sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الثلاثاء، غشت 30، 2005

عن الإسلام وأصول الحكم والتعامل: تأملات مؤلمة

القدس العربي

عن الإسلام وأصول الحكم والتعامل: تأملات مؤلمة

2005/08/30
د. عبدالوهاب الافندي
خلال جلسة أنس جمعتنا في عاصمة عربية هذا الشهر، طرح أحدهم بصورة عابرة سؤالاً كان له علينا وقع الصاعقة، تحديداً لأننا ظللنا نوجهه لأنفسنا باستمرار دون أن يكون لدينا جواب. تساءل الصديق قائلاً: لماذا تسود بين المسلمين مواقف وسلوكيات تتعارض مع أبسط متطلبات القيم والأخلاق، بينما نجد المجتمعات غير المسلمة يسود فيها التزام المبادئ الأخلاقية؟ لماذا ينتشر عندنا الفساد والطغيان وعدم احترام العهود والمواعيد، بينما نجد المجتمعات المتحضرة تخلو نسبياً من الفساد وتعيش الديمقراطية ويحترم فيها المواطنون تعهداتهم ومواعيدهم، ويدافعون عن حقوقهم مقابل استسلام المسلمين لكل طاغية وسارق؟ أليس لدي المسلمين، أضاف الصديق متسائلاً، مرجعية أخلاقية ودينية لو تمسكوا بها لكانوا أقرب إلي الأخلاق والفضيلة، وأبعد عن واقع الفساد والخذلان المهيمن؟
الصديق الفاضل وجه سؤاله إلي شخصياً، من باب حسن الظن، والاعتقاد المعقول أنني بحكم عملي الأكاديمي والإعلامي والسياسي، قد أكون قضيت وقتاً طويلاً في التفكير في هذه المسألة، وربما تكون لدي إجابة ما علي هذا التساؤل. وإذا كان الاتهام الأول صحيحاً، فإن الاستنتاج الثاني لم يكن صحيحاً، حيث أنه لم تكن لدي إجابة علي هذا السؤال الذي حيرني وغيري طويلاً. وقد اعترفت فوراً لمحدثي بهذه الحقيقة، وقلت له بصراحة إنه لا توجد لدي إجابة علي هذا السؤال رغم تفكيري طويلاً فيه. ولحسن الحظ فإن مسار الحديث تحول بسرعة إلي أمور أخري بوصول مشاركين جدد في الجلسة، وتم إنقاذي من هذه الورطة.
هذا لم يمنع بالطبع استمرار التفكير في هذه المعضلة في هذه الأيام التي يتهم فيها المسلمون بتهم شتي ـ ليست كلها باطلة للأسف ـ ويرمون بكل نقيصة. وقد تم تلخيص هذه الإشكالية قبل أكثر من قرن في المقولة الشهيرة المنسوبة للشيخ محمد عبده عن وجود إسلام بلا مسلمين في أوروبا، ووجود مسلمين بلا إسلام في ديار الإسلام. ومع هذا التشخيص برزت وصفتان لعلاج هذه المفارقة. الأولي تري أن الحل في خلق التصالح بين المسلمين ودينهم، بحيث تكون العودة للتمسك بصحيح الإسلام هي المدخل لاستعادة المسلمين لإسلامهم المفارق. أما الثانية فتري بالعكس، أن الوضع الأوروبي الذي توصل إلي خلق الإسلام الصحيح بدون وساطة المسلمين هو الذي ينبغي أن نصبو إليه ونتطلع. وهذا يكون تحديداً بالقطيعة مع الإسلام التقليدي لصالح إسلام أوروبا المتمثل في حداثتها العلمانية.
الذي لا شك فيه هو أن هناك إشكالية كبري في المقولة التي تفسر هذه المفارقة بتفسير تبسيطي مفاده أن المعضلة تتمثل في مجرد البعد عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، وأن مجرد التمسك بها سيحل المشكلة. وذلك أولاً لأن هناك خلافات حادة بين دعاة هذه المقولة حول مقومات هذه العقيدة الصحيحة . فما يراه ملالي إيران جوهر العقيدة الصحيحة يراه مشايخ السلفية في السعودية انحرافاً بيناً يكاد يبلغ درجة الكفر البواح، والعكس بالعكس. هذا إضافة إلي أن النتائج العملية لتمسك كل طرف من هذه الأطراف (ودعك هنا من شطحات الطالبان) كانت إلي حد كبير أحد مبررات السؤال الذي نعالجه هنا. ذلك أن ما يراه هؤلاء تمسكاً بقيم الدين يشكل عند الكثيرين مناط الشكوي، ويجسد المفارقة بين المثال المنشود والواقع المرفوض.
