sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

الدستور العراقي والطريق الطويل نحو الاستقرار والحرية

القدس العربي

الدستور العراقي والطريق الطويل نحو الاستقرار والحرية
2005/08/31
د. سعيد الشهابي
يمكن النظر الي ما يجري في العراق حول كتابة الدستور من زاويتين: يائسة ومتفائلة. فاليائسة تري ان الصراع المتواصل بين الفرقاء الرئيسيين حول نصوص هذه الوثيقة تعبير عن سوء الاوضاع والتناحر الطائفي والعرقي ومؤشر علي ان العراق سيظل متوترا، وقد ينتهي الامر به الي التشطير. ويذهب بعض أصحاب هذه النظرة الي حد التنبؤ بحرب أهلية طاحنة لن تتوقف رحاها حتي يتقسم العراق. كما يقول بعضهم ان الدستور غير شرعي لانه يكتب تحت الاحتلال، بل يصفه البعض بانه أمريكي . اما النظرة المتفائلة فتري ما يحدث مؤشرا علي حيوية الشعب العراقي، وان التسابق من قبل الاطراف الرئيسية علي تحقيق مكاسب دستورية محددة يعكس حالة طبيعية، وان هذا ما سيحدث في اي بلد آخر يسمح لشعبه بكتابة دستور بلادهم بحرية، فكل تيار سوف يسعي لبلورة اتجاهه ورغباته ومنطلقاته الايديولوجية او السياسية في مواد هذا الدستور. ويري اصحاب هذه النظرة ان كتابة الدستور في هذه الاوضاع لا يفقده قوته وشرعيته، ما دام كاتبوه منتخبين من قبل الشعب. ويدلل اصحاب هذه النظرة علي الموقف القوي من ممثلي الطائفة السنية ازاء بعض الاطروحات خصوصا الفيدرالية، ومشاركة الاطراف التي لم تشارك في الانتخابات السابقة في مطلع العام، بشكل فاعل في مساومات الساعات الاخيرة. وبالرغم من تكرار تأجيل عرض المسودة الكاملة والنهائية علي المجلس الوطني لاقرارها، يري المتفائلون ان ذلك يعود لحيوية المشاركة والشعور بأهمية هذه الوثيقة التي سوف تحكم عراق المستقبل، وان الانتهاء منها واقرارها من قبل الجمعية الوطنية حسمت الموقف ولو مؤقتا.
كتابة الدستور العراقي، برغم انها تحدث في ظل الاحتلال الانغلو ـ امريكي، ظاهرة غير معتادة في العالم العربي. فمتي كان هناك استفتاء علي دستور كتبه اعضاء منتخبون من ابناء البلاد في اي بلد عربي؟ وربما اجريت استفتاءات علي تغييرات محدودة في الدستور الاردني والمصري، بناء علي رغبة الحكام لتحقيق رغباتهم ودعم مواقفهم، بعيدا عن الارادة الشعبية الحقيقية والاجواء المفتوحة. وآخر هذه الاستفتاءات ما جري في مصر مؤخرا للسماح بترشيح منافسين للرئيس، ولكن بشروط اعتبرتها المعارضة تعجيزية. الاقتراحات الدستورية جاءت بعد ضغوط امريكية لتوسيع دائرة المشاركة السياسية في مصر بعد ان تصاعدت الاصوات المنددة بالسياسة الامريكية الداعمة للانظمة الاستبدادية والقمعية في المنطقة. وشهدت مصر وضعا أمنيا متوترا، حيث اعتقل المئات من اعضاء حركتي الاخوان المسلمين وكفاية، وهما الحركتان الاساسيتان المطالبتان بتنحي الرئيس عن منصبه. وجاء اقرار تعديل المادة 76 من الدستور، في نظر المعارضة، ليكرس سلطة الرئيس بدلا من تخفيفها، برغم معارضة كافة التيارات والاحزاب السياسية لمبدأ الرئاسة مدي الحياة .
