sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الثلاثاء، غشت 30، 2005

الدستور العراقي وديموقراطية الأرقام الناقصة

الحياة

الدستور العراقي وديموقراطية الأرقام الناقصة

علي السعدي الحياة - 28/08/05//

الانتخابات التي جرت في العراق، كانت منقوصة الشرعية، لأن فئة من الأحزاب والهيئات السياسية إرتأت مقاطعتها ساحبة تلك المقاطعة على بعض المكونات العراقية، وإذا لم تشارك هذه القوى في اي عملية جارية، فان كلمة «منقوصة» ستبقى ملازمة لتلك العملية، أيا كان مقدار نجاحها ونسبة المشاركين فيها. ذلك هو محتوى خطاب الجهات المقاطعة، وهو رأي ديموقراطي لا غبار عليه، إذا بقي في إطاره الحضاري ولم يتحول دعوة مفتوحة الى عرقلة بناء العراق الجديد بأي ثمن، وعلى رغم إنكشاف عدم الدقة في تلك المقولة، بدليل أن العالم بأكمله اعترف بنتائج تلك الانتخابات ولم يعتبرها منقوصة الشرعية، اذ بقي الطعن فيها مجرد رأي سياسي لمن يتبناه، فان الإشكالية ذاتها بدأت تطل برأسها من جديد، مع البدء بكتابة مسودة الدستور، فقد أعيدت حكاية «الشرعية المنقوصة» التي لن تكتمل الا إذا أسبغتها عليها هذه الجهة السياسية او تلك، بإعتبارها صاحبة الكلمة الفصل.

مما لا جدال فيه ان الدستور ملك العراقيين بكل مكوناتهم، وعليه فمن الطبيعي – وبل والضروري – ان يساهموا جميعاً في كتابته كما في إقراره. وبالتالي يشكل التقيد بما تضمنته مواده المتنوعة، المصدر الوحيد للشرعية التي تحتكم اليها كافة السلطات والأفراد على حدّ سواء، واي خروج عما جاء في الدستور يمثل خرقاً تنبغي معالجته وتصحيحه من قبل الهيئات المولجة بذلك قانوناً. لكن ماذا سيفعل العراقيون، في حال وقفت جهات معينة، بالضد من توجه كهذا؟ بل وعملت على مناهضته وإجهاضه؟

لا شك في أن التوافق مسألة ترتقي الى مستوى الضرورة، خصوصاً في بلد كالعراق ما زال يعيش كل تلك الإستثناءات. لكن الحديث عن التوافق، يستلزم وجود أطراف ترتبط بأهداف ومنطلقات عامة، لتبحث من ثم عن أنسب الصيغ والوسائل، التي تتقاطع فيها ومن خلالها، جلّ المصالح المشتركة لمختلف الأطراف. وبغياب تلك العناوين، يصبح الحديث عن التوافق كالغناء في الطاحون لا يسمعه أحد.

الفرز في العراق اليوم، باتت معالمه واضحة بما يكفي لرسم خريطة القوى المتواجهة، فهناك اولاً عموم فئات الشعب العراقي التي سئمت ذلك الموت والدمار المتواصل الذي جعل العراق واحدا من اكثر الدول تخلفاً وإنهيارا، وبالتالي فهي تبحث عن إقامة بلد آمن يكون لها الرأي الأول في بنائه والمحافظة على إستقراره.

يقف بالضد من ذلك، تلك القوى التي إنتهجت العنف والقمع سبيلاً وحيداً لـ»التوافق» بالقوة، وهي تستمر اليوم في السلوكية ذاتها كوسيلة وحيدة لاستعادة نفوذها المتمثل بإعادة الديكتاتورية الى العراق. وقد وجدت لها سنداً في الإرهاب الذي بات وباء العصر، فوفرت له الغطاء والمساندة المادية والمعنوية ليستمر في إرتكاب مذابحه ضد العراقيين، بإعتبار أن إستمرار تلك الأعمال الإرهابية وبما تحدثه من تاثيرات في كل مرافق الحياة، سيجعل العراقيين يترحمون على ايام الطاغية، وربما قبلوا بإعادته لإيقاف نزيف الدم، طبقاُ للحسابات المعبر عنها في بيانات وتصريحات وتحركات تلك القوى.

عضّ العراقيون على جراحهم وكتموا آلامهم من أجل أن يبنى العراق الجديد، ومدوا أيديهم حتى الى الجماعات التي طالما إستخدمت أداة لقمعهم، لكن هؤلاء إستمروا في مراهناتهم الدامية مانعاً إياهم خطأ الحساب عن رؤية حقيقة المتغيرات التي حدثت وتحدث، ثم جاء موعد الإنتحابات، ويومها لم يتركوا سبيلاً لم يسلكوه من اجل تعطيلها أو التشكيك بنتائجها، لكن ذلك لم يجد نفعاً، ومرة أخرى تسامى العراقيون ودعوهم للمساهمة في بناء العراق وترك ما يقومون به من أعمال باتت هويتها وإستهدافاتها اكبر من أن يخفيها ثوب «المقاومة» ، إذ يكفي النظر الى أعداد الأطفال والأبرياء من ضحايا التفجيرات واعمال القتل العشوائي، حتى تدحض مقولات أولئك الذين يستنفرون كل إدعاءاتهم، من أجل التغطية على تلك الجرائم. لكن الطبول ظلت تقرع منادية بالويل، وتركز خطاب الكراهية والتحريض وإثارة النعرات عند تلك الفئات الحزبية التي لا تنتمي سوى الى مصالحها، فتارة ترفع رايات القومية، وطوراً تتمترس وراء الطائفية، في وقت تطلب وساطة بعض الأنظمة، وتفتح حواراً مع المحتل، بل وترسل بعض مندوبيها الى كل مكان للبحث عما يفيدها بتغيير المعادلة، والخلاصة أن تلك الفئات الحزبية والسياسية، تضع ثلاثة أقدام في البور وقدم واحدة في الفلاحة، وهي مع ذلك قدم غير ثابتة، فمع من يمكن التوافق؟

الحديث عن الفيديرالية، يشكل بيضة القبان. فقد مرت أحوال وظروف كانت محافظات بأكملها تعوم على بحيرات من البترول، وعلى رغم ذلك، يظن من يراها انها مدن من القرون الوسطى، فثرواتها كانت تهدر على قصور صدام وحروبه العبثية ، وعلى شراء الذمم الإعلامية والسياسية لجماعات مجدت النظام على حساب العراق، ومازالت تبارك قتل العراقيين و»تبشر» بقرب العودة المظفرة لرأس النظام. ولا بد انه مخاض عسير ما زال على الديموقراطية الوليدة في العراق مواجهته، فقوائم المتضررين تزداد طولاً، ومثلها قوافل الشهداء، حيث العبء الاكبر في المعركة ضد الإرهاب بات يتحمله الشعب العراقي.

* كاتب عراقي.