sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الثلاثاء، غشت 30، 2005

الدستور العراقي المقترح

الحياة

عيون وآذان (الدستور العراقي المقترح)

جهاد الخازن الحياة - 31/08/05//

اتصلت بالصديق عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، محتجاً. قلت انني كمواطن عربي أطالب بقمة تبحث في أوضاع العراق، وليس في الارهاب.

الأمين العام صحّح معلوماتي، وهو قال انه دعا الى قمة عربية للبحث في العراق، وما بعد الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة. وقد أضيف بند الارهاب في وقت لاحق، وفي ضوء الحوادث الارهابية في لندن وشرم الشيخ وغيرهما. وقد وافق الرئيس حسني مبارك على عقد القمة وعرض ان تستضيفها مصر.

وجدت الأمين العام أكثر اعتراضاً مني على الدستور العراقي المقترح، وتحديداً على النص الخاص بعروبة العراق، وهو قال بوضوح: "لا يمكن ان نوافق على الدستور العراقي الا اذا غيّر هذا النص". (وهذا أيضاً موقف الأخ عبدالرحمن العطية، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي).

وحكى لي السيد موسى انه اتصل محتجاً بالقادة العراقيين، وبالأميركيين والبريطانيين، ومسؤولين عرب، وأوضح انه لا يمكن الموافقة على تقسيم فيديرالي للعراق على أساس طائفي أو اثني، او على ربط علاقة العراق بالأمة عبر العراقيين العرب وحدهم، وليس البلد كله.

الدستور العراقي يلغي تاريخ العراق العربي وتراثه ودوره الراسخ، وهو يعكس تبادل منافع بين طرفين فيه، فالأكراد وافقوا على ما يريد الشيعة، في مقابل ان يوافق الشيعة على مطالبهم، والنتيجة ان الدستور يتحدث عن دولة إسلامية (شيعية)، ويحصر عروبة العراق في جزء من مواطنيه.

نعرف الآن ان الاعضاء السنّة في لجنة صوغ الدستور (15 عضواً من أصل 71) أصدروا بياناً مشتركاً يعتبر الدستور المقترح غير شرعي، ويطلب من الجامعة العربية والأمم المتحدة التدخل. وقال الاعضاء السنّة انهم سيحاربون في المحاكم المحلية والدولية وعبر الاستفتاء، وهو موقف أرجو ان يُلتزم فعلاً وقولاً، ومن دون لجوء الى السلاح أو أي ارهاب.

وثمة نصوص في القوانين التي كتب الدستور على أساسها تحمي حقوق الأقليات. وتحديداً، فهناك نص كتب في الأصل ارضاء للأكراد، الا انه يفيد السنّة كثيراً، يقول انه اذا رفضت ثلاث محافظات من أصل 18 محافظة في العراق الدستور المقترح بغالبية الثلثين يسقط الدستور. والسنّة غالبية أكيدة في ثلاث محافظات في الوسط هي: الأنبار وصلاح الدين ونينوى ويستطيعون إسقاط الدستور اذا اجتمعت كلمتهم من دون أي عنف يعقد المشكلات ولا يحلها.

في وضع مثالي، ما كان الدستور المقترح وضع أصلاً، الا ان أوضاع العراق أبعد ما تكون عن المثالية. والوضع الأنسب الآن ان يجد السنّة المعترضون تأييداً من بعض الشيعة، حتى لا تبقى المعارضة للدستور وقفاً على فريق دون فريق. ولعلّ الزعيم الشاب مقتدى الصدر ينصح مؤيديه الكثر بمعارضة الدستور، او بمساعدة المعارضة السنّية له، فمن شأن خطوة كهذه ان تحسّن العلاقات بين عرب العراق في وقت يطلب بعض القيادات المحلية حكماً ذاتياً أساسه تبعية للجمهورية الإسلامية في ايران.

