن هذا يعني على الأرض انفصال كل منهما فعليا بدولة مستقلة حتى لو لم ينص الدستور صراحة على ذلك.

وكان المراهنون على وحدة العراق يعولون على طرح فكرة الفيدرالية في الشمال الكردي فقط المنفصل عمليا عن العراق منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، ولكن يبدو أن المناقشات حول الدستور العراقي، إضافة إلى تسرب أنباء عن رغبة واشنطن في انسحاب مبكر من العراق للخلاص من دوامة القتل التي تطال جنودها كل يوم، وتعاظم قوة المقاومة العراقية -كل ذلك أدى للإفصاح أكثر عن نوايا الانفصال، ليس فقط بالأرض والثروة (النفط)، ولكن أيضا الانفصال عن العالم العربي.

بل إن الأمر لم يتوقف على ذلك، فقد زادت دعاوى الانفصال مؤخرا، وأصبحت أكثر وضوحا وصراحة تحت شعار الفيدرالية أو الحكم الذاتي، بعدما بدأت مجموعات عرقية أخرى -بجانب الشيعة والأكراد- تطالب وسط كل هذه الأجواء بالحكم الذاتي الكامل، مثل الآشوريين العراقيين المسيحيين، وغيرهم، وأطلق كل فريق محطات تلفزيونية خاصة وفضائيات تروج للفيدرالية بطرق ودعاوى شتى وتعتبرها أمرا واقعا!.

حيث طالب المؤتمر الآشوري العام (الآشوريون مسيحيون يتحدثون الآرامية) الذي عقد في المدة من 5 - 7 أغسطس 2005م بفيدرالية آشورية في سهل نينوى وسائر مناطق وجود الآشوريين بدعوى أن تعدادهم قرابة مليون إلى مليون ونصف، كما دعا إلى "حق العودة للمهجرين الآشوريين إلى قراهم ومساكنهم التي تركوها، وإدراج رمز آشوري تاريخي في العلم العراقي الجديد".

أيضا دعا الأكراد الفيليون (وهم أكراد شيعة ينتشرون جنوب مدينة السليمانية مرورا بكركوك ومحافظة ديالي شمال العراق) بالاعتراف بحقوقهم، فيما طالب "الشبك" (وهم جماعة تضم في صفوفها خليطا من قوميات عربية وكردية وتركمانية) بالحفاظ على حقوقهم في الدستور الجديد، وعدم فرض الانتماء إلى القومية العربية عليهم، أو الكردية.

ومنذ عام 1992م، والأكراد يطالبون بجعل العراق دولة فيدرالية (اتحادية) توفر لهم أكبر قدر من الحكم الذاتي لمحافظات الشمال التي ظلت تتمتع عمليا باستقلالية كاملة عن السلطة المركزية في بغداد منذ 1991م. وكان من الممكن، بدلا من توسيع دائرة الفيدرالية الانفصالية بهذا الشكل، استرضاء أو احتواء المطالب الكردية خاصة بعد تعيين كردي (جلال الدين طالباني) رئيسا لكل العراق، بيد أن الزعيم الشيعي عبد العزيز الحكيم أجج مشاعر العرب السنة وغيرهم بالدعوة إلى إنشاء كيان وحكومة فيدرالية في المحافظات الوسطى والجنوبية التسع ذات الأغلبية الشيعية، ما يعني تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات طائفية هي: كيان شيعي في الوسط والجنوب، وعربي سني في الغرب، وكردي في الشمال.

ولأن ممثلي السنة العرب الذين كانوا القوة المهيمنة في عهد (الرئيس السابق) صدام حسين، وكذلك ممثلو بعض الأقليات الأخرى والشيعة العلمانيون يعارضون فكرة صياغة دستور يسمح للشيعة في الجنوب بنوع من الحكم الذاتي الذي يتمتع به فعليا الأكراد في الشمال حاليا، فقد كان من الطبيعي أن تصدمهم هذه التوجهات الانفصالية ويرفضون الموافقة على مشروع الدستور الذي قرر الرئيس جلال طالباني الأحد 28-8-2005 طرحه للاستفتاء.

حيث قال صالح المطلك العضو السني في مجلس الحوار الوطني معلقا على مطالبة الشيعة بإقليم فيدرالي في الجنوب: "نتمنى ألا يأتي هذا اليوم. نحن نعتقد أن العرب في العراق بسنتهم وشيعتهم هم كيان واحد؛ لذلك فإن أي محاولة لإثارة موضوع طائفي لتقسيم العراق موضوع مرفوض كليا"، فيما قال عبد الكريم هاني الناطق الرسمي باسم المؤتمر التأسيسي العراقي المعارض: "إن هذا الطرح للأسف يؤدي إلى تمزيق العراق عرقيا وطائفيا ولا يخدم مصلحة البلد إطلاقا".

لكن رد الفعل السني قوبل بهجوم مفاده أن العرب السنة يخشون أن تنفصل المناطق الكردية والشيعية في الشمال والجنوب الغنيين بالنفط، ويتحول السنة العرب في الوسط إلى فقراء ولهذا يطالبون هم فقط بالوحدة!.

وظهرت خطورة الانفصال وتقسيم العراق بشكل فعلي عندما جرى النص على أن تتكون الأقاليم من محافظة أو أكثر ويحق لإقليمين أو أكثر أن ينتظموا في إقليم واحد بناء على طلب بالاستفتاء عليه يقدم بإحدى الطريقتين: طلب من ثلث أعضاء كل مجلس من مجالس المحافظات التي ترى تكوين الإقليم، أو طلب من عُشر الناخبين في المحافظات التي تريد تكوين الإقليم؛ ما يعني وضع بذور الانفصال داخل الدستور.

وقد حاولت الحكومة العراقية برئاسة زعيم حزب الدعوة إبراهيم الجعفري إقناع السنة العرب ببعض المكاسب لحثهم على الموافقة على مشروع الدستور، مثل الإيعاز لجيش الاحتلال الأمريكي بالإفراج عن 1000 معتقل سني من سجن أبو غريب استجابة لمطالب العرب السنة الذين يشعرون باستياء بالغ لطول فترة الاحتجاز دون توجيه اتهامات، بيد أن خطر الانفصال والتقسيم الواضح في الدستور كان سببا مباشرا لرفض السنة للدستور.

صبغة طائفية للهوية الإسلامية!

وإذا كانت قضية الفيدرالية تنذر بعواقب وخيمة على وحدة أراضي العراق، فإن هناك بنودا أخرى في الدستور تمس هويته الدينية والقومية، في مقدمتها عدم النص صراحة على أن الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع، ويبدو أن الائتلاف العراقي الموحد الذي يشكل غالبية في البرلمان الذي طالب بذلك في البداية على لسان مرجعيته آية الله العظمى علي السيستاني، رضخ لتحفظ الحزبين الكرديين الرئيسيين العلمانيين على ذلك، وحصل في المقابل على بند يكرس عمليا الطائفية، حيث إنه يصبغ الهوية الإسلامية بصبغة شيعية من خلال النص على أن للمرجعية الدينية "مقامها الإرشادي".

ووصل الأمر بمسعود بارزانى (رئيس إقليم كردستان العراق) للقول: "إن أكراد العراق لن يقبلوا بفرض هوية إسلامية على العراق"، كما رفض الدعوات التي تطالب بأن يكون العراق بالكامل جزءا من الأمة العربية، معتبرا أن ذلك من حقوق الأكراد التي "لا مساومة عليها".

وقال: "ليكن الجزء العربي من العراق جزءا من الأمة العربية، ولكننا لسنا جزءا من الأمة العربية" ليفرض الأكراد رأيهم ويتم النص في الدستور على أن "الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية"، بما يعني استبعاد عروبة باقي أرض العراق في الشمال والجنوب!.

أيضا طالب الأكراد العلمانيون بنسبة 35% من العائدات النفطية فيما دعا الشيعة إلى توزيع العائدات على أساس عدد السكان في كل محافظة، وطلب الأكراد جعل العربية والكردية لغتين رسميتين للعراق وهو ما أقره الدستور.

كذلك كان النص على أن جزءا من العراق (أي أرض السنة العرب) -وليس كل الأرض- ينتمي للعالم العربي ضوءا أحمرَ أشد خطرا لدرجة أن عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية طلب تفسيرا عاجلا من الحكومة العراقية حول هذا النص "الذي سبب الكثير من عدم الارتياح والقلق لدينا"، على حد قوله.

فالعراق عضو مؤسس في الجامعة العربية، وهذا النص في الدستور يعني أن العراق لم يعد دولة عربية وأنه غير هويته إلى "فيدرالية" تضم العرب والتركمان والأكراد والشيعة وغيرهم ولم يعد له علاقة بالعالم العربي.

فهل أصبح التقسيم واقعا، ويتحول في الدستور الجديد إلى أمر قانوني، بعدما جرى تنفيذه على الأرض بنشاط كبير منذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق؟ أم ينجح العرب السنة في تعطيل صدور الدستور الانفصالي في استفتاء أكتوبر المقبل؟.



**محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين.نت


-------------------------------------------------------------------


خلافات الدستور العراقي.. قضايا مفصلية

2005/08/28

إبراهيم غالي* ومازن غازي**



أثارت الخلافات الجوهرية حول بعض القضايا العالقة في مسودة الدستور العراقي جدلا كبيرا بي أطراف المعادلة العراقية الثلاثة (الائتلاف الشيعي الحاكم، والسنة العرب، والأكراد).

وشهدت الأسابيع الماضية صراعا مع الزمن من أجل التوصل إلى توافق ثلاثي حول بنود الدستور المقترح صاحبه صراع سياسي آخر حول هذه القضايا.

على رأس هذه النقاط الخلافية تقع مسائل (الفيدرالية، وهوية العراق الإسلامية والعربية وعلاقة الدين بالدولة، وتقاسم الثروات، ووضع البعثيين) باعتبارها المفاصل الأساسية التي ستحدد صورة العراق المستقبلية.