وكانت الجزائر قد سعت لتشريع اوضاعها بتعديلات علي الدستور الاول الذي وضع في 1963 بعد التحرير مباشرة، والذي حصر الوجود السياسي بجبهة التحرير الوطني، ولكن علق العمل به في 1965، وبقيت الجزائر تحكم بدون دستور طوال العقد التالي. وفي 1976 تمت صياغة مشروع الميثاق الوطني والدستور الجديد، ثم أقرّا عن طريق استفتاءات عامة. وأعاد الدستور الجديد التأكيد علي الالتزام بالاشتراكية. كما أعلن جبهة التحرير الوطني الحزب السياسي الشرعي الوحيد في البلاد. وتم تعديل دستور 1976 في الأعوام 1986 و1989 و1996. وأكدت تعديلات 1986 مجددا علي احتكار جبهة التحرير الوطني للعمل السياسي في البلاد، لكنها وسعّت دور القطاع الخاص وقللت من التزام النظام بالاشتراكية. وأنهي دستور 1989 المعدل ذلك الالتزام وألغي احتكار جبهة التحرير الوطني للعمل السياسي. تم تعليق الدستور في سنة 1992 وأعيد تعديله في سنة 1996. وتنص تعديلات 1996 التي أقرت باستفتاء عام علي قيام سلطة تنفيذية قوية برئاسة رئيس الجمهورية. ويتولي رئيس الجمهورية، الذي يجوز إعادة انتخابه بالاقتراع الشعبي لولاية ثانية مدتها خمس سنوات، وتعيين رئيس الوزراء الذي يتولي بدوره تعيين أعضاء وزارته. وهكذا يبدو الدور الشعبي الفاعل في صياغة الدساتير العربية غائبا.
ما الجديد في الدستور العراقي؟ ثمة عوامل عديدة تضفي علي الدستور العراقي اهمية يؤكدها هذا التنافس المحموم علي صياغة مواده من قبل الفرقاء بما يحمي مصالحهم. اولها انه يأتي بعد مخاض عسير حول المشاركة في انتخابات المجلس الوطني المخول كتابة الدستور، وبعد الطوفان السياسي والعسكري الذي ضرب البلاد في 2003 وأسقط النظام السابق وأحدث واقعا سياسيا جديدا في أكبر بلد عربي مشرقي. وثانيها: ان كتابة الدستور يأتي في ظروف قلما تمر ببلد آخر، فالعراق واقع تحت الاحتلال الانغلو ـ امريكي من جهة، ويعاني من وضع أمني مضطرب يحصد أرواح الابرياء بشكل يومي، ويواجه شبح الحرب الاهلية والتقسيم وفق خطوط عرقية ومذهبية. وثالثها انها المرة الاولي في العقود الاخيرة التي يسمح لشعب عربي فيها بانتخابات هدفها الاول كتابة دستور دائم للبلاد، بأطر توافقية، بعيدا عن املاءات جهة دون غيرها، وبالتالي، سيكون، في حالة اقراره، معبرا عن رغبة الاكثرية الساحقة من الشعب العراقي. ورابعها ان الاطراف المشاركة فيه سوف تحصل علي القدر الادني من تطلعاتها، اذ ان علي كل منها ان يتنازل عن سقفه السياسي ليتوافق مع الآخرين، وهذا هو عنوان التحدي: فهل سيكون هذا القبول بالحد الأدني عامل استقرار ام توتر في المستقبل؟ وخامسها ان كتابة الدساتير ليست ظاهرة معتادة في العالم العربي في العقود الاخيرة، اذ تحولت الحكومات عموما الي انظمة ديكتاتورية واستبدادية، ترفض مبادئ المشاركة الشعبية الحرة والتعددية وتبادل السلطة والمحاسبة والرقابة وفق ثوابت دستورية.
