sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

من يغيث 15مسلما صينيا يبحثون عن ملاذ؟

الشرق الأوسط 31/08/05

من يغيث 15مسلما صينيا يبحثون عن ملاذ؟

فهمي هويدي


من يجير 15مسلما صينيا قررت السلطات الأميركية الإفراج عنهم من جوانتانامو منذ عشرين شهرا، لكنهم لا يزالون قابعين في السجن ولم يغادروه، بانتظار بلد يقبل بإيوائهم، كان هؤلاء من الذين جرى اعتقالهم في إطار اللوثة الأميركية التي أعقبت أحداث 11سبتمبر، وأدت إلى احتجاز أعداد غير معلومة من البشر، لأقل اشتباه وأية وشاية، وكما هو معلوم، فقد توزع هؤلاء على مختلف السجون العلنية السرية الموزعة على أنحاء العالم، في البر والبحر وشاء ربك أن تتبين براءة هؤلاء المسلمين الصينيين البؤساء في وقت مبكر نسبيا، إذ كان خمسة منهم قد اعتقلوا على سبيل الخطأ، وكانت تهمتهم الوحيدة أنهم مسلمون، ولم تكن لهم علاقة بشيء مما جرى أو يجري من قريب أو بعيد، أما العشرة الآخرون فقد كانت جريمتهم مضاعفة، فهم مسلمون ثم انهم ناشطون، لكنهم ليسوا خطرين، وشأنهم شأن الأولين، فلم تكن لهم علاقة بما يجري من أي باب ولان الأمر كذلك، فلم يجد الأميركيون ـ بعد التدقيق والتحقيق والتحري ـ مسوغا لاستمرار احتجازهم فقرروا إطلاق سراحهم بعدما اطمأنوا إلى براءتهم.

كان أولئك الصينيون قد اعتقلوا في باكستان، التي تحتفظ بحدود مشتركة مع الصين، وطبقا للعرف الذي اتبع في الحالات المماثلة، فإن الذين يجري إطلاقهم يفترض أن يسلموا إلى بلدانهم، لكن ذلك ليس مأمونا دائما، خصوصا في الحالة الصينية (ولا في بعض الأقطار العربية للأسف) التي يعامل في ظلها المسلمون بقسوة غير عادية، ولي تجربة شخصية في ذلك حيث كنت في زيارة للعاصمة الباكستانية إسلام أباد ذات مرة، ووجدت الجميع يتحدثون بأسى عن أربعة من الناشطين المسلمين الصينيين، اتهموا في بعض حوادث الشغب التي جرت في مقاطعة «سينكيانج» وهربوا إلى باكستان، التي استجابت لطلب حكومة بكين استعادتهم، وتم التسليم فعلا عند نقطة على الحدود المشتركة بين البلدين، وبعد دقائق من استلامهم، وعلى مرأى من الجنود الباكستانيين الذين لم يكونوا قد غادروا المكان بعد، أطلق الجنود الصينيون الرصاص على الأربعة فقتلوهم جميعا.

بسبب سوء سمعة السلطات الصينية في تعاملها مع الناشطين المسلمين خاصة، فإن الأميركيين آثروا ألا يسلموا المعتقلين الخمسة عشر إلى بكين، وقرروا ان يسلموهم إلى أي بلد آخر يقبل بهم، ومن الجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن الأميركيين رفضوا السماح لهم بالدخول إلى الولايات المتحدة، حتى تحت قيود ومراقبة مشددة، وهو ما كان له إسهامه في تردد الدول الأخرى، ورفض قبولهم، لأن الإدارة الأميركية طالبت الدول الأخرى بما لم تبد هي أي استعداد للقبول له.

«الشرق الأوسط» نشرت في 25/8 تقريرا من واشنطن تضمن قصة المسلمين الصينيين ذكرت فيه أن السلطات الأميركية أجرت اتصالات مع حوالي عشرين دولة لإيوائهم، ولكن الرفض كان ردها جميعا، ومن هذه الدول السويد وفنلندا وتركيا وإحدى دول أميركا اللاتينية، ونقل التقرير عن متحدث باسم منظمة هيومان رايتس ودتش المعنية بحقوق الإنسان في الولايات المتحدة أن هؤلاء الأشخاص أصبحوا الآن مسؤولين من الحكومة الأميركية لانهم منذ اعتقالهم اصبحوا في عهدتها من الناحية القانونية.

ولكن لان واشنطن متمسكة برفض إيوائهم على أراضيها، فإنها لم تجد مفرا من الاحتفاظ بهم في سجن جوانتانامو، ومن ثم استمرار معاملتهم كسجناء، تنطبق عليهم كافة الإجراءات القاسية التي يخضع لها السجناء الآخرون رغم القطع ببراءتهم من جانب السلطات الأميركية ذاتها، وقد وصف أحد المحامين الأميركيين الذين تطوعوا للدفاع عن اثنين منهم الظروف البائسة التي يعيش في ظلها أحد موكليه، قائلا انه يقبع في زنزانة صغيرة بلا نوافذ، وقد قيدت رجلاه بالأغلال التي ربطت بمزلاج الباب.