وفيما يلي عرض لهذه القضايا الخلافية وموقف الأطراف المعنية منها:

الفيدرالية

نصَّ التعديل الأخير لمسودة الدستور -الذي يؤكد السنة أنهم غيبوا عمليا عن المشاركة في إعداده، والذي تناقلته وسائل الإعلام يوم 24 أغسطس- على أن "يتكون النظام الاتحادي في الجمهورية العراقية من العاصمة وأقاليم محافظات مركزية وإدارات محلية. وتتكون الأقاليم من محافظة أو أكثر، ويحق لإقليمين أو أكثر أن ينتظموا في إقليم واحد بناء على طلب بالاستفتاء".

ويرفض السنة مبدأ قيام "الفيدرالية" في كل أنحاء العراق، لأن ذلك "سيكرس الطائفية ويقسم العراق مستقبلا إلى ثلاثة أجزاء" حسب خطوط العرض.

ويرى المفاوضون السنة ضرورة منح الشمال الكردي فقط (ثلاث محافظات) وضعا فيدراليا كاملا مع حكومات لامركزية للمحافظات الـ15 الأخرى. أي أن العرب السنة يقفون بقوة ضد سعي بعض الشيعة لإقامة إقليم فيدرالي أو أكثر في جنوب العراق ووسطه كما طالب "عبد العزيز الحكيم" -رئيس كتلة الائتلاف العراقي الموحد الشيعي ورئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق- أسوة بمطلب الأكراد بتحقيق الفيدرالية في أنحاء العراق كله، إذ يرغب الأكراد في جعل العراق دولة فيدرالية حسبما اختار برلمان كردستان "أن الفيدرالية هي نوع العلاقة مع الدولة العراقية".

بناء على هذا الموقف السني أعلن "صالح المطلك" أحد المفاوضين السنة يوم 27 أغسطس للمرة الأولى منذ البدء في إعداد مسودة الدستور العراقي عن تقديم اقتراح سني مقابل للاقتراح الكردي والشيعي حول مسودة الدستور. هذا الاقتراح السني يرفض الفيدرالية لغير الأكراد، ويرفض كلمة الأقاليم أينما وردت في مسودة الدستور، أي رفض قيام أي إقليم آخر غير إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1970، حيث جاء في المقترح: "نريد عاصمة (واحدة) وإقليما (واحدا) ومحافظات لا مركزية وإدارة محلية".

وكان المفاوضون الشيعة -بعد تدخل من الرئيس الأمريكي "بوش"- قد قدموا يوم 25 أغسطس الجاري "صيغة أخيرة للدستور" إلى السنة تتضمن ما يعتبرونه تنازلات بحيث يتم تثبيت الفقرة التي تنص على الفيدرالية، على أن يؤجل البحث في آلية تطبيقها ليناقشها البرلمان المقبل بعد الانتخابات المقررة نهاية العام الجاري.

بيد أن "المطلك" أعلن أن "السنة لن يقبلوا أي ذكر للفيدرالية في الدستور عدا النص المتعلق بالأكراد"، قائلا "يمكننا أن نتساهل في أي موضوع إلا موضوع الفيدرالية التي تجزئ البلد.. مشروعنا وطني وقرارنا وطني ولا يحق لأي منطقة أن تنفصل عن باقي أجزاء العراق بقرار".

كما ذكر العضو العربي السني في لجنة صياغة الدستور "سعدون الزبيدي" أن "السنة يرفضون التعديلات إذا كانت تتطرق فقط إلى الآلية وليس إلى مبدأ الفيدرالية ذاته".

وتبنت قوى شيعية أخرى مثل تيار مقتدى الصدر مواقف أقرب لتأييد المطلب السني بنبذ الفيدرالية، فضلا عن القوى الليبرالية العراقية والعلمانيين وممثلي بعض الأقليات الأخرى، بل إن وسائل إعلام أمريكية بدأت تتحدث عن تخوف واشنطن كذلك من أن يكون هدف الائتلاف الشيعي هو دعم النفوذ الإيراني.

الأمر الأكثر خطورة هنا يتمثل في إمكانية نشوء نزاع شيعي-سني عميق حول مسألة الفيدرالية في الأيام القليلة القادمة، حتى وإن وافقت الجمعية الوطنية على مسودة الدستور بشكلها الراهن، فقائمة الائتلاف الشيعي ترى أنها قدمت الحد الأقصى من "التنازلات"، حيث قال "جواد المالكي" -القيادي البارز في حزب "الدعوة" بالائتلاف الموحد وعضو لجنة كتابة الدستور عن قائمة الائتلاف الشيعي- بأن العرب السنة يريدون تحييد الفيدرالية بقيود تمنع تحققها وهو ما لا يمكن الموافقة عليه، مؤكدا أن "صيغتنا النهائية هي رفع أي قيود تحول دون تحقيق الفيدرالية".

وفى مقابل هذا الموقف الشيعي يرفض السنة قطعيا الفقرة التي تنص على ما يلي: "تتكون الأقاليم من محافظة أو أكثر ويحق لإقليمين أو أكثر أن ينتظموا في إقليم واحد بناء على طلب بالاستفتاء عليه يقدم بإحدى الطريقتين: أولاً: طلب من ثلث أعضاء كل مجلس من مجالس المحافظات التي ترى تكوين الإقليم. ثانيًا: طلب من عُشر الناخبين في المحافظات التي تريد تكوين الإقليم.

ويضع المؤتمر العام لأهل السنة (يضم قوى سنية عربية) بديلا لهذا النص شروطا ثلاثة للقبول بمبدأ الفيدرالية حال تمسك بعض الأطراف بها. هذه الشروط هي الحصول على ثلثي أصوات أعضاء مجلس المحافظة وثلثي المصوتين في المحافظة المؤيدة للفيدرالية وموافقة ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية العراقية، مبررين ذلك بأن البلاد لا تزال بحاجة إلى نوع من المركزية لغرض السيطرة عليها.

أما بالنسبة لمدينة كركوك المتنازع عليها فإن الأكراد يريدون تطبيق المادة 58 من قانون إدارة الدولة والتي تنص على تطبيع الأوضاع في كركوك بإعادة الأكراد والتركمان وغيرهم ممن هجّرهم نظام صدام حسين عنوة وصادر ممتلكاتهم وأسكن بدلهم عربا استقدموا من الجنوب والوسط في إطار عملية التعريب التي شملت مناطق أخرى من كردستان العراق، لكن الشيعة وبعض السنة يرفضون هذا المطلب، وقد تم الاتفاق على أن ترحل مسألة "كركوك" إلى البرلمان المقرر أن ينتخب عقب إقرار الدستور.

هوية العراق

تعد قضية هوية العراق -بما يعنيه ذلك من إسلاميته وعروبته، وعلاقة الدين بالدولة واللغات الرسمية المعتمدة به- من القضايا الشائكة ليس على مستوى الداخل العراقي فقط بل على صعيد الدول العربية أيضا التي لا تود أن ترى العراق يوما وهو ينسلخ عن جسده وهويته العروبية.

فقد نص الدستور المقترح على أن "العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية".

ويثير إقرار دستور يقسم العراق ضمنيا إلى شعوب مختلفة مخاوف السنة أكثر من غيرهم، فإقرار الفيدرالية في شمال العراق هو اعتراف من السنة والشيعة بهوية الأكراد وقوميتهم، أما التمييز بنص دستوري صريح يقسم العراق إلى شعوب مختلفة فهو يفتح الباب أمام نزعات انفصالية لا يزال بعض الأكراد يلوح بها. ورغم خطورة هذا الأمر فإنه لم يحدث جدل شيعي-سني جدي حول الهوية العربية للدولة العراقية.

ولم يكن عجيبا مع ورود مثل هذا النص أن تخرج بعض الدول العربية عن صمتها إزاء صياغة الدستور العراقي، حيث دعا الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي "عبد الرحمن العطية" العراقيين في الهيئات الرسمية والجمعية الوطنية ولجنة صياغة الدستور إلى إعادة النظر في هذا «النص الكارثي» حفاظاً على وحدة العراق أرضاً وشعباً، وعلى دوره كدولة ذات انتماء عربي وإسلامي، كما اعتبر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى "ما ورد في مشروع الدستور عن عروبة العراق خطيرا للغاية".

وما يختص بالدين الإسلامي ودوره التشريعي فقد نص الدستور المقترح على أن "الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساسي للتشريع، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام. كما لا يجوز سن أي قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية". كما نص أيضا على أن "اللغات العربية والكردية هما اللغتان الرسميتان للعراق".

وهذان الأمران يرفضهما السنة، فقد انتقد "غازي الياور" نائب رئيس جمهورية العراق مسودة الدستور العراقي، واعتبر أن أي نص يمس وحدة العراق لا يعارضه العرب السنة فقط، وإنما الوطنيون من أبناء العراق بمن فيهم العرب الشيعة.

وقد طالب الاقتراح السني الأخير بأن يكون الإسلام دين الدولة الرسمي والمصدر الرسمي للتشريع، وبأن يكون العراق جزءا من العالمين العربي والإسلامي، وأن تكون اللغة الكردية لغة رسمية في إقليم كردستان فقط. وبالمقابل، فقد رأى قادة الائتلاف الشيعي في هذا النص السابق ما يثبت الدين الإسلامي كمصدر للتشريع، بعد أن كان الائتلاف يصر سابقا -عند وضع مجلس الحكم الانتقالي (2003 ـ 2004) قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية- على أن يكون الإسلام المصدر الوحيد للتشريع، في حين يقف تيار الصدر موقفا مشابها لموقف السنة من هاتين القضيتين.

وتكمن مشكلة هذا النص، كما رأت قيادات سنية عربية، في ذاك التناقض القائم بين سن قوانين لا تتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام وأيضا لا تتعارض مع مبادئ الديمقراطية، مع ملاحظة أن ذلك سيفتح بابا للخلافات المقبلة بشأن تطبيق العديد من الأحكام الإسلامية -كالإعدام مثلا- التي تعدها الجهات الغربية مخالفة لمبادئ الديمقراطية، إضافة إلى قضايا أخرى تختص بحقوق الإنسان والمرأة...إلخ.

تقاسم الثروات

يقترن اشتعال الجدل حول تطبيق الفيدرالية في العراق بجدل مماثل حول تقسيم الثروات، فالأكراد قد طالبوا أثناء إعداد مسودة الدستور بتقاسم الثروات -الموارد النفطية تمثل 97% من موارد البلاد- بين الحكومة المركزية والأقاليم لتحقيق العدالة في توزيع هذه الثروات، بما يعنى استحواذ الأقاليم على 50% من الثروة وتقسيم النصف الباقي.

