sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الثلاثاء، غشت 30، 2005

الانسحاب الإسرائيلي ما بين الاندحار والتكتيك

القدس العربي

الانسحاب الإسرائيلي ما بين الاندحار والتكتيك
2005/08/30
أسامة أبو ارشيد
ثمة مقاربتان لقراءة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وأربعة مستوطنات هامشية ومعزولة في الضفة الغربية. الأولي تفترض أن الانسحاب يمثل حالة اندحار للجانب الإسرائيلي، اضطر إليها هذا الأخير تحت ضربات المقاومة، وصلابة الشعب الفلسطيني، بل ويذهب بعض أنصار هذه القراءة إلي حد القول أن هذا الانسحاب، يمثل حالة تحرير، خصوصا في حالة القطاع، حيث تمّ تفكيك 21 مستوطنة وترحيل مستوطنيها كليا، ويقارنون بين هذا المشهد، ومشهد تحرير جنوب لبنان عام 2000. القراءة الثانية، تقول إن هذا الانسحاب تكتيكي، وإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، أرئيل شارون، قد نجح بذلك، في التخلص من جملة من الأعباء الكبيرة، التي يطرحها الاحتلال، خصوصا في قطاع غزة، وذلك مقابل مزيد من الاستيطان في الضفة الغربية وتعزيز القبضة الإسرائيلية عليها. وتقدم هذه القراءة أيضا، بعدا منطقيا آخر. فبتخلص إسرائيل من قطاع غزة، تكون بذلك قد أعادت عامل الديمغرافيا ليلعب مرة أخري لصالح الدولة العبرية، خصوصا وأنها قد تخلصت من عبأ أكثر من مليون وربع المليون فلسطيني هم سكان قطاع غزة.
في الحقيقة فإن كلتا القراءتين منطقيتين، ولكن ما قد يرجح إحداهما علي الأخري هو المسلك الذي ستتبعه السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة في المرحلة القادمة. فمن ناحية، ما كان لإسرائيل أن تنسحب من قطاع غزة لولا أن الظروف ألجأتها إلي ذلك. فالأمر ليس صحوة ضمير داهمت شارون فجأة. فشارون أبو الاستيطان،كما كان يوصف في الدولة العبرية، كان قد نهر صحفيا إسرائيليا مع تسلمه لرئاسة الوزراء مطلع عام 2001، وذلك عندما سأله عن إمكانية الانسحاب المستقبلي من قطاع غزة، مشددا علي أن ذلك يعني انهيار منطوق المشروع الصهيوني القائم علي التوسع والاستيطان. ففي مقابلة صحفية أجرتها صحيفة "هآرتس" العبرية في الحادي عشر من نيسان/أبريل 2001، مع شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي، المنتخب حديثا في ذلك الوقت، جاء الحوار كالتالي:
"* هل ستكون مستعدا، في إطار اتفاق عدم اعتداء، لأن تخلي مستوطنات؟
لا. وبأي ثمن. من أجل ماذا يجب إخلاء نتساريم؟ لماذا؟
* هل تري أن للمستوطنات المعزولة في قطاع غزة قيمة أمنية؟
قبل كل شيء إن لها أهمية صهيونية. يقولون لي: لماذا لا تخلي كفار داروم، مستوطنة كانت أقيمت سنة 1946، وهي صمدت وأعاقت تقدم الجيش المصري طوال عدة أيام حرجة سنة 1948، مع أن مساحة موقعها بكامله كانت 100*100 متر. إذن، من أجل ماذا يجب إخلاؤها؟ أنا لا أري سببا للإخلاء. أما إذا كنت تسأل عن نتساريم، فإن لنتساريم أهمية استراتيجية. فهي بنيت كجزء من المفهوم الداعي إلي إيجاد منطقة عازلة بين خان يونس وغزة، وإلي تمكيننا من الوصول إلي الخط الأخضر إلي شاطئ بحر غزة. ونتساريم ستمكننا في المستقبل من التأكد من عدم إفراغ أسلحة ثقيلة في ميناء غزة. إذ ليس مصادفة أن ميناء غزة يقع بالقرب منها، فإن لنتساريم أهمية أمنية كبيرة. إنها حيوية".