حين قرأت هذا الكلام قلت إنه إذا كان الذين ثبتت براءتهم وتأكد عدم خطورتهم يعاملون على هذا النحو، فكيف بمن حامت حولهم شبهات أقوى والذين يشك في خطورتهم؟ ـ لكن ذلك يظل سؤالا فرعيا، لأن المشهد يثير أسئلة أخرى أهم منها مثلا: كم يا ترى عدد الأبرياء الذين لا يزالون محتجزين في جوانتانامو؟، ولا يُعرف لهم مصير، ولا يُرى أمل قريب في إطلاقهم؟ ولماذا تتقاعس بعض الحكومات العربية ومختلف جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان عن إثارة الموضوع في المحافل الدولية. ومطالبة الولايات المتحدة بحسم القضية بحيث يحاكم من ثبتت بحقه أي تهمة ويطلق سراح من لا يكون هناك سبب قانوني لاحتجازه؟

أما فيما يخص أولئك المسلمين الصينيين، فإن ما يثير الدهشة حقا انهم لم يجدوا ملاذا لهم في أي دولة عربية أو إسلامية، وليس ذلك أسوأ ما في هذا الموقف، لأن الأسوأ هو احتمال أن يكون ذلك الموقف السلبي ناتجا عن اقتناع جهات القرار في الدول العربية والإسلامية بأن المسلمين اصبحوا يشكلون حقا خطرا على المجتمعات التي يعيشون في كنفها، وهي الأكذوبة التي روجتها الأبواق الإعلامية الغربية، وصدقتها بعض الجهات في الغرب، ولكن ما لم يخطر على البال أن تنطلي على جهات القرار في عالمنا العربي والإسلامي.

ومن أسفي أن ذلك ليس مجرد استنتاج أو تحليل نظري، وانما هناك شواهد عدة في الواقع تؤيده، منها على سبيل المثال تلك الخطوات التي اتخذت في أقطار عربية وإسلامية عدة، سواء لتقليل جرعة الثقافة الإسلامية في المناهج أو لإغلاق المدارس الدينية، أو ترحيل أبناء الاقليات الإسلامية الذين يدرسون في المعاهد والمدارس الدينية في العالم العربي.

ليس ذلك فحسب وإنما أصبحت الصحف العربية تنشر كتابات عدة تروج لمصطلح «الإرهاب الإسلامي» الذي ظللنا حينا من الدهر ننتقد الإعلام الغربي على استخدامه ونسوق مختلف الحجج للتدليل على الفساد في إطلاقه وتعميمه، حتى قرأنا لمن ادعى ان العمليات الإرهابية في زماننا لم يعد يقوم بها سوى المسلمين، في تجاهل مستغرب لممارسات بقية البشر من اتباع الديانات الأخرى، وفي ربط متعسف وغير مسبوق بين العقيدة الإسلامية والإرهاب.

في التعاليم الإسلامية الكثير مما يوظف في إجارة غير المسلمين، انطلاقا من النص القرآني، وان أحد من المشتركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله... الخ، لكن لم يخطر على بال أحد أن يحث المسلمون يوما ما على أن يجير بعضهم البعض باعتبار ان ذلك أمر مفروغ منه، حيث المسلم أخو المسلم، ووشائج المودة والتراحم التي تربط بين المسلمين تجعلهم كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، إلى غير ذلك من المعاني المستقرة في الإدراك الإسلامي منذ قرون، ولكن الدنيا تغيرت، حتى بتنا نتمنى في بعض الأحيان أن يعامل المسلمون في بلادهم معاملة أهل الذمة، في الالتزام بالبر والقسط اللذين أمر بهما القرآن الكريم. وصرنا نبحث في أمة محمد عمن يجير خمسة عشر مسلما يعانون من المهانة والذل في جوانتانامو في حين ينتظرهم الموت في الذي يحملون جنسيته.

لست أشك في إيجابية مشاعر المسلمين واستعدادهم لإغاثة كل ملهوف أو خائف في أمة الإسلام، ولأهل الخير في عالمنا العربي والإسلامي رصيد كبير على ذلك الصعيد يبيض صفحتهم، ويشرفهم في الدنيا والآخرة، لكن المشكلة ليست في مجتمعات المسلمين والخيرين فيها، ولكنها في جهات القرار وعناصر النخبة التي تملكها الخوف أو استسلمت لمشاعر النفور والمرارة من الإسلام وأهله، الأمر الذي يغلق الأبواب أمام البر والتراحم بين المسلمين، وهو ما حدث للأسف مع منظمات الإغاثة الإسلامية التي أغلقت أبوابها أو أجبرت على ذلك بدافع الخوف أو الحذر، الأمر الذي كان له أبلغ الضرر بقطاعات واسعة من فقراء المسلمين في آسيا وأفريقيا بوجه أخص ومن أسفي أن هؤلاء تركوا نهبا للجوع والتشرد والضياع وتسلمتهم المنظمات التبشيرية الغربية التي انتشرت في تلك المجتمعات، محاولة اقتلاع الإسلام من قلوب أبنائها، بمختلف الوسائل الماكرة التي نعرفها.

ترى، هل تستريح ضمائر أهل القرار في العالم الإسلامي إذا ما لجأ أولئك الصينيون في نهاية المطاف إلى كنيسة لتتولى أمر رعايتهم وتنصيرهم؟

المقلق في الأمر أن المشكلة ليست في هؤلاء فحسب، ولكنها أيضا فيما يلوح الآن في تخلي الدول العربية بخاصة عن دورها التاريخي في إغاثة المسلمين ونصرتهم، في حين تكالب الجميع عليهم واصبحوا أكثر أهل الأرض حاجة إلى الغوث والنصرة.