بل يمكن أن يضاف هنا أن أحد أهم إفرازات ما سمي بالصحوة الإسلامية هو بروز قوي وتيارات وأنظمة حاكمة تتذرع تحديداُ بتمسكها بقيم الإسلام وتمثيلها لها لتبرير ممارسات لا أخلاقية، وتجد العذر لنفسها في عدم التقيد بالأعراف الإنسانية والضوابط الأخلاقية في كونها في موقع دفاع عما هو أهم وأعلي شأناً. فعلي سبيل المثال نجد علماء دين ذوي مكانة يدافعون عن حق الحكام في سجن وقتل الذين يأمرون بالمعروف بالناس، وفي نهب أموال الأمة وتحويلها للمنفعة الخاصة أو استخدامها لمعونة أعداء الأمة، بالقول بأن الحاكم هو ولي الأمر المخول دينياً للتصرف في رقاب العباد ومال الأمة حسب هواه بلا رقيب ولا حسيب. وإذا كان كثير من هؤلاء القوم يعيشون واقع التناقض بين المثال والممارسة عملياً دون الاعتراف بها إلا مواربة مع التذرع بفقه الضرورات التي تبيح كل محظور، فإن البعض قد قدم تبريرات نظرية لهذه المخالفة رفعتها إلي مصاف الواجب الديني.
ولعل أبرز انجاز في هذا المجال كانت فتوي الإمام الراحل آية الله الخميني المشهورة التي فصلت مبدأ ما سمي بـ ولاية الفقية المطلقة ، وجاء فيها أن مبدأ إقامة الدولة الإسلامية هو المبدأ الديني الأسمي الذي ينبغي أن تخضع له أي قيمة دينية أخري، وأنه يحق للحاكم بصفته الولي الفقية أن يخالف أي حكم أو مبدأ في الشريعة الإسلامية إذا تعارض مع واجب حماية الدولة الإسلامية. وفي التعديل الذي أدخل علي الدستور الإيراني في عام 1989 تم تضمين هذا المبدأ مع تعديل اختصر الدولة الإسلامية في النظام الحاكم، وجعل مبدأ الدفاع عن النظام الحاكم ومصالحه ـ كما يراها الحكام أنفسهم ـ هو المبدأ الذي لا يعلو عليه مبدأ. ولعل المراقب البريء يكون معذوراً لو خلط بين هذا المبدأ الشرعي كما جسده الدستور الإيراني، وبين المبدأ المشهور المنسوب إلي المفكر الإيطالي نيكولو ماكيافيلي، والذي يري أن بقاء الحاكم في السلطة هو الغاية التي يمكن أن تبرر له كل فعل مهما كان شنيعاً ومستقبحاً.
من الممكن أن نري في هذا التبرير المكشوف للماكيافيلية باسم الاسلام ملامح من إجابة علي السؤال المحير، وهي أنه بدلاً من أن تكون الدعوة للعودة إلي أحكام الإسلام مدخلاً لمعالجة المعضلة المتمثلة في غياب التمسك بالقيم الإنسانية بين المسلمين، فإن الاتجاه السائد هو نحو اتخاذ التمسك بأحكام الإسلام ـ بل مجبرة الدعوة إلي ذلك ـ ذريعة للتحلل من كل قيم أخلاقية. ويظهر هذا في خطاب كثير من الحركات الإسلامية التي تدعو إلي التمسك بحرفية النصوص الإسلامية في مخالفة لروحها في كثير من الأحيان. وهذا مرض قديم عنـــــــد المسلمين، ظهرت أعراضه عند كثير من فئات المتنطعين، وعبر عن استهجانه فقيه الفقهاء عبدالله بن عباس حين استغرب تحرج البعض من قتل البعوضة بسبب الإحرام، وتجرؤهم علي استحلال دم الحسين رضي الله عنه!
مرض التنطع هو مرض ديني في الأساس، ولهذا نجد النص القرآني في مجمله عبارة عن نقد متصل لممارسات دينية منحرفة، سواء أكانت تلك ممارسات المشركين القائمة علي انحراف عقائدي، أو ممارسات أهل الكتاب التي تجمع بين الانحراف في التصور والانتقائية في الالتزام. وهكذا نجد القرآن ينتقد بشدة الانتقائية في تطبيق النصوص، ويعتبرها من الكبائر، ويرفض كذلك إخضاع القيم الأخلاقية الأساسية، مثل احترام العقود والمواثيق والالتزامات التعاقدية، لاعتبارات الهوية الدينية، كاستحلال اليهود التحايل لأكل مال غير المؤمنين بدعوي أن المؤمن غير مطالب باحترام تعهداته للمشركين والكفار.
