sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

المغرب: إعادة انتاج المشهد ذاته!

القدس العربي

المغرب: إعادة انتاج المشهد ذاته!
2005/08/31
إدريس ولد القابلة
يبدو، وبجلاء، أن المشهد السياسي والحزبي المغربي لازال مقيدا بالعديد من المعوقات والمقومات السياسية والدستورية والتشريعية والادارية، تجعل المجتمع المغربي يكرس،من حيث لا يدري ومن حيث يدري، جملة من آليات إنتاج وإعادة انتاج نفس الأنساق السياسية القائمة، وذلك بفضل فاعلين ونخب جديدة، وبتأسيس لتجارب تتمظهر كأنها، علي الاقل خطابا ومظهرا، قطعت قطعا كليا مع التجارب السياسية السابقة في إدارة وتدبير الشأن العام والتعاطي معه، وبذلك قد يُعتقد أنه هناك تأسيس لتجربة نوعية جديدة مغايرة. لكن علي أرض الواقع المعيش يتبين وبجلاء أن هناك استمرارية بل أكثر من ذلك فالمرء في المغرب يشعر وبالملموس كأن التاريخ المغربي يعاد وقد يبدو وأنه مستنسخ في أكثر من قضية حاسمة. و يري أغلب المحللين السياسيين أن أسباب الانحصار السياسي واختناقه ترجع إلي غياب الإرادة السياسية الفعلية لدي السلطة في المغرب، في إعادة التعاطي مع مبدا اقتسام السلطة علي قاعدة الديمقراطية بمفهومها الكوني. لاسيما وأنه تأكد بما لايدع أدني مجال من الشك أن التطورات السياسية التي عرفها المغرب وعبر كل التجارب الانتخابية والاستشارية لم تؤد إلا إلي ديمقراطية مشوهة وغير متوازنة لأن السلطة في المغرب غير قابلة للتداول وأن الانتخابات تجري بدون رهانات سياسية واضحة، ولا تشكل بتاتا مجالا للتباري أو التنافس الديمقراطي حول البرامج والمشاريع المجتمعية. وبالتالي لا يمكن أن يسفر عن ذلك، سوي أجهزة متجاوزة قبل شروعها، جهاز تنفيذي ضعيف، ومجرد من الصلاحيات التنفيذية الحقيقية، ولا دور له إلا الحرص علي تطبيق القوانين، ومما زاد من تهميش الحكومة في ظل العهد الجديد، تلك السلطات الواسعة التي منحت للولاة والعمال علي المستويين الاقتصادي والسياسي.
و يقول المتخصصون في القانون الدستوري وكذلك المحللون السياسيون أن عدم اعتماد الفصل الحقيقي للسلطات، وتمركزها في يد المؤسسة الملكية، أعطي لحكم هذه المؤسسة سلطة مطلقة، أصبح معها الملك، وفقا لمنطوق الدستور، له صلاحية تعيين الوزير الأول دون التقيد بما يسفر عنه الاقتراع في الانتخابات (وهذا ما أوضحه تعيين إدريس جطو علي رأس الحكومة بعد انتخابات 27 شتنبر 2002). كما يمنح الدستور الملك صلاحية وضع حد لمهامه، ومهام الوزراء، لأن الحكومة مسؤولة أمامه قبل أن تكون مسؤولة أمام البرلمان و هذا ما ينص عليه الفصل 60 من الدستور المغربي، وبذلك تصبح الحكومة تحت الإمرة، والسلطة ذات رأسين من الناحية الشكلية والمظهر، لكنها ذات رأس واحد من الناحية الفعلية والعملية وبذلك ينتفي دور الوزير الأول المعين.
و اعتبارا لهذا الوضع اهتم البعض بمحاولة ترصد المنحي العام لمستقبل المغرب وقد انفرزت جملة من الرؤي ذات مسارات متباينة. ولعل من الاحتمالات التي قد تؤيدها صيرورة تطورات بعض العوامل البارزة حاليا، هو احتمال سير المغرب نحو نظام حكم شمولي يجد مرتكزه في المشروع المجتمعي الأصولي، الذي يتغذي ويتطور من فشل المشروع الديمقراطي، والذي يزيد من تقويته الفشل الذريع والساطع لتجربة التناوب السياسي والتراجع الكبير للكتلة الديمقراطية بالبلاد، وكذلك منحي تردي الأوضاع الاجتماعية والمعاشية العامة لأوسع فئات الشعب المغربي. إلا أن هذا الاحتمال قد تقلصت إمكانية حدوثه بفعل أحداث 16 ماي الارهابية بالدار البيضاء، والتي أول ما فرضته هو تفكيك البنية السياسية للاتجاهات المتشددة والمتطرفة، وسرعت، بشكل ملفت للنظر، بالإدماج الكلي للاتجاهات المعتدلة، وعلي رأسها حزب العدالة والتنمية في نسق النظام السياسي، وتراجع اتجاهات أخري علي صراعها البين علي السلطة وعلي رأسها جماعة العدل والاحسان بقيادة عبد السلام ياسين. وكل هذا ساهم في سيادة نوع من الخوف لدي عموم المواطنين مما يمكن أن يؤدي إليه المشروع الأصولي.