ولكننا نسمع شارون اليوم يتحدث بلغة أخري تتناقض مع السابقة، حتي أنه يخيل للمرء أن صاحبهما شخصان مختلفان، بل ومتضادان. ففي تصريح لصحيفة يديعوت أحرنوت العبرية في عددها الصادر يوم الجمعة (12-8-2005)، يقول إن "إسرائيل خرجت من غزة، لأنها أرادت أن توقف الثمن غير المحتمل، الذي تدفعه هناك". مضيفا إن "الحقيقة هي أن قطاع غزة لا يظهر في أي مخطط استيطاني أو سياسي في دولة إسرائيل". وأضاف يقول "كان واضحا لي منذ البداية أن العملية (الانسحاب من قطاع غزة) لن تمر بسهولة، لكن البقاء في غزة وكل ما يتعلق بذلك والثمن الذي ندفعه، كان يجب أن ينتهي". وتابع "كان لدينا حلم، لكن علي مدار 37 عاماً خلت، حدثت أمور كثيرة، وحقق المستوطنون إنجازات كثيرة، وكانوا يقودون الاستيطان والأمن.. فلولاهم لما كنا اليوم في الخليل وغوش عتصيون ومعاليه أدوميم وبناتها (من المستوطنات) وأرئيل وبناتها وعيلي وشيلو وبيت إيل"، وهي جميعها مستوطنات في الضفة الغربية. إذن من الواضح، أن المقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني هما من ألجئا شارون إلي أن يعيد حساباته، وأن يقدم هذا التنازل عن قطاع غزة. تذكروا أن شارون قدم لرئاسة الحكومة ببرنامج لخنق الانتفاضة خلال مائة يوم، ولكن الذي حدث أنه مرت مئات الأيام، وشارون والمقاومة كانوا يتناوبون الضربات. صحيح أن شارون شن حملة بطش وقتل وتدمير وترويع غير مسبوقة، ولكن الصحيح أيضا أن صمود الفلسطينيين فاق كل التوقعات والتصورات، بل إنه ورغم الحصار والقمع، إلا أن المقاومة الفلسطينية ابتكرت وسائل كثيرة.. من الصواريخ إلي الأنفاق في زلزلة الوجود الإسرائيلي الاستيطاني في قطاع غزة تحديدا.. مما جعل شارون يصل إلي حقيقة اسمها "الثمن غير المحتمل" للاحتلال، حسب تعبيره هو.
ولكن هذا التغيير في ميزان الحقائق، لم يمنع شارون من الخروج بمكاسب أخري، فكان الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون في الضفة الغربية، فضلا عن التقريظ الدولي، والمساعدات الإضافية التي تلقاها من الولايات المتحدة، والتي وصلت إلي مبلغ مليارين ونصف المليار دولار تقريبا مقابل الانسحاب. أيضا، كسب شارون بذلك مزيدا من الوقت لصالح الإبقاء علي العامل الديمغرافي في صالح الإسرائيليين اليهود. فتخلصه من الكتلة البشرية الفلسطينية الكبيرة في غزة، ستخنق، ولو لحين مخاوف قيام دولة ثنائية القومية ضمن جغرافية فلسطين التاريخية. فإذا أخذنا بالإحصائية الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، والصادرة يوم الأحد (15-5-2005)، أي مع حلول الذكري السابعة والخمسين لاحتلال فلسطين، فإن هناك أكثر من 3.7 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحوالي 1.1 مليون يعيشون داخل أراضي الخط الأخضر (المحتلة منذ عام 1948 والتي أعلنت الدولة العبرية إنشاءها عليها قبل 57 عاماً)، أي حوالي 4.8 مليون فلسطيني يتواجدون حاليا داخل حدود فلسطين التاريخية. وحسب لؤي شبانة، رئيس جهاز الإحصاء، فإنه من المتوقع أن يصل تعداد الفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، إلي حوالي 4.5 مليون نسمة في العام 2010، وذلك في ظل ارتفاع معدل الخصوبة والذي يبلغ 5.6 مولود لكل أم. فإذا أضفنا إليهم ارتفاعا آخر تقديري في صفوف فلسطيني عام 48 يقدر بحوالي 800.000 نسمة، زيادة علي تعدادهم الحالي، 1.1مليون، فإن المجموع الكلي سيقترب من 6.4 مليون فلسطيني سيكونون داخل حدود جغرافية فلسطين التاريخية عام 2010، مع ضرورة الإشارة إلي أن هذه الإحصائية لا تأخذ بعين الاعتبار أكثر من 5 ملايين فلسطيني يعيشون حاليا في الشتات، خارج فلسطين المحتلة، استنادا إلي ذات الإحصائية.