أما العرب السنة فيرون أن الثروات ملك للشعب، ويجب أن تكون بيد الحكومة المركزية وتقوم هي بدورها بتوزيعها حسب النسب السكانية وحاجة المناطق. بينما يصر الائتلاف الشيعي على إعطاء جميع المحافظات نسبة عادلة من الثروات، وعدم قبول اعتماد نسب دون أخرى من النفط إلى هذه المحافظة أو تلك.

ورغم أن الدستور المقترح قد نص على "قيام الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد"، برغم هذا فإن تعبير "الحقول الحالية" يجعل مسألة الثروات التي لم يتم استخراجها وما سيتم اكتشافه فيما بعد قضية قابلة لإثارة الخلافات لأنه لم يتم تعريف الثروات والثروات غير المستخرجة.

بل إن النص بتحديد حصة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منه بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، يضع الشك لدى السنة العرب في إمكانية توزيع الثروات بشكل عادل لأنه لم يذكر معدل هذه النسبة من الثروة، وتخشى بعض المناطق السنية الفقيرة من تهميشها اجتماعيا واقتصاديا.

أيضا يرفض السنة ما نص عليه من أن "تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الإقليم والمحافظات المنتجة معًا برسم السياسة الإستراتيجية اللازمة لتطويرها ثروة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة على أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار" لأن في هذا النص تكريس للفيدرالية التي يرفض السنة تطبيقها على كافة أنحاء العراق.

ومن ثم، فإن أكثر ما يعارضه السنة في مسودة الدستور هو إقامة نظام اتحادي يعطي الشيعة والأكراد بعض السيطرة على موارد النفط في الشمال والجنوب. ولذا يسعى السنة لإقامة حكومة مركزية قوية تحكم سيطرتها على الموارد الطبيعية في المنطقتين.

حظر الفكر البعثي

ثمة خلاف جوهري آخر يتركز حول النص التالي: "حظر أي فكر كان يتبنى العنصرية والتكفير والإرهاب (أو يحرض أو يمجد أو يمهد أو يروج له) بخاصة البعث الصدّامي ولا يجوز أن يكون ذلك جزءاً من التعددية السياسية في الدولة".

ويرغب "جواد المالكي" -الرجل الثاني في «حزب الدعوة الإسلامية» الذي يتزعمه رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، وعضو لجنة كتابة الدستور عن قائمة الائتلاف الشيعي- في تضمين الدستور كل القيود التي تمنع ظهور حزب البعث مجدداً وملاحقة رموزه الذين ارتكبوا جرائم بحق أبناء الشعب العراقي.

كما ذكر عضو لجنة كتابة الدستور علي الأديب (القائمة الشيعية) أن الحكيم أبلغ "بوش" بأن "الائتلاف الشيعي يتألف من مجموعات عدة يمكن أن ترفض مسودة الدستور إذا حذفت الفقرة المتعلقة بحزب البعث".

أما العرب السنة، فهم لا يريدون ذكر أسماء أي أحزاب في مسودة الدستور، بل الاقتصار فقط على ذكر الفقرة المتعلقة بحظر نشاط أي فكر يتبنى العنصرية والطائفية.

وبالنظر إلى ما عناه الأكراد والشيعة من مظالم خلال حكم "صدام حسين"، فمن الطبيعي أن يتمسكوا باجتثاث الفكر البعثي، إلا أن السنة يرون أن قانون إدارة الدولة المؤقت قد اجتث البعث عمليا ولا حاجة لتكراره في الدستور بل تكفي فترة العمل بذلك حتى سريان الدستور الجديد.

لا شك أن هذه القضايا السابقة تحدد شكل العراق القادم وهويته والأطراف الفاعلة في إدارة الدولة العراقية. بيد أن الأمر الهام هنا هو: متى ينتقل العراقيون بكل أطيافهم من البحث عن المصالح الطائفية العاجلة إلى مصالح الدولة العراقية الآنية؟ وهل تتغلب الأطراف على القول بتقديم "التنازلات"، في مقابل البحث عن حلول عملية تقود لتوافق حقيقي بعيدا عن محاولة تنفيذ ما ينسخ من مواد الدستور في أربيل أو في النجف أو ما يكتب منها في بغداد؟.


* محرر الشئون السياسية بإسلام أون لاين نت

**مراسل إسلام أون لاين نت في بغداد

-------------------------------------------------------------------


الفيدرالية..هل تهدد فعلا وحدة العراق؟*

2005/08/29

صالح بشير**

رئيس لجنة صياغة الدستور العراقى همام حمودى

بعض المتخوفين على وحدة العراق محق في توجساته تلك. وهي توجسات تغذت كثيرًا من الجدل الذي أثير حول إعداد مسودة الدستور الجديد، خصوصًا بين الضالعين في تلك المهمة، دون أن يستوي، دومًا وفي كل الحالات، نموذجًا راقيًا عن التداول الديمقراطي والمسئول في شأن حيوي كذاك.

فالسجال اتخذ في بعض الأحيان منحى مماحكات ومساومات تجّار السجاد، لا ذلك الفعل التأسيسي الذي يزعم لنفسه اجتراح التاريخ، فبدا بعض الأطراف بمظهر الحريص على مصالح الطائفة أو "الملَّة" (بالمعنى العثماني) أكثر من حرصه على وحدة الكيان الجامع، أو كمن يسعى، شأن الأكراد، إلى تكريس حالة شبه انفصالية، قامت في ظروف استثنائية وعلى نحو أحادي الجانب، أي من غير توافق، فيناقش انطلاقًا من مبدأ الحفاظ على "مكاسبه" أمرًا واقعًا، في حين كان هاجس الشيعة تأكيد الأرجحية السياسية التي ظفروا بها بعد سقوط نظام صدام حسين، واستسهلوا التوافقات الجانبية يعقدونها مع الطرف الكردي، على أساس الندية في القوة أو ما كان من قبيل ذلك، ومالوا إلى الاستهانة بالفئات الأخرى، على ما اشتكى ممثلو السنَّة في لجنة الصياغة الذين ردوا برفض مبدأ الفيدرالية، فأوقعوا معلقين (غربيين) في حيرة من أمرهم: إذ لم يفهم هؤلاء كيف ترفض أقلية مثل ذلك النظام مع أنه الكفيل بحماية حقوقها، وربما عزّوا النفس بأن في الشرق ألغازًا لا قبل لـ"عقلانيتهم" بفهمها.

الفيدرالية ليست المشكلة

وقد تجسّدت كل تلك المخاوف، وهي كما قلنا محقة، وانحصرت في كلمة واحدة تقريبًا: الفيدرالية وشرورها المحدقة. لسنا نريد العودة، في هذا المجال، إلى الخوض في الموضوع. كل ما نريد قوله إن الفيدرالية ليست المشكلة في حد ذاتها، على عكس ما يوحي نثر عربي غزير، بل إنها قد تكون أقل الحلول سوءاً في بعض الحالات. أما المشكلة ففي طريقة توسّلها وفي المنشود من ورائها: فإذا ما انخرط كيان من الكيانات في ديناميكية انقسام وتفتت جارفة، على ما يبدو أنه الحال في العراق مع الأسف، فإن الديناميكية تلك، إذا لم يُصر إلى إيقافها، قد لا تتورع عن التذرع، بانتهازية فائقة، بأي شيء... بالفيدرالية كما بالانتخابات الديمقراطية، على ما دل الاقتراع العراقي الأخير إياه، ذلك الذي اكتسب صبغة طائفية لا جدال فيها، مع أن بلاد الرافدين دائرة انتخابية واحدة!.

قسرية الوحدة

غير أن الأمر لا يتوقف عند بُعده الظاهري هذا، بل يعود إلى المنطق الماثل، ضمنًا أو جهرًا، وراء هذا الموقف، وهو القائم على مسلمة أن الوحدة (وحدة "الأمة" ووحدة كياناتها) طبيعية وأن التجزئة شذوذ، وأن الأولى أصل والثانية خيانة لذلك الأصل وتشويه له. وهذا والحق يُقال كلام أيديولوجيا، قد تكون له جدواه التعبوية، لكنه يولِّد أوهامًا. ومن بين تلك الأوهام، ذلك القائل بأن العراق كان كيانًا موحدًا، حتى جاءت الفيدرالية لتهدد تماسكه المفترض. في حين أن الأمر ليس كذلك، وأن الوحدة تلك، متى وجدت، كانت قسرية، تتستر بالعنف على واقع الانقسام دون أن تلغيه، وأن التمايزين الكردي والشيعي، لم يخترعهما الاحتلال الأمريكي وإن سعى إلى استغلالهما أو إلى استغلال أحدهما. وما يُقال على العراق يصح على كيانات عربية كثيرة. حتى اتفاقات سايكس - بيكو، لم تعمد إلى تجزئة كيان سياسي قائم ومعترف به، بل تمثلت في اقتسام ولايات عثمانية سابقة بين قوتين استعماريتين منتصرتين، حتى أفل نجمهما.

هناك بلد عربي واحد تعرض إلى التقسيم، بصفته كيانًا سياسيًّا قائم الذات، هو المغرب الذي ظل طوال تاريخه مستقلاًّ عن الخلافة العثمانية، وتمت تجزئته على يد المستعمرين، فاستحوذت إسبانيا على شماله وعلى الصحراء الغربية، وأخذت فرنسا الباقي، واقتطعت منه موريتانيا وأجزاء شاسعة من أراضيه شرقًا ألحقتْها بمستعمرتها الجزائرية. والمفارقة أن نُخب ذلك البلد الذي كابد، على نحو فعلي، صدمة التجزئة أكثر من أي بلد آخر، أقل الناس عويلاً وتباكيًا على الوحدة الضائعة!.