الممارسات الإسلامية المعاصرة المرتبطة بالصحوة الإسلامية أعادت إنتاج هذا المرض الديني المزمن. فمن جهة نجد أنه يسودها الانتقائية في التزام النصوص، والانشغال بالجزئيات عن الكليات، كما يتجلي في اهتمام البعض بأمور هامشية مثل قيادة المرأة للسيارة أو الأجزاء التي تغطيها من وجهها، بينما هم غافلون تماماً عن تحول بلدان إسلامية بكاملها إلي قواعد عسكرية أجنبية للعدوان علي أجزاء من ديار الإسلام، وساكتون سكوت الشيطان الأخرس عن الظلم والطغيان والاستئثار بالمال دون المحتاجين إليه من الفقراء. وفي بلدان كثيرة نجد الدعاة الإسلاميين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا قام حفل راقص هنا أوهناك، أو إذا أذيع برنامج تلفزيوني أو نشرت مقالة لا يرضون عنها، دون أن يخطر لهم التساؤل عن شرعية الحكومات التي يلجأون وفي بلدان كثيرة نجد الدعاة الإسلاميين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا قام حفل راقص هنا أوهناك، أو إذا أذيع برنامج تلفزيوني أو نشرت مقالة لا يرضون عنها، دون أن يخطر لهم التساؤل عن شرعية الحكومات التي يلجأون إليها لمقارعة هذا المنكر. هذا مع أن الجميع يعلم أنه لا منكر أكبر من وجود واستمرار مثل هذه الحكومات.
من جهة أخري نجد الممارسات الإسلامية المعاصرة تتجلي فيها الكثير من الغفلة حول القيم الأساسية، مثل الصدق والحق والعدل والإحسان في التعامل مع الخلق. وهكذا يجيز البعض لأنفسهم الكذب والتضليل وتزوير الانتخابات ونهب الأموال بغير وجه حق بدعوي أن مصلحة الإسلام تستوجب مثل هذه الممارسات، وأن الضرورة تملي هذه الأعمال، علي منهج ليس علينا في الأميين سبيل . وهذا بدوره يؤدي إلي ربط الممارسات الإسلامية بكل منكر ماثل في انتظار العاقبة الموعودة بوضع مؤجل تزول فيه الضرورة ويصبح الالتزام فيه بالقيم ممكناً.
لهذا من الممكن أن يقال، رداً علي تساؤل صاحبنا، أن التمسك بالإسلام ، إذا كان يتبع هذا المنهج، لن يؤدي إلي إنهاء المفارقة الماثلة المتمثلة في التخلف الأخلاقي (دعك عن التخلف العلمي والتقني والسياسي والإداري، إلخ... إلخ...) عند المسلمين. بل بالعكس، إن اتباع هذا المنهج المقلوب السائد سيجعل من الدعوة للتمسك بأحكام الإسلام ذريعة إضافية لتكريس واقع التخلف والانحطاط الأخلاقي باسم الدين هذه المرة. فقد أصبح البعض يكذبون ويخادعون وينهبون بضمير مرتاح، بل بشعور قوي بأن ما يقومون به هو واجب ديني أسمي، وعمل خير يرجون ثوابه عند الله.
والمخرج هو في صحوة أخلاقية ـ دينية حقيقية، تستصحب المنهج القرآني الرافض للممارسات الدينية المضللة والمجتزأة، وتبدأ من فهم لا يري تعارضاً بين الالتزام بالأخلاق السامية واتباع أحكام الدين، بل بالعكس، تري أن الالتزام الأخلاقي هو المدخل لكل تدين صحيح، عملاً بالمبدأ القرآني الجامع: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي . فهذه المبادئ، مثل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المميز لأمة الإسلام والمعرف لها، يستصحب فهماً مسبقاً لهذه القيم. ولا يمكن أن يكون مقبولاً أن تصبح النصوص المجتزأة من سياقها والنظرة الضيقة مدخلاً لتحويل المنكر إلي معروف، والتشريع للبغي، والبعد عن كل عدل وإحسان. بمعني آخر، نحتاج إلي إعمال العقول والحس الإنساني السليم قبل قراءة النصوص، وإلا أصبحنا مثل الحمير تحمل أسفاراً تنوء بها الظهور وتنعدم بها المنفعة، إن لم يتأت كثير من الضرر