قارن ذلك بالمعطيات الإسرائيلية الرسمية في ذات الفترة الزمنية، وذلك بمناسبة "يوم الاستقلال" الإسرائيلي، (يوم أحيي الفلسطينيون الذكري السابعة والخمسين لاحتلال وطنهم في الخامس عشر من أيار/مايو 2005)، والتي بحسبها فقد وصل عدد اليهود في الدولة العبرية إلي 5.260 مليون نسمة. أي أن سكان فلسطين التاريخية من اليهود، يفوق عدد سكانها من الفلسطينيين في هذه المرحلة بـ 460.000 نسمة فقط. فالدولة ثنائية القومية متحققة عمليا، قبل تخلي إسرائيل عن قطـــاع غزة وكتـــلته البشــرية الكبيرة. أما معركة المستقبل ديموغرافيا، فإسرائيل خاسرة لا محالة.
إذن، واضح جدا أن الخط الفاصل ما بين النصر للفلسطينيين والمكتسبات للإسرائيليين دقيق جدا، ولا يمكن تحديده الآن، ولكن الزمن ومسلك الفلسطينيين في المرحلة التالية تحديدا، هما اللذان سيقرران.
لنكن واقعيين، الذي أرغم إسرائيل علي الانسحاب هي المقاومة، باعتراف شارون بـ" الثمن غير المحتمل" للاحتلال، وفي حين لم تنجح سنوات ست ويزيد، من السلام والهدوء والمفاوضات في إقناع إسرائيل في الانسحاب من قطاع غزة كليا، فإن أربع سنوات من الانتفاضة حققته. ولكن هذا الانسحاب، ليس تحريرا بمعني الكلمة، وهنا أخالف أصحاب القراءة الأولي. فإسرائيل لا زالت تسيطر علي المعابر، وتحكم سماء وبحر غزة، وهي فوق ذلك قادرة علي العودة متي شاءت، دع عنك ارتباط قطاع غزة اقتصاديا بإسرائيل، ويبدوا أن الفلسطينيين في نشوة الشعور بالنصر، نسوا أن قسما كبيرا منهم كانوا يعتاشون لعائلاتهم علي العمل في مستوطنات القطاع. وإذا أضفنا إلي ذلك اختلاف السلطة وفصائل المقاومة، علي حقيقة الدوافع التي حذت بإسرائيل للانسحاب، فإن الأمور تزداد ضبابية. فالسلطة تقول إن المفاوضات هي من أقنعت إسرائيل بالانسحاب، والمقاومة تقول إن التضحيات والعمل المقاوم هما من أرغماها (أي إسرائيل) علي الانسحاب. الأخطر من ذلك أنه يترتب علي هذا الجدل، أن السلطة بناء علي رؤيتها بأن المفاوضات والعملية السلمية هما سبب إقناع إسرائيل بالانسحاب، تري أنه لم تعد ثمة ضرورة لوجود فصائل فلسطينية مسلحة، ولا داعي لوجود المقاومة أصلا، وهو الأمر الذي ترفضه فصائل المقاومة، لاختلاف تأسيسها المنطقي لعملية الانسحاب، وأمام هاتين الرؤيتين المتعارضتين، فإننا قد نشهد في المرحلة القادمة-لا سمح الله-صداما فلسطينيا-فلسطينيا يكون ثمنه الضفة الغربية، التي لا يخفي شارون نيته اقتطاع معظمها وضمها لإسرائيل. أبعد من هذا وذاك، فضمن ذات السياق يبرز عامل آخر قد يكون سببا رئيسيا لجعل الانسحاب من قطاع غزة ضربة للجانب الفلسطيني تفقده معناه ونشوته. فما