أما السواد الأعظم من الكيانات الأخرى في المنطقة، فقد اصطنعت وحدتها اصطناعًا، بواسطة سلطة مركزية قاسية ومجحفة في أحيان كثيرة، كما سبقت الإشارة، وبواسطة وعاء خارجي، هي حدودها الدولية، مجال سيادتها، حسب معايير السيادة التي كانت سارية خلال الحرب الباردة والتي ما عادت القوة العظمى الوحيدة، خصوصًا في هذا العهد البوشي المتطرف، تقيم لها وزنًا. وهذا مع عدم نكران أن التاريخ الكياني قد أوجد، داخل بلدان المنطقة منذ استقلالها، روابط بين سكانها قد لا ترقى إلى مرتبة الهوية الوطنية لكن لا مجال، من وجه آخر، إلى التهوين من شأنها.

لذلك، ربما توجب الكفّ عن الحلم بابتعاث وحدة أسطورية، إن على صعيد الكيان وإن على صعيد الأمة، لم يسبق لها أن وُجدت أو هي تعود إلى ماضٍ غائر سحيق، والنظر إلى الوحدة، كيانية كانت أم عربية (إن أرادت شعوب المنطقة ذلك) على أنها أفق مستقبلي، تستقي شرعيتها من المستقبل لا من ماض مفترض، وأنها يجب أن تُخترع اختراعًا، بأدوات من قبيل الفيدرالية أو سواها، لا أن تُرمّم أو أن "تُستعاد".

الإقرار بالواقع التعددي

وفي هذا الصدد تشكل التجربة العراقية مثالاً على ما يجب فعله وعلى ما يتعين تجنبه: الإقرار بواقع التعدد الإثني والطائفي، مهما كان كريها، وتنادي ممثليه إلى التداول حول وسائل وآليات تعايشهم ضمن كيان جامع من جهة، ومن جهة أخرى التحلي بما يكفي من نضج حتى لا يبلغ الحرص على التمايز مبلغ التفتت والاحتراب الأهلي. مع الاعتراف بعسر تلك المهمة في ظل احتلال أمريكي، يتسرع التوصل إلى نتائج بعينها سلفًا، لدوافع واهية العلاقة بالعراق وبمستقبل أبنائه.

ومثل تلك المهمة إما أن تجري طوعًا، حيث لا يزال ذلك ممكنًا، وإما أن تتحقق بقسر خارجي، كذلك الذي تمثل حال العراق إنذارًا به بليغًا.



* مقال نشر بجريدة الحياة تحت عنوان كيف نقرّ بالواقع المجزّأ، فلا "نسلقه" بالوحدة المتوهّمة؟ عدد 28/8/2005.

** كاتب ومحلل سياسي.


------------------------------------------------


خبير قانوني: مسودة دستور العراق ضد عروبته

أحمد فتحي– إسلام أون لاين.نت/ 28-8-2005

الخبير القانوني المصري الدكتور عبد الله الأشعل

اعتبر خبير في القانون الدولي أن وثيقة الدستور العراقي الجديد "إعلان صريح بانتهاء العراق كدولة عربية تمهيدا لسلخها عن مجتمعها العربي ومظلتها المتمثلة في جامعة الدول العربية"، مشيرا إلى أن نص الدستور يجعل العرب داخل العراق "مجرد أقلية"، ورأى أن ذلك يحقق هدف إسرائيل والولايات المتحدة في "تمزيق وحدة العراق والقضاء على هويتها العربية".

وتنص مسودة الدستور المقترح على أن "العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية".

وهذا البند أحد بنود كثيرة يتحفظ عليها العرب السنة في لجنة كتابة الدستور، ويطالبون بأن ينص على أن يكون العراق جزءا من العالمين العربي والإسلامي.

وفي تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت" اليوم الأحد 28-8-2005 قال الدكتور عبد الله الأشعل -خبير القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصرية الأسبق-: إن "النص الوارد في مسودة الدستور يجعل العراق ككل ليس جزءا من محيطه العربي، وقصر ذلك على الشعب العربي فيه".

وتساءل الأشعل: "هل يرضى العالم العربي أن يتخلى عن قلبه ودرته؟ وهل يرضى أن تقوم بالعراق دولتان كردية وأخرى شيعية غير عربية كجزء من الوجود الشيعي في المنطقة الذي يقوم على أساس معاداة العرب؟!".

وطالب الأشعل العالم العربي بضرورة أن "يتخلى عن حذره غير المبرر تجاه العراق، ويعلن موقفا موحدا من الدستور، وألا يترك مصير العراق في يد فئة غير مسئولة.. فالعراق دولة عربية وإسلامية، ويجب أن تعود كذلك".

"خطير للغاية"

وفي سياق متصل، طالب عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية تفسيرا عاجلا من الحكومة العراقية حول النص "الذي سبب الكثير من عدم الارتياح والقلق لدينا".

وفي تصريحات للصحفيين الجمعة 26-8-2005، قال موسى: إنه أجرى العديد من الاتصالات مع عدد من المسئولين العرب الذين شاركوه حالة القلق الكبيرة حول النص المشار إليه ومغزاه.

وقال: إن هذا النص "خطير للغاية؛ لأن العراق عضو مؤسس في الجامعة العربية". وتساءل: "هل يطعن هذا النص في الانتماء العراقي الشامل لهذه المنطقة والعالم العربي؟!". لكن موسى لم يوضح الإجراءات التي قامت بها الجامعة بخصوص هذا النص.

وكان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي "عبد الرحمن حمد العطية" قد دعا العراقيين في الهيئات الرسمية والجمعية الوطنية العراقية (البرلمان)، ولجنة صياغة الدستور إلى إعادة النظر في هذا "النص الكارثي"؛ حفاظا على وحدة العراق أرضا وشعبا، وعلى دوره كدولة ذات انتماء عربي وإسلامي.

مخطط أمريكي

من جهة أخرى، اعتبر الأشعل أن "مخطط تمزيق العراق يصب في مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل التي ترى في تقسيم العراق أمنا لها".

وقال: "الولايات المتحدة وراء مسودة الدستور العراقي الجديد لتحقق هدفها في تمزيق وحدة العراق والقضاء على هويته العربية". وأوضح أن "أهداف الولايات المتحدة الخبيثة بالعراق بدأت منذ عام 1991 عبر إنشاء مناطق حظر طيران ومناطق آمنة في شمال البلاد وجنوبها، مرورا بالإصرار على إجراء انتخابات طائفية تحت الاحتلال، ومساندة النزاعات الكردية ومن قبلها قانون إدارة الدولة، وأخيرا لا آخر بوضع اللمسات الأخيرة في مشروع مسودة الدستور تماشيا مع المخطط الأمريكي".

تعديلات لم تقر

وأعد الشيعة العرب والأكراد مسودة الدستور التي قدمت للجمعية الوطنية يوم الإثنين 22-8-2005 لكن لم يتم إقرارها بصورة نهائية بسبب اعتراضات السنة العرب، المنتظر أن يصدروا قرارهم اليوم الأحد بشأن مسودة معدلة أعدها الشيعة في محاولة لتهدئة السنة الغاضبين من بنود تنص على نظام سياسي لا مركزي، وفيدرالي يستبعد أعضاء حزب البعث العراقي من الحياة العامة.

وفي وقت لاحق من اليوم الأحد ينعقد البرلمان العراقي للنظر في تقرير عن الصياغة النهائية لمسودة الدستور التي قد تتضمن أو لا تتضمن التعديلات التي اقترحها الشيعة لإرضاء السنة.

السيناريو المقبل

وفي الأسبوعين التاليين على تصديق البرلمان على الدستور -في حال إقراره- اليوم الأحد ستشرف اللجنة الدستورية على طباعة وتوزيع نحو 5 ملايين نسخة من الدستور في أنحاء العراق الذي يبلغ عدد سكانه 26 مليونا. وسيتم توزيع نسخة على كل عائلة من بين 5 ملايين عائلة لديها بطاقات تموين.

ويجري حث العراقيين بالفعل على تسجيل أنفسهم في سجلات الناخبين؛ كي يحق لهم التصويت في الاستفتاء عليه في موعد غايته 15-10-2005. وتشجع الهيئات الرسمية على هذا في إطار حملة علاقات عامة أوسع نطاقا. لكن الزعماء السنة يشجعون على التسجيل للتصويت برفض الدستور، ويشجع عليه الزعماء الشيعة لضمان إقراره.

وسيتم رفض الدستور إذا كان تصويت ثلثي الناخبين في أي ثلاث محافظات "لا". ويتمتع السنة بأغلبية واضحة في ثلاث محافظات على الأقل من بين 18 محافظة هي إجمالي محافظات العراق.

وتخشى الحكومة العراقية بقيادة الشيعة والأكراد أن يسقط العرب السنة بالفعل المسودة الحالية للدستور خلال الاستفتاء، الأمر الذي سيقود إلى حل البرلمان الحالي، والدعوة لانتخابات عامة جديدة.


--------------------------------------


موسى: القمة العربية تبحث دستور العراق

عواصم- وكالات- إسلام أون لاين.نت/29-8-2005

الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسي في صورة أرشيفي

اقرأ أيضا:

حذر الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى من طمس الهوية العربية للعراق، واعتبرها "مسألة لا يمكن قبولها"، قائلا إنه إذا بقي نص مسودة الدستور العراقي الدائم في الصورة التي تم إقراره بها فسيتم رفع الأمر لمناقشته في قمة طارئة للجامعة العربية. لكن الرئيس العراقي جلال طالباني قال إن المادة التي تتعلق بهوية العراق تأخذ في الاعتبار تكوين السكان، ولا تعني أن العراق سيدير ظهره للعالم العربي.

وفى حديث أدلى به لراديو "أوريان" (الشرق) الفرنسي أذيع اليوم الإثنين 29-8-2005، قال موسى: "إذا بقي النص على هو ما عليه فسيكون لنا حديث آخر، وسوف نعرض هذا الموضوع الخطير على جدول أعمال مجلس الوزراء وعلى جدول أعمال القمة العربية الطارئة لاتخاذ اللازم".

وتساءل موسى: "لمصلحة من يتم العمل على طمس الهوية العربية للعراق؟ العالم العربي سوف يقف ضد النص الحالي للدستور العراقي إذا بقي على ما هو عليه... النص الحالي يمثل استفزازا للعرب جميعا".

وتنص مسودة الدستور الذي أقرته الجمعية الوطنية (البرلمان) العراقية يوم أمس الأحد على أن "العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الإسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية". لكن الأمين العام للجامعة العربية شدد على أن العراق جزء من العالم العربي وجزء من الوطن العربي، كما هو جزء من العالم الإسلامي.