ليست عندي مشكلة مع ايران، وقد أيدت دائماً حصولها على أسلحة نووية طالما ان اسرائيل تملكها، وقد دافعت دائماً عن "حزب الله" في لبنان كحركة تحرر وطني وسأظل على هذا الموقف. غير انني أصر على ان مرجعية الشيعة في العالم كله، بما في ذلك ايران والعراق، هي في النجف وليست في قم.

هذا موضوع ليوم آخر، أما اليوم فأبقى مع الدستور المقترح، وهناك ايجابيات كثيرة فيه، عن الديموقراطية والحريات الأساسية، والانتخابات وحكم القانون، واستقلال القضاء، وحلّ الميليشيات.

كنتُ أتمنى لو انني أستطيع ان أغلب التفاؤل، الا ان هناك تناقضاً في بعض النصوص، عندما تصطدم الحريات الأساسية بواقع الصبغة الدينية للدستور، وعندما يفسر خبراء الشريعة في المحكمة الاتحادية العليا القانون من منطلقاتهم الدينية، أو عندما تعطى المناطق التي تعرضت لبطش النظام السابق حصة من الدخل النفطي لبناء ما تهدم منها، مع ان الدخل يجب ان يبقى في يدي الحكومة الفيديرالية، وهي تقرر الأولويات. ثم ان منع الميليشيات قرار منطقي وسليم، ولكن لا أعتقد ان الميليشيات الشيعية في الجنوب أو البشمرغة في كردستان العراق، ستزول، وإنما سيكون التركيز على الوسط حيث لا ميليشيات مهمة، وإنما ارهاب. وأخشى ان تبقى الميليشيات على رغم النص الدستوري، فيما ينفذ نص آخر هو اجتثاث البعث، وكلنا يؤيد اجتثاث فلول نظام صدام، ولكن عندما بدأ اجتثاث البعث بعد سقوط صدام حسين، تولت العملية مجموعة من الموتورين الحاقدين الجاهلين بدخائل البلد لأنهم أقاموا طويلاً في الخارج، وكانت النتيجة اشتداد المقاومة للاحتلال، ثم بروز الارهاب الذي أدينه بالمطلق.

أزعم ان اجتثاث البعث كان في صلب انطلاق الارهاب، وأخشى اذا استمرت الممارسة الخاطئة ان تفيد الارهابيين مرة اخرى على حساب كل شعب العراق. وأعترف بأنني بدأت أشك بأن حلّ أجهزة الأمن وتسريح الجيش ضمن الخطة الأصلية لاجتثاث البعث كان قراراً متعمداً توقع الارهاب التالي واتخذ بهدف تدمير العراق في النهاية. وما يزيد من قلقي ان بعض الذين نفذوا برنامج اجتثاث البعث لا يزال في مواقع رئيسة في الحكم على رغم النتائج الكارثية لعمله في السابق.

اطلع من دوامة الشكوك لأرحب بتخصيص الدستور المقترح 25 في المئة على الاقل من مقاعد البرلمان للنساء. وكان هناك حديث عن ربط هذه النسبة بدورتين فقط للبرلمان، الا انه يبدو ان أنصار حقوق المرأة فرضوا رأيهم في النهاية على لجنة صوغ الدستور، فتركت نسبة النساء من دون ربطها بفترة زمنية.

غير انني أظل دون تفاؤل الرئيس جورج بوش، فهو يوم فشل المفاوضون العراقيون في الاتفاق قال انهم "يتحدون الارهابيين والمتشائمين بإنجاز العمل على دستور ديموقراطي"، ويوم قدمت مسودة الدستور من دون اتفاق كان لا يزال يطالب باتفاق ويتوقعه، وينتظر ان يقبل الجانب السنّي دستوراً يلغي العراق كما نعرفه.

وهكذا فالرئيس بوش متفائل، وأنا متشائم، وعمرو موسى غاضب، وليتنا نعيش في عالم الرئيس لنرتاح ونريح.