بين قابلية بعض دوائر السلطة للقبول بأي شيء، وإصرار بعض قادة المقاومة علي تحصيل كل شيء في هذه المرحلة، يضيع المشروع الوطني الفلسطيني المرحلي، ويجعل من هذا المشروع المنطقي والواقعي، المفترض وجوده، مشاريع كثيرة لسلطة وتيارات وفصائل، لا يجمعها ناظم، بقدر ما تفرقها حسابات خاصة أو طموحة، بعيدة كل البعد عن إدراك معطيات الواقع. فلا القبول بأي شيء، تصلح مشروعا يكافئ تضحيات الشعب الفلسطيني وإنجازاته والحقائق التي فرضها علي ساحة الصراع، ولا المطالبة بكل شيء في هذه المرحلة، يعد أمرا واقعيا.
مرة أخري إن ما سيحدد ما إذا كان هذا الانسحاب انتصارا أو تكتيكا إسرائيليا هو الموقف الفلسطيني القادم، خصوصا وأن شارون أعلنها صراحة أن قضية القدس والمستوطنات الكبري في الضفة الغربية وحق العودة ليست مطروحة علي طاولة المفاوضات. فإذا انشغل الفلسطينيون في جدل عقيم حول جدوي المقاومة أو التفاوض، يكون شارون قد حقق مبتغاه. صحيح أن شارون أعلن أنه لن يقوم بأي انسحاب آخر بعد الانسحاب الذي انتهي يوم الثلاثاء (23-8-2005)، ولكنه إن وجد مقاومة في الضفة الغربية، أو واجه انتفاضة فلسطينية أخري، فإنه قد يلحس كلامه، كما لحس كلام الأمس بالنسبة لقطاع غزة. في عالم السياسية لا يوجد شيء اسمه قطعي، بل ثمة موازين قوي، أما الأخلاق في هذا العالم فما هي إلا شعارات للزينة، لا محددات للفعل.
وكلمة أخيرة، بغض النظر عن أي القراءتين أدق، وأي المنطقين وراء الانسحاب الإسرائيلي أصح، فإن ثمة أمرا واحدا مؤكدا، وهو أنه علي المدي البعيد فإن هذا الانسحاب سيسجله التاريخ كبداية النهاية للمشروع الاستيطاني التوسعي الإحلالي الصهيوني، فإسرائيل اصطدمت بجدار الواقع اليوم، هذا الجدار، الذي يعرف حدودا جديدة لإمكانيات القوة العسكرية في مقابل إرادة الشعوب في الحياة والاستقلال. ولعله من المفيد هنا التذكير بتصريحات للنائب الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وزعيم حزب العمل، شمعون بيرز، لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، والتي نشرتها يوم الأحد (6-2-2005)، يعلن فيها نهاية الحلم بـ"أرض إسرائيل الكبري". يقول بيرز في تلك التصريحات: "أفكار إسرائيل الكبري وفلسطين الكبري لم تعد قائمة". وتابع يقول: "إسرائيل تفهم أنه يتحتم عليها التسوية.. لقد تنازلت عن فكرة أرض إسرائيل الكبري، وبات اليمين، أيضاً، يدعم اليوم، قيام دولة فلسطينية".
وكلمة أخيرة: إن دولة تعيد تعريف حدودها الجغرافية بناء علي معطيات من الأمن، هي دولة مهزوزة، مزعزعة الشرعية، وتعيش بلا أفق مستقبلي.

ہ كاتب ومحلل سياسي مقيم في واشنطن