وينعقد مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية يومي 8 و9 سبتمبر 2005 في القاهرة، ويبحث تطورات العملية السياسية في العراق ضمن أمور أخرى. وما زالت الدعوة المصرية لعقد قمة عربية طارئة في مدينة شرم الشيخ قائمة بحسب عمرو موسى الذي قال في تصريحات يوم 24-8-2005 إن "الطرح والعرض المصري بشأن القمة ما زال قائما". وأكد مصطفى عفيفي محافظ جنوب سيناء الأسبوع الماضي أن "القمة لم تلغ وسيتم عقدها عقب الانتخابات الرئاسية" في مصر المقررة يوم 7-9-2005.

"وصفة للفوضى"

وفى مقابلة أخرى مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" وصف الأمين العام لجامعة الدول العربية بعض أجزاء مسودة الدستور العراقي الجديد بأنها "وصفة للفوضى".

وقال إن "الجامعة العربية تشاطر سنة العراق مخاوفهم من الفيدرالية ومن حقيقة أن مسودة الدستور المطروحة لا تقر بهوية العراق كبلد عربي فيما يبدو أنه تنازل واضح لأقليات غير عربية مثل الأكراد".

وقبل إقرار مسودة الدستور في شكلها النهائي كان موسى قد أعرب عن اعتقاده بإمكانية إجراء تعديل نص المسودة، مشيرا إلى أنه حصل على وعد في هذا الصدد من قبل الرئيس العراقي جلال طالباني ورئيس الوزراء إبراهيم الجعفري يوم الخميس 25-8-2005 إلا أنه يبدو أن هذه الوعود لم تنفذ.

وكان الأعضاء السنة العرب الخمسة عشر في اللجنة البرلمانية المكلفة كتابة الدستور أعلنوا في بيان الأحد 28-8-2005 أنهم قرروا "عدم القبول" ببعض النقاط الواردة في الصيغة النهائية لمسودة الدستور، داعين المجتمع الدولي إلى "الوقوف معهم" لحل النقاط الخلافية.

ورفعت لجنة صياغة الدستور إلى البرلمان العراقي يوم الأحد الدستور ليصبح جاهزا للاستفتاء في موعد غايته15-10-2005 لإقراره أو رفضه من قبل العراقيين.

التكوين السكاني


ا

نفى الرئيس العراقي الأحد عزم بلاده على الانسحاب من جامعة الدول العربية، مشيرا إلى أن إحدى المواد في مسودة الدستور العراقي تهدف إلى الأخذ بالاعتبار تكوين السكان في البلاد.

وفي مقابلة مع قناة "العربية" الفضائية قال طالباني وهو كردي: "لن ننسحب من الجامعة العربية ونبقى عضوا مؤسسا في الجامعة العربية وسنلعب دورنا". وأشار إلى أنه حتى الدستور في عهد الرئيس العراقي المعتقل صدام حسين كان يعترف بأن العراقيين يتكونون من قوميتين رئيسيتين هما العرب والأكراد.

وأضاف "أن الشعب العربي هو جزء من الأمة العربية كما أن الشعب الكردي هو جزء من الأمة الكردية المقسمة في الشرق الأوسط". وأوضح "إذا قلنا إن كل الشعب العراقي هو جزء من الأمة العربية فنلغي بذلك وجود شعب كردي في العراق يقدر بحوالي سبعة ملايين نسمة".

ترحيب دولي

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والرئيس الأمريكي جورج بوش وبريطانيا الرئيس الدوري الحالي للاتحاد الأوربي عن ترحيبهم بإقرار مسودة الدستور العراقي.

وقال بوش للصحفيين من مزرعته في كروفورد (تكساس جنوب) "إنها وثيقة يمكن أن يفخر بها العراقيون وباقي العالم".

لكن سفيره في بغداد زلماي خليل زاد أقر في مقابلة قبل ذلك مع شبكة "إن بي سي الأمريكية" بأنه في حال إذا قرر ناخبو الأقلية السنة رفض مسودة الدستور في الاستفتاء فسيكون هناك "مشكلة". غير أن بوش قلل من أهمية معارضة الأقلية السنية لمسودة الدستور. وقال "هناك بالتأكيد خلافات، إنها عملية سياسية تجري حاليا" إلا أنه حث العراقيين على المشاركة في الاستفاء على مسودة الدستور.

واعتبرت الرئاسة البريطانية للاتحاد الأوربي إقرار مسودة الدستور العراقي في صيغتها النهائية "مرحلة مهمة في العملية السياسية"، ودعت "جميع العراقيين" إلى المشاركة في الاستفتاء عليه.

وعبر عنان عن ترحيبه بإقرار البرلمان العراقي مشروع الدستور، وطلب من العراقيين العمل معا حتى يوم الاستفتاء الدستوري. وقال المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك في بيان إن الأمين العام للأمم المتحدة "يرحب بالجهود الجدية التي بذلتها جميع الكيانات السياسية العراقية في الظروف الصعبة التي جرت فيها العملية"


---------------------------------------------



مستقبل العراق بين شيعة الجنوب وأخطاء أمريكا

2005/07/21

شيرين حامد فهمي**



المستقبل العراقي إلى أين؟ إنه سؤال متكرر يتبادر إلى أذهاننا عربا ومسلمين كلما جد جديد على الساحة العراقية، بل وأيضا على الساحة الدولية التي باتت تأثيراتها وثيقة الصلة وتنعكس مباشرة على الساحة المحلية.

وللإجابة على هذا التساؤل، يمكن التوقف أمام دراستين أمريكيتين تقتربان -بطريقة أو بأخرى- من محاولة إجابة هذا السؤال. الدراسة الأولى للأمريكي "مايكل نايتس"، المحلل العسكري والباحث المتخصص في شئون الشرق الأوسط بمركز "واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، وتدور دراسته حول الفرضية القائلة بأن المستقبل السياسي العراقي سيتحدد من قبل شيعة الجنوب لا من قبل المثلث السُني.

أما الدراسة الثانية فهي عبارة عن كتاب أصدره خبيران أمريكيان في مجال "إعادة بناء الدول" ولهما باع كبير في المشاركة في إعادة بناء الدولة العراقية بعد 9 إبريل 2003؛ هما "لاري دايموند" و"ديفيد فيليبس". ويدور محور الكتاب الذي نشر مؤخرا تحت عنوان "الانتصار الضائع: الاحتلال الأمريكي والجهود الفاشلة في إقامة الديمقراطية بالعراق" حول الفرضية القائلة بأن مستقبل العراق لن ينفع معه أي حلول أمريكية، اللهم إلا حل "بناء الدولة" الذي -وإن طبق- سيكون أكثر صعوبة من تطبيقه في أي دولة أخرى نتيجة للأخطاء الفادحة التي اقترفتها الإدارة الأمريكية بالعراق على مر العامين الماضيين.

إن هاتين الفرضيتين -ورغم وجود عوامل أخرى مؤثرة- تستحقان التناول لإمكان استشراف المستقبل العراقي بعد عامين وربع من الاحتلال الأمريكي للعراق؛ إذ لا يمكن إغفال أهمية دور الشيعة وما بين الأحزاب الشيعية من خلافات وعلاقتهم بالسنة على مستقبل العراق، كما لا يمكن تجاهل حقيقة اكتشاف الولايات المتحدة لأخطائها التي تعددت في العراق والتي ينادي الكثير من الأكاديميين الأمريكيين إلى التغلب عليها وبناء نظرة جديدة أكثر واقعية لتشكيل الدولة العراقية.

الشيعة والهيمنة الأمنية

عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية

يسوق "نايتس" فرضيته عبر استعراضه لظاهرة بدأت تتجلى بوضوح على الساحة العراقية في الآونة الأخيرة؛ وهي ظاهرة توجه شيعة العراق نحو الهيمنة على الجهاز الأمني العراقي. ويستشهد المحلل العسكري في ذلك بعدة وقائع:

أولا: تزايد نفوذ "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" أقوى الفصائل السياسية الشيعية بالعراق على السياسة الأمنية العراقية خاصة بعد انتصاره الانتخابي الأخير على المستوى المحلي.

ثانيا: اتجاه "المجلس" إلى تدشين علاقات استخباراتية قوية مع القوات الأمنية متعددة الجنسية المتواجدة على أراضي العراق.

ثالثا: حصول "المجلس" على مناصب عليا في وزارة الداخلية العراقية، ووضعه لأجندة تقلص من تأثير البعثيين وحلفاء الولايات المتحدة في داخل الجهاز الأمني العراقي.

رابعا: تسبب "المجلس" في تغيير العلاقة بين الجهاز الأمني وبين القوات الأمريكية وبين القوات متعددة الجنسية.

إن اقتحام شيعة العراق للمسألة الأمنية بهذه الصورة المتوغلة -كما يستأنف "نايتس" فرضيته- سيكون غصة في حلق العرب السُنة، خاصة مع تزايد هجماتهم الأخيرة ضد المجتمعات الشيعية، تلك الهجمات التي كثرت في المناطق التي تقترب فيها التجمعات الشيعية من المثلث السُني، مثل بغداد وبابل وديالة وبعقوبة والبصرة ومثنى، وكذلك في التجمعات الشيعية المعزولة شمال العراق. هذا إضافة إلى نفاد صبر الجماعات الشيعية تجاه هجمات السُنة؛ الأمر الذي أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة بين الطرفين، مثلما حدث في مايسان والبصرة، والتي راح ضحيتها جموع غفيرة من موظفي الدولة، سواء قضاة أو رؤساء مجالس أو غيرهما. ولا ننسى عاملا آخرا سيجعل تلك الاشتباكات أو الاضطرابات أكثر التهابا وضراوة وهو انغماس القوات القبلية الشيعية في وحدات الحرس الوطني العراقي المحلي المنوطة بفض تلك الاشتباكات.

ومن ثم، يمكن القول -طبقا لرؤية المحلل العسكري "نايتس"- إن توجه شيعة العراق نحو الاستحواذ على الجنوب والسيطرة عليه أمنيا، سيمثل عاملا مؤثرا في تشكيل المستقبل العراقي.