هذه العوامل مجتمعة تجعل التجربة العراقية فريدة من نوعها في المنطقة، وستكون ذات أثر كبير علي الصعيد الاقليمي خصوصا اذا نجم عن كتابة الدستور قيام حكم مستقر بمشاركة كافة الاطراف، وانسحاب القوات المحتلة بشكل كامل، واسترجاع السيادة الوطنية كاملة من قبل الشعب العراقي وممثليه. وليس مستحيلا ان يتحول العراق، وفق النظرة المتفائلة، الي انموذج متحضر يحتذي به الآخرون، ويتحركون لمحاكاته خصوصا اذا تخلص من اعباء الاحتلال. وبعيدا عن هذا التفاؤل الواسع، ما تزال المخاوف من تدهور تلك التجربة ماثلة في اذهان اهل العراق وجيرانهم والعالم، وليس مستبعدا حدوث انتكاسة تؤدي تدريجيا الي فشل التجربة وتفكيك العراق، في حال عدم القدرة علي الاتفاق علي دستور توافقي. وقد أصبحت العلاقة بين وحدة العراق ودستوره تلازمية، وأصبح الدستور العامل الاقوي في الحفاظ علي وحدة العراق او تفككه. وبالرغم من الصعوبات التي تواجه هذه الوثيقة التي طال انتظارها ليس من قبل العراقيين فحسب، بل من جميع الاطراف المعنية بالشأن العراقي، خصوصا الامريكيين، فانها تؤكد ضرورة التوافق بين مكونات الشعب العراقي لبدء صفحة جديدة وتطوي صفحات الماضي بمرارته. وفي ظل هذا الوضع اصبح العراق ساحة تجارب مفتوحة. فالامريكيون لديهم اجندتهم الخاصة في هذا البلد. فهو الساحة الاساسية لما أسموه الحرب ضد الارهاب ، بعد ان استطاعوا استدراج المجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة الي ارض الرافدين، ودخلوا في مواجهات متواصلة معها، وقلصوا فرص نقل الصراع الي العواصم الغربية. واذا كانت تفجيرات لندن خروجا علي هذه القاعدة، فانها في الوقت نفسه كثفت الضغوط الامنية والاستخباراتية ضد المجموعات المسلحة، لاعادتها الي حالة الحصار التي فرضت عليها في العراق. ومن وجهة نظر واشنطن، ليس هناك خيارات كثيرة في المواجهة مع المجموعات الارهابية، ولا يمكن السماح لها بتوسيع وجودها خارج هذا البلد. كما ان التجربة السياسية العراقية اصبحت هي الاخري عنوانا لتحد آخر يرتبط بالمشروع الامريكي الذي طرح لتبرير الحرب ضد العراق تارة، واخري لعلاج احد اسباب الظاهرة الارهابية وذلك ببدء تجربة ديمقراطية لمنع الاحتقان السياسي الذي يؤدي الي التطرف والعنف.
في الوقت نفسه يراقب جيران العراق ما يحدث فيه من تطورات دستورية وديمقراطية، وهم في هذا بين الامل والوجل. فهم يأملون في بقاء العراق موحدا ولكن بقوة عسكرية ضعيفة ومحصورا في اطره الايديولوجية والسياسية بحدوده الجغرافية، ويأملون ايضا ان لا تتواصل الازمة فتخترق حدودهم لتطال الوجودات العرقية والقومية والمذهبية لديهم. ولكنهم وجلون ايضا من ان يطالبوا بالتعاطي مع استحقاقات التجربة السياسية العراقية في حال نجاحها. فالمسألة الدستورية واحدة من القضايا الحساسة في منطقة لا تتوفر فيها مقومات الممارسة السياسية الحديثة، ومنها الممارسة الديمقراطية المؤسسة علي دساتير عصرية تعاقدية. والواضح ان الدستور العراقي، برغم انه كتب في ظل الاحتلال، يمثل، في حال اقراره في الاستفتاء المقرر في منتصف اكتوبر المقبل، تعاقدا بين العراقيين بكافة اعراقهم واديانهم ومذاهبهم. فهو ليس وثيقة مفروضة علي شعب العراق من أحد، بل كتبه العراقيون انفسهم، ولن يصبح ساري المفعول الا اذا أقره عامة الشعب في الاستفتاء المزمع. هذا لا يعني ان هذا الدستور سوف يحقق جمهورية افلاطون في هذا البلد الذي ابتلي بالحروب والتوتر الداخلي لعقود، ولكنه، برغم الاصوات التي تتعالي ضده، يمثل رغبات أغلبية شعب العراق، ويحقق، اذا ما طبقت مواده مستقبلا، توزيع السلطة والثروة بشكل متساو بين المواطنين. والأهم من كل ذلك انه لا يسمح باستبداد حاكم او فئة او عرق او مذهب بل يعطي الاكثرية نصيبها في الحكم والادارة بشكل متوافق مع الاقليات.