"الصدر" وتدشين حوزة شيعية موازية

وإلى جانب ذلك، يقر "نايتس" بعامل آخر سيسهم بشكل ما في تشكيل المستقبل العراقي هو سعي حزب "مقتدى الصدر" أقوى حركة شيعية عراقية مضادة للحكومة العراقية على مر التاريخ العراقي، ويمثل أتباعه الحزب السياسي الشيعي الوحيد الخارج عن المخطط الأمريكي لعملية التحول السياسي في العراق. ويرجع هذا إلى رؤية "الصدر" ذاتها التي لا تهتم بالتحول السياسي بقدر ما تهتم بتدشين حوزة موازية لآية الله السيستاني؛ أي تدشين حوزة "الفعل" و"الكلام" -على نحو ما قد فعل والده محمد صادق الصدر وعمه آية الله محمد باقر الصدر- ضد حوزة "السكون" و"الصمت" التابعة للسيستاني. وقد منحته فتوى "الحائري" -رجل دين شيعي- الحق الكامل في التعدي على كبار رجال الدين التابعين لحوزة السيستاني. والحقيقة، أن ما يفعله "الصدر" الآن ليس إلا تقليدا شيعيا عريقا، يضرب في جذور العراق منذ الأزل، وهو التقليد القائم على فكرة النظام الموازي.

وعلى الرغم من فشل "الصدر" حتى الآن في استبدال حوزته "النشطة" بالحوزة "السيستانية" الحالية، فإنه ما زالت هناك إمكانية لبزوغ شكل غير تقليدي للحوزة الموازية على مستوى الشارع العراقي الذي يعتبر مرتعا أساسيا لتجنيد وتعبئة أتباع "الصدر"، فلا ننسى أن حركة "الصدر" تلعب بالأساس على أوتار العاطلين من ناحية، وعلى أوتار الوطنيين المناهضين للوجود الأجنبي من ناحية أخرى؛ الأمر الذي يكسب الحركة زخما كبيرا في وسط الشارع العراقي. والدليل على ذلك، ما حققته الحركة من انتصارات، سواء على مستوى الانتخابات المحلية أم على مستوى الانتخابات العامة في يناير 2005.

وبالطبع، لن تصمت الأطراف الشيعية الأخرى على ذلك "التحدي الصدري"؛ فالحوزة التقليدية المتمثلة في (السيستاني والتجار الشيعة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية) ستعمل على مناهضته بكل ما أوتيت من قوة عبر المظاهرات وإصدار الفتاوى أو حتى من خلال مساعدة الأمريكيين.

ويتوقع "نايتس" بقاء ذلك "التحدي الصدري" لأنه ليس في مقدور أي حكومة عراقية حالية أن تحفظ هيمنتها العسكرية على الجنوب، كما يتوقع أن تسهم تلك السياسة الشيعية المتأججة جنوبا في إحباط أجندة "مناهضة الإرهاب" الآخذة في التبلور بالعراق؛ لأن حركة الصدر قد أضافت عاملا إضافيا في تشكيل السيناريو العراقي يجعل من تزايد الإرهاب أمرا طبيعيا في الجنوب على وجه خاص.

المستقبل العراقي.. والعامل الأمريكي

لا يقل العامل الأمريكي تأثيرا في تشكيل المستقبل العراقي عن العامل الشيعي الذي تم تناوله عبر استعراض آراء "نايتس"؛ إذ هو مكون أصيل لمخرجات هذا المستقبل الغامض رغم فشل المشروع الأمريكي بالعراق. ويؤكد الخبير الأمريكي "لاري دايموند" في كتابه "الانتصار الضائع: الاحتلال الأمريكي والجهود الفاشلة في إقامة الديمقراطية بالعراق" أن الحل الأمريكي في العراق قد صار أمرا مستعصيا، فقد أخفق "مستقبل المشروع العراقي" الذي روجت له واشنطن بشدة، وبات وصمة عار في جبين التاريخ الأمريكي.

ويسرد "دايموند" بعض أسباب تلك الخيبة؛ فيذكر على سبيل المثال قانون "التحول الإداري" الذي فرضته إدارة الاحتلال الأمريكي على العراق دون استشارة الشارع العراقي حيث كان "دايموند" ضمن المنوطين بفرضه ومن الناقدين له بشدة؛ وفشل قوات الاحتلال الأمريكي في إدارة الجيوش الشيعية بالجنوب؛ وهو ما أدى إلى تصاعد العنف؛ وخطأ الأمم المتحدة في انتهاجها لنظام انتخابي واحد باعتبار أن العراق منطقة واحدة وهو ما يناقض الواقع العراقي؛ ويذكر أيضا الخطيئة العظمى للإدارة الأمريكية في دخولها حرب العراق دون إعداد كافٍ، منوها بأن مزايا الاحتلال كانت أقل بكثير من خطاياه لو تم الإعداد المناسب؛ ويشير كذلك إلى الخلافات الأيديولوجية التي حدثت وما زالت تحدث داخل الإدارة الأمريكية بشأن العراق؛ ويستنتج أن الإدارة الأمريكية كانت ساذجة في تعاملها مع القضية العراقية لأنها نسجت الآمال دون أدنى وعي بحقائق الأمور.

أما "ديفيد فيليبس" عضو المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية والذي عمل كمستشار أول للخارجية الأمريكية من إبريل 2002 إلى سبتمبر 2003، فيبدو أكثر تفاؤلا، حيث نصح بتدشين إدارة "بناء الدول" داخل مجلس الأمن القومي الأمريكي، على أن يكون لدى واشنطن رؤية متبلورة وواضحة عن الدولة العراقية التي تأمل في إيجادها. ويطالب في نفس الوقت بقية المجتمع الدولي بالمشاركة في تحمل مسئوليات تلك المهمة، شرط أن يتم كل ذلك تحت إشراف واحد هو الإشراف الأمريكي، لكنه ينبه الإدارة الأمريكية إلى أهمية دور كل من الدين والإثنية في حياة العراقيين، وكيف أن مشكلة الحكم في العراق تنبع أصلا من تجاهل الهوية العراقية، والضغط عليها بشتى الطرق.

وتعليقا على ما كتبه الخبيران الأمريكيان، فقد أشارت مجلة "الفورين آفيرز" في عددها الأخير (يوليو/أغسطس 2005) في مقال بعنوان "مخاطر الاحتلال" إلى أن المشروع الأمريكي لدمقرطة العراق لم يكن خيارا حكيما منذ البداية؛ فاختيار العراق كدولة أولى في الشرق الأوسط لتطبيق هذا المشروع لم يكن موفقا. بمعنى آخر: "إذا كنت لا تستطيع حشد مصادر كافية، وإذا كنت لا تستطيع حشد تأييد محلي وخارجي لإعادة بناء دولة، فلا تبدأ من الأصل. فبدلا من إضاعة الوقت في الجدل حول الموافقة على بناء الدولة العراقية أم عدم الموافقة عليها -كما فعل "دايموند" و"فيليبس"- ربما كان من الأجدى أولا، الموازنة بين تأييد التدخل من عدمه في بادئ الأمر. وإذا كان هناك درس لواشنطن من خلال خبرتها في العراق، فهو أخذ كل الحذر وكل الحيطة قبل الدخول في أي عملية مماثلة".



1. Michael Knights, "Battle for Iraq lies in the south", Washington Institute for Near East Policy, June 2005.

2. Phebe Marr, "Occupational Hazards", Foreign Affairs, July/August 2005.


**باحثة دكتوراة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.


----------------------------------------------


تَجسد بقوة عبر عامين من الاحتلال وقد يتكرر في دول عربية أخرى
الطائفية.. خيار رابح لأمريكا وخاسر للعراق

‏محمد جمال عرفة**

07/04/2005

عراقي كردي يرفع العلم الخاص بكردستان ابتهاجا باختيار طالباني رئيسا للعراق ..مشهد اختفى منه علم العراق الموحد

هل يتحول العراق لدولة طائفية؟.. ظل هذا السؤال يسيطر على أذهان الكثير من المحللين السياسيين منذ الغزو الأمريكي، وقد سعى الاحتلال لمخاطبة ود كل طائفة دينية وعرقية على حساب الآخرين لضمان القبول به والتمكين له، وبالمقابل كان النفي هو الرد العلني المتكرر على هذا السؤال من جانب كافة القوى العراقية رغم المخاوف التي في الصدور.

وفي 8 ديسمبر 2004 كشف وفد "القوى الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال" الذي يضم 185 شخصية وحزبا عراقيا من كافة الأطياف السنية والشيعية والكردية -في بيان يعارض فيه الانتخابات التي نظمتها قوات الاحتلال- لأول مرة خطة الاحتلال لنشر الطائفية والعرقية، قائلا: إن خطة الاحتلال "تهدف إلى بذر الفتن الطائفية والعرقية بين أبناء العراق والسعي لإعادة تركيب المؤسسات السياسية والإدارية العراقية على قواعد استحدثتها للتقسيم العرقي والطائفي والمذهبي"، كما تهدف هذه الخطة إلى "طمس الهوية الحضارية والثقافية والوطنية لشعب العراق وإضعاف انتمائه الوطني والقومي والديني".

وبعد عامين من احتلال العراق.. وقائع وشواهد عدة تثبت بشكل أقوى أن خيار الطائفية كان خيار الاحتلال أولا وأخيرا لوقف المقاومة وضرب العراقيين بعضهم ببعض ولا عزاء للفيدرالية أو "الاتحادية" العراقية التي نص عليها الدستور المؤقت هنا، إذ بدأ الأمر بحملة من قبل الاحتلال لاستمالة الشيعة والأكراد على حساب السنة العرب، وانتهي الأمر لتوزيع طائفي/ عرقي للمناصب السياسية يشكل في جوهره فتيل الاشتعال لحرب أهلية طائفية.

وما يؤكد هذا هو أن الانقسام استهدف العرق "العربي" في العراق دون غيرهم من باقي الأعراق مثل: الأكراد والتركمان وغيرهم، حيث انقسم (أو تم تقسيم) العرب فقط إلى سنة وشيعة، ولم ينقسم الأكراد إلى شيعة وسنة أيضا، كما لم ينقسم التركمان، بل جرى إخراجهم هم وغيرهم من المعادلة الطائفية والعرقية أصلا.

بعبارة أخرى كان التقسيم الذي اعتمده الاحتلال للشعب العراقي مشبوها منذ البداية -وهو بالمناسبة نفس التقسيم الموجود على موقع المخابرات الأمريكية- حيث قُسم العراق على أسس مختلطة طائفية وعرقية (سنة وشيعة وأكراد) ولم يجر اعتماد تقسيم واحد طائفي فقط أو عرقي فقط مثلا، رغم أنه بين الأكراد سنة وشيعة، كما أن غالبية الأكراد سنة مثل عرب العراق السنة فلماذا تقسيمهم بعيدا عن سنة العراق العرب.

وفي أعقاب انتخابات الجمعية الوطنية التي جرت في يناير 2004 وقاطعها السنة العرب -باستثناء أحزاب سنية صغيرة- أصبحت الخريطة الطائفية /العرقية أكثر وضوحا خصوصا في ظل عدم وجود إحصاء رسمي للسكان يحسم ما يقال حول أغلبية عددية للشيعة أو السنة.

فالشيعة يعتبرون أنهم غالبية السكان وتعدادهم يزيد عن 55% من السكان، وبالمقابل يقول السنة العرب بأن تعداد كل سنة العراق (عرب وأكراد وغيرهم) يصل إلى 54%، وكان تدخل الاحتلال لتكريس التقسيم الطائفي/العرقي المزدوج للعراق يستهدف بشكل واضح تهميش السنة من البداية، وهو ما أدى لتقسم العراق على أسس طائفية وليس على أسس فيدرالية.

وبدأت حقائق تترتب على الأرض بناء على هذا التقسيم، أبرزها دعوة الأكراد لإخراج العرب والتركمان السنة من مناطق ذات أغلبية كردية (كركوك) رغم أنه لو كان الحكم فيدراليا حقيقيا -لا طائفيا- لسُمح لأي عراقي بالانتقال لأي مكان يرغب في العيش فيه.

انتزاع منصب الرئيس من العرب

والأخطر أنه جرى نزع منصب الرئيس (الذي كان يتولاه غازي الياور) من سُنة العراق العرب، عقب مقاطعتهم انتخابات يناير 2005 بدعوى أن نسبة مناصبهم في البرلمان ضعيفة ولا تتعدى 20 مقعدا من 275، وأسند المنصب إلى أبرز زعيم كردي عراقي، ليصبح جلال طالباني هو رئيس جمهورية العراق باعتبار أن الانتخابات قالت بأن الأكراد هم ثاني أكبر طائفة وأكبر من عرب العراق، ويصبح نائبه الأول شيعي (عادل عبد المهدي)، ونائبه الثاني سني عربي (غازي الياور)، ويذهب منصب رئيس الوزراء وهو الأهم للشيعة.

ورغم الاستقرار منذ البداية على أن يكون منصب رئيس الدولة لسني عربي بدليل تعيين غازي الياور في هذا المنصب مؤقتا، فقد حدثت صفقات كردية شيعية شجعها الاحتلال -نتيجة المقاطعة العربية السنية للانتخابات- لإعطاء هذا المنصب للأكراد، وإعطاء منصب رئيس البرلمان الذي كان مخصصا للأكراد إلى العرب السنة (حاجم الحسني) ربما لعقابهم على عدم المشاركة في الانتخابات، أو لمزيد من التهميش لهم، أو لوضع شخصية أكثر تعاونا مع الاحتلال على رأس الدولة بصرف النظر عما قد يترتب على هذا من المساعدة على تنفيذ مخططات كردية لـ"تكريد" مدن في شمال العراق.

ومن الطبيعي والوضع هكذا أن يفتح هذا التوزيع الطائفي للمناصب باب الخلافات على مصراعيه بين الطوائف الدينية في العراق (على الطريقة اللبنانية) لأن العرب السنة سيزيدون من أعمال المقاومة المسلحة وربما يستمرون فيها حتى لو خرج الاحتلال الأمريكي من العراق طالما أحسوا بالظلم بحيث تتحول المقاومة العراقية إلى مقاومة على الطريقة اللبنانية.

بل إن التقسيمة الوزارية المتوقعة التي يجري التفاوض فيها بين الشيعة والأكراد (في غياب السنة العرب) تكاد تستقر على التوزيع التالي: 16 إلى 17 وزارة للشيعة، 7 إلى 8 وزارات للأكراد، 4 إلى 6 وزارات للسنة، وزارة لكل من المسيحيين والتركمان، وهو تقسيم لا يختلف عما جرى في لبنان على يد الاحتلال الفرنسي الذي ساهم في وضع دستور طائفي يضمن له السيطرة على البلاد بعد الانسحاب منها.

وخطورة هذه التقسيمات المناصبية السياسية -التي سوف تنعكس بالتأكيد على المناصب الاقتصادية والقضائية والعسكرية (التي ذهب أغلبها بالفعل لقادة عسكريين من ألوية بدر الشيعية)- أنها تنهي فكرة الدولة القومية الموحدة، وتحول العراق إلى دولة طوائف وأعراق يصعب توحيدها مستقبلا بدون حرب أهلية طاحنة على الطريقة اللبنانية.

آثار سلبية للتقسيم الطائفي

ولا شك أن هناك جملة آثار سلبية يمكن رصدها لهذه الفتنة والتقسيم الطائفي للحياة السياسية في العراق يرجح أن قوات الاحتلال أخذتها في الحسبان وهي تزرع هذه التفرقة الطائفية مثل:

  • هناك مخاوف من تأثير هذه الفتنة والتقسيم الطائفي على أداء واستمرارية المقاومة العراقية (غالبيتها سنية)، وأن يكون هذا التقسيم الطائفي فكرة وضعها الاحتلال من الأساس كعوائق وحواجز تستهدف إضعاف المقاومة أو إلهائها عن مهماتها الأساسية في ضرب الاحتلال الذي لا يزال يعاني من تساقط جنوده بين قتلى وجرحى بفعل ضربات المقاومة، أي تحويل الصراع من صراع بين المقاومة والاحتلال، لصراع عراقي داخلي طائفي.

  • يضاف إلى ذلك أن تحويل الصراع في العراق من (عراقي/أمريكي) إلى (عراقي /عراقي) بفعل هذا التقسيم الطائفي والعرقي ينذر بدخول العراق في نفق حرب أهلية طائفية على غرار ما حدث في لبنان وأخطر على اعتبار أن هناك -عكس لبنان- مناطق عراقية جاهزة للانفصال أو هي منفصلة بالفعل.

  • إشعال فتيل حرب أهلية بين الشيعة والسنة، على حد قول صحيفة "برين" اليونانية اليسارية في مارس 2004، "يوفر مبررات لإطالة أمد احتلال البلاد من قبل الأمريكيين، وربما حلف الناتو لاحقا، بحجة تجنيب البلاد "كارثة إنسانية"، وبدعوى "المحافظة على الأمن والنظام".

  • هناك تصور لدى بعض الإسلاميين العراقيين السنة أن يكون هدف إشعال حرب طوائف وأعراق أمرا مرتبا من البداية ومقصودا من أصحاب وراسمي مشروع "القرن الأمريكي الجديد"، وأنه ليس قاصرا على العراق فقط، ولكنه سيناريو قابل للتكرار في باقي المنطقة العربية كحل ناجح لتفيت هذه الدول وإلهائها في صراعات داخلية تعوق مقاومتها، فلا تنشغل بحرب خارجية أو تزعج أمريكا.

وهذا التصور الأخير رجحه أيضا د. محمد صالح المسفر (القدس العربي 5/4/2005) عندما تحدث عن العراق كنموذج لتفتيت الوطن العربي على أسس طائفية ضمن مشروع الإدارة الأمريكية القاضي بإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط طبقا للمشروع الصهيو-أمريكي.

فماذا لو قلبت واشنطن الأوضاع في المملكة السعودية كما فعلت بالعراق؟ هل سيطرد النجديون من عسير والحجاز والمنطقة الشرقية، وكذلك يفعل بأهل الحجاز القاطنين في نجد وكل أنحاء المملكة؟ وهل سيطالب أهل المنطقة الشرقية بحقهم في تحديد حدود تلك المنطقة للاستئثار بخيرات منطقتهم أسوة بما تم في جنوب السودان وكما يحدث في العراق اليوم (كركوك)؟.

وماذا عن سوريا ووحدة أراضيها، مملكة حلب، ومملكة دمشق والكرد والعلويين، وماذا عن الطوائف الأخرى في سوريا، خصوصا أن ما يجري حول سوريا اليوم يوحي بأنها المحطة القادمة.

وما هو سر التفجيرات الحادثة في شرق بيروت (حيث أغلبية مسيحية مارونية) إلا أن يكون نذير شؤم يوحي بالتوجه لدعوة قوات دولية -فرنسية أمريكية بالتأكيد- من أجل التدخل لحماية المسيحيين اللبنانيين من المسلمين خاصة حزب الله.

وحتى مصر ربما لا تسلم من هذا المشروع الأمريكي، خصوصا أن هناك ندوات مشبوهة سابقة تحدثت عن دولة نوبية في الجنوب، وأخرى قبطية في صعيد مصر، وثالثة إسلامية في الشمال، أما في السودان واليمن فالحالة تبدو أخطر والوقود جاهز.

السؤال لن يكون بالتالي: ماذا كسب العراقيون من الاحتلال والتقسيم الطائفي للحياة السياسية، ولكن: ماذا خسر -أو سيخسر- العرب من احتلال العراق وتحويله لحرب طوائف وأعراق؟.



**محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين نت







----------------------------------------------------------------


أكراد العراق يلعبون بالنار*

فهمي هويدي **

30/03/2005



لم نتصارح بشكل كاف في التعاطي مع الملف الكردي بالعراق، وصرنا نتعامل مع مفرداته بلغة دبلوماسية، فيها من الغموض أكثر مما فيها من البوح والوضوح، ومن المجاملة أكثر مما فيها من المكاشفة. وهو ما يلاحظه المرء في الأخبار والتقارير اليومية التي باتت تخرج من بغداد تارة، ومن السليمانية أو أربيل تارة أخرى، متحدثة عن تعثر مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية، وقائمة طلبات الأكراد التي يبدو أن ثمة تصعيدا فيها يستثمر الأجواء المواتية، المتمثلة في انهيار الدولة العراقية ووجود القوات الأمريكية، وغياب النظام العربي.