باقرار مسودة الدستور من قبل اللجنة التي كلفت باعداده، وهي تمثل كافة الاطياف العراقية، واقراره من قبل الجمعية الوطنية اصبح الوضع مهيأ للاستفتاء الشعبي العام عليه في منتصف اكتوبر. ويصعب التكهن بنتيجة ذلك الاستفتاء، خصوصا مع اعتراض شريحة كبيرة من المسلمين السنة علي بعض مواده، خصوصا في ما يرتبط بالفيدرالية والموقف من النظام السابق وعناصره. ولذلك فمن المتوقع ان تكون المشاركة الشعبية في الاستفتاء كبيرة جدا، خصوصا مع تأهب كل فريق للتعبير عن موقفه ازاء الدستور اقرارا او رفضا. فقد دعا آية الله السيد علي السيستاني العراقيين للمشاركة في هذا الاستفتاء، وهذه الدعوة من شأنها ان تكثف المشاركة بشكل واسع. ودعت الاحزاب الكردية والسنية والشيعية أتباعها للمشاركة، مع اختلاف واضح في اتجاه كل منها. ومهما تكن نتيجة الاستفتاء، فهي ظاهرة فيها الكثير من الايجابية، لانها تكريس لمبدأ التعاقد بين مكونات الشعب العراقي بشأن مستقبل بلادهم السياسي، والقضاء علي الاستبداد والديكتاتورية وحكم الفرد او الحزب الواحد، وتسيير شؤون البلاد وفق قاعدة التوافق وليس الفرض او الاكراه، كما هو الحال مع انظمة الحكم في اغلب الدول العربية. فالمسألة الدستورية لا تنفك عن المسألة الديمقراطية، وما لم تتجسد ارادة الشعوب في دساتير عصرية تعبر عن رغباتها وتنظم دورها في المشاركة السياسية والتشريع وتبادل السلطة فسوف يبقي الوضع العربي محكوما بالاستبداد. هذه الحقيقة تدركها النخب العربية، وتناقشها في ندواتها ومؤتمراتها، كما حصل يوم السبت الماضي في ندوة الدراسات الديمقراطية في العالم العربي التي عقدت في اكسفورد برئاسة الدكتور علي الكواري. الاشكالية الاساسية في المشروع الدستوري العراقي انه يتم تحت الاحتلال، وهي اشكالية كبري، ولكنها ليست حاسمة طالما بقي التفويض بأيدي العراقيين انفسهم بدون تدخل مباشر من الاحتلال في الصياغة او التوجيه. فالدستور لا يقر الاحتلال، بل يعتبر العراق دولة كاملة السيادة، ويؤكد انتماءه للاسلام والتزامه باحكامه بحيث لا يسمح بتشريع يخالف تلك الاحكام، وان الشعب مصدر السيادة والحكم. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الاصوات لانهاء الاحتلال، فمن الضروري ايضا دعم قيام نظام دستوري يمارس الديمقراطية ولا يقر الاستبداد او الديكتاتورية
.