دعك الآن من الحديث عن شرعية إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال. أو شرعية الحكومة المفترضة التي من الواضح أنها ستكون تمثيلا لبعض الطوائف في العراق، وليس للشعب العراقي كله، لأن ما يهمنا في السياق الذي نحن بصدده هو الموقف الكردي؛ الذي يعد أحد أهم معوقات تشكيل الحكومة، جراء إصراره على طلبات يتعذر قبولها من جانب أي حكومة عراقية.

ثمة لغط كثير حول تلك الطلبات التي طالت الميزانية، وعدد وطبيعة الوزارات التي ستكون ضمن حصة الشيعة، لكن أزعم أن أهمها وأخطرها طلبات ثلاثة هي ضم كركوك إلى كردستان، والإبقاء على ميليشيات البيشمركة كجيش خاص بالأكراد، ثم اعتماد صيغة الفيدرالية للمحافظات الكردية الثلاث.

"اغتصاب" كركوك

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، وإنما في الوقت الذي تمارس فيه الضغوط القوية، التي لم تخلُ من تهديد وابتزاز.. فإن الخطوات التي يتخذها الأكراد على الأرض، والتصريحات التي تصدر عن قادتهم تكرس من مشاعر الشك والارتياب، وتسحب من رصيد الثقة الذي يفترض توفره في أعقاب سقوط النظام البعثي، لصياغة العلاقات الكردية العربية على نحو إيجابي وحميم. ذلك أن عملية «اغتصاب» كركوك أصبحت تتم بصورة يومية، بدءا من تهجير سكانها العرب والتركمان أو الاستيلاء على بيوتهم، ومرورا بوضع اليد على المؤسسات والأجهزة الحكومية، وتنصيب أكراد على رأسها، وانتهاء بنقل ملكية الأراضي الزراعية. وفيما يتم ذلك على الأرض فإن تصريحات زعماء الأكراد تعلن رفض رفع العلم العراقي في كردستان (وكأنه علم صدام حسين وليس علم الجمهورية)، كما تحذر من دخول الجيش العراقي إلى محافظات الشمال من دون موافقة برلمان كردستان؛ الأمر الذي يعني أن القرار في كردستان شأن كردي في نهاية المطاف، وليس للدولة العراقية فيه نصيب.

وهو مشهد يضعنا بإزاء صورة عبثية مسكونة بدرجة عالية من المفارقة؛ إذ في حين يُعرض منصب رئيس الجمهورية العراقية على الزعيم الكردي جلال طالباني. فإن علم الجمهورية ذاتها يمنع في كردستان، وفي حين يفترض أن يمثل الرجل بلاده في المحافل الدولية وفي اجتماعات القمة العربية؛ فإن تعلم اللغة العربية يمنع في المناطق الكردية. وفي الوقت الذي يرأس فيه طالباني الدولة العراقية فإن «جماعته» في الشمال تعد العدة لتقسيم الدولة وضرب وحدة التراب العراقي.

نعم.. لا تكف بعض التصريحات الكردية عن نفي فكرة الانفصال أو الاستقلال، لكن ما يجري على الأرض يشي بغير ذلك تماما. وهي الحالة التي ينطبق عليها المثل العربي الشهير الذي يقول «أسمع كلامك أصدقك، وأرى أمورك أستعجب»، مع فارق واحد؛ هو أن الشكوك تكاثرت؛ بحيث إن الكلام ذاته لم يعد قابلا للتصديق. وحتى إذا بات المرء ذات ليلة مصدقا؛ فإنه ما إن يفتح عينيه على صحف الصباح ويطالع أخبار العراق فيها، حتى لا يلبث الشك يعاوده بقوة.

والأمر كذلك.. فلعلنا لا نتعسف كثيرا إذا قلنا بأن الموقف الكردي الحقيقي لن تعبر عنه التصريحات «الوحدوية» التي تنقلها وسائل الإعلام أو الوسائل التي تحمل إلى زعماء الدول المجاورة، وإنما لن يحسمه وينطق به سوى الممارسة الحاصلة على الأرض. ومع كل الاهتمام لما يقال، وللقائلين بطبيعة الحال؛ فإن أي كلام لن يوثق به، ولن يحمل على محمل الجد، إلا إذا صدقه العمل.

أزمة ثقة ومعاناة لا تنكر

إنني أفهم جيدا معاناة الأكراد وأزمة ثقتهم في الآخرين، وأكرر هنا ما سبق أن قلته من أنني أحد الذين عاشوا الهمّ الكردي ودافعوا عن مظلوميتهم، ودعوا إلى إنصافهم ووقف الجرائم التي ارتكبت بحقهم. لكنني أزعم أن تلك الصفحة طويت في العراق بوجه أخص.

وعلى أكراد العراق أن يدركوا ذلك، ومن ثم فعليهم أن يطووا بدورهم صفحة الأحزان والمرارات.

إن محاولة الاستيلاء التدريجي على كركوك عن طريق تغيير تركيبتها السكانية باستجلاب آخرين إليها من خارجها، أو تهجير بعض سكانها.. مؤشر لا يعبر عن حسن النية بحال. وكذلك فإن الإصرار على اعتبار «البيشمركة» جيشا خاصا بالأكراد هو المسئول عن حمايتهم.. لا يعني إلا شيئا واحدا هو أن القيادات الكردية تعتبر كردستان كيانا آخر غير العراق، وهو موقف له دلالته السلبية، ورغم أن موضوع «الفيدرالية» قد أقرته قوى المعارضة العراقية في السابق فإنها لم تتفق على تفاصيل مضمونه التي يراد لها الآن من الناحية العملية أن تعطي الأكراد وضعا متميزا يعطيهم حق «الفيتو» على أي قرار سيادي عراقي، هذه الخطوة إذا تمت على النحو الذي يريده القادة الأكراد تفتح الباب لشرور كثيرة تهدد وحدة الأراضي العراقية، وتثير فيها الفوضى والاضطراب.
بكلام آخر: فإن مجمل التصرفات الكردية يعطي انطباعا قويا بأن الذي يجري الآن ليس سوى تمهيد للانفصال. وإذا كان ذلك الانطباع مبالغا فيه، ويتحدث عن «السيناريو» الأسوأ.. فإن تغيير ذلك الانطباع أو تصحيحه لن يتأتى بإصدار تصريح صحفي، تبثه وسائل الإعلام، وإنما لا سبيل إلى تحقيق تلك الغاية إلا باتخاذ موقف جديد على الأرض يهدئ الخواطر، ويعيد الثقة التي اهتزت في الموقف الكردي.

لقد تطرقت إلى الموضوع ذاته من قبل، وقلت: إن أمام الأكراد الآن أحد حلين؛ أحدهما حل «أمثل» يوفر لهم الحق في تقرير المصير، وتأسيس دولتهم المستقلة؛ تمهيدا لاستعادة كيانهم الذي تفتت وتمزق في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وحل آخر «ممكن» يبقي على الأكراد ضمن حدود الدولة العراقية، وفي ظله تتوفر لهم كل ظروف وحقوق المواطنة، ويتمتعون بنوع من الحكم الذاتي يحفظ لهم هويتهم وخصوصيتهم العرقية. وهو ما اعتبرته عملا ناقصا، ودعوت إلى القبول به؛ لأن من شأن التعلق بالحل الأمثل أن يشعل حريقا في المنطقة، ستكون آثاره وبالا عليها، وربما كان الأكراد أكثر الخاسرين بسببه؛ ذلك أن استقلال كردستان العراق يمثل دعوة إلى إعادة رسم خرائط المنطقة، بما يشكل تهديدا للأمن القومي لتركيا ولإيران وسوريا، ولم يعد سرا أن تركيا مستعدة لأن تخوض حربا تستمر سنوات للحيلولة دون انفصال الجزء الذي يسكنه الأكراد في الأناضول. وقد أشرت إلى تركيا بوجه أخص؛ لأن تعداد الأكراد فيها يتراوح بين 10 و12 مليون نسمة، كحد أدنى؛ الأمر الذي يعني في حقيقته أن القضية الكردية تركية أكثر منها عراقية.

"الحل الناقص" هو الحل

في دفاعي عن فكرة «الحل الناقص» استشهدت بالقاعدة الأصولية والمنطقية التي تدعو إلى القبول بالضرر الأدنى تجنبا لضرر آخر أكبر وأفدح. وهي القاعدة التي تنطبق بشدة على الملف الكردي؛ باعتبار أن بقاءهم في إطار الدولة العراقية لا يلبي رغبتهم في تقرير المصير الذي يطمحون إليه، لكنه إذا ما حفظ لهم كرامتهم وهويتهم؛ فإنه يجنبهم ويجنب المنطقة بأسرها ضررا محققا من جراء إعادة رسم خرائطها الجغرافية والسياسية، وما يستصحبه ذلك من شرور لا حدود لها.

ما أدعو إليه ليس أمرا شاذا أو غريبا؛ فذلك هو وضع البربر في شمال أفريقيا والآذريين في إيران والأوزبكيين في أفغانستان. إذ بقيت تلك الجماعات كمواطنين في دول أخرى غير وطنها الأم، أو توزعت على أقطار عدة، مرتضية العيش ضمن حدود الجغرافيا السياسية التي استقرت منذ عقود، ولم تجد في ذلك غضاضة، طالما وفر لها ذلك الوضع حق المواطنة، وفي ظله احترمت هويتها ضمن النسيج العام.

إن ما تمارسه القيادات الكردية الراهنة ليس سوى لعب بالنار، لم تحسب عواقبه جيدا، من حيث إنه يتعلق بالأماني والطموحات، متجاهلة حقائق الواقع المعقد وخرائطه، ووحدها تلك القيادات القادرة على إطفاء تلك النار.
أخيرا.. يلح عليّ سؤال هو: أين الجامعة العربية من ذلك الخطر الذي يهدد دولة عضوة بها؟ ولماذا لا نرى سوى تركيا في الساحة تعمل جاهدة للحفاظ على وحدة العراق؟.



* نقلا عن جريدة "الشرق الأوسط" بتاريخ 30-3-2005.

** كاتب ومفكر إسلامي مصري.