والمنحي الثاني يتجه نحو ابقاء علي الوضع السائد علي ما هي عليه مع إمكانية التراجع إلي الوراء علي بعض المكتسبات المحققة وبعض التطورات التي عرفها المغرب. وفي أفضل الحالات الرجوع إلي نمط تيكنوقراطي في التدبير والاعتماد علي خطة وضع وزير أول تيكنوقراطي علي رأس الحكومة مهما كانت نتائج الاقتراع. وبالموازاة مع ذلك الاستمرار في الاعتماد علي المؤسسات غير الدستورية (الصناديق والمؤسسات الخاصة المرتبطة بالقصر)، تقوم به ما كان من المفروض أن تقوم به حكومة فعلية. علما أن المؤسسات غير الدستورية تشتغل بمال الشعب لكن خارج مسؤولية الحكومة لكونها ترتبط مباشرة رأسا بالمؤسسة الملكية، كما أنها غير خاضعة للمراقبة التنفيذية والتشريعية. وقد تقوي هذا المنحي بفعل اتخاذ العديد من الاجراءات والتدابير، وسن الكثير من القوانين المقلصة فعلا وفعليا من مساحة المجال المدني والحريات لفائدة المجال المقدس والإقرار بالمزيد من الخطوط الحمراء، كقانون محاربة الارهاب وكقانون الصحافة ومشروع قانون الأحزاب. وقد تمكن تعميق هذا المسلسل بفعل أحداث 16 ماي التي تمخض عنها قانون الارهاب، الذي قوي، وبشكل قوي، من عنصر الهاجس الأمني الذي يعتبر ثابتا من الثوابت السياسية للقائمين علي الأمور بالبلاد، وما ترتب عن ذلك من تقليص مجال الحريات والتجاوزات الأمنية التي رافقت تلك الأحداث والتي تم الاعتراف بحدوثها بما لا يترك أي مجال من الشك.
وبخصوص المنحي الثالث وهو ما يطمح إليه أغلبية المغاربة فهو نظام حكم ديمقراطي حقيقي. إلا أنه وبشهادة الجميع أن هذا المشروع غير قابل للتحقق في المدي المنظور. ومما يقوي هذا الشعور الفشل الكبير لتجربة التناوب التي خرجت منه أحزاب الكتلة الديمقراطية مفككة، والتي مازالت إلي حد الآن لم تقو قطعا علي تحقيق ولو الجزء اليسير من ما تسميها الحد الأدني من مشاريعها وبرامجها، بل هي الآن لا تسعي إلا إلي البحث عي كيفية مواجهة التصدعات السياسية والتنظيمية التي تنخرها. وقد زادت من تكبيل أفقها بإسقاطها لمطالب الاصلاحات الدستورية من حسبانهاو من أجندتها الراهنة إن كانت فعلا تتوفر علي ما يمكن أن نسميه أجندة سياسية أصلا. ومما يقوي الشعور بأن احقاق نظام ديمقراطي حقيقي غير قابل للتحقق في المدي المنظور، الضعف الحالي للقوي الحية الحاملة لمشروع التغيير الديمقراطي الحقيقي. كل هذا يدفع إلي الاعتقاد أن إمكانية تحقيق إقامة ديمقراطية حقيقية، غير قابلة للانجاز في المدي المنظور إلي حد الآن.
لذلك يري الكثيرون أن إشكالية الاصلاحات الدستورية تكتسي أهمية قصوي في سلم ترتيب الأولويات حاليا بالمغرب لأنها هي الوحيدة الآن التي من شانها إعادة انعاش الشعور بإمكانية الاقرار بنظام ديمقراطي فعلي بالمغرب في المدي المنظور، لاسيما وأن تجربة الاصلاح السياسي التي وضعتها أحزاب الكتلة الديمقراطية في أولوية برامجها وحاولت مباشرتها من موقع الحكم قد آلت إلي الفشل الذريع الذي زاد من إحباط المغاربة.
وبالضبط هذا الفشل الذريع يؤكد هو كذلك ، إن كانت هناك حاجة من التأكيد، ضرورة الاصلاح الدستوري كمدخل مركزي وحيوي وربما وحيد الآن، لعملية التغيير الديمقراطي الحق، إنه حجر زاوية أي انتقال ديمقراطي مستقبلي بالمغرب طال الزمن أم قصر.لأنه بكل بساطة يعتبر اصلاحاً أولوياً قصد فصل حقيقي للسلطات، ولمنح هوامش كبري لمؤسسة الحكومة ومؤسسة الوزير الأول، ولإعطاء إمكانيات حقيقية للمؤسسة التشريعية في المراقبة والتشريع الفعليين. وإصلاح من هذا النوع بالمغرب حاليا يتطلب إرادة سياسية قوية، قادرة علي القطع مع كل أشكال التدبير والادارة والتسيير السابقة في كل المجالات ومختلف الميادين، لأنه بكل بساطة لا يمكن تأسيس مجتمع ديمقراطي حقيقي علي قاعدة البني السياسية العتيقة مازال يتحكم فيها أشخاص أدانهم التاريخ سواء بالفساد الأكيد وبإقتراف انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان بالجملة بل هناك منهم من اقترف جرائم في حق الانسانية. وبذلك يكون الاقرار بإصلاح دستوري جذري هو أقصر السبل وأفضلها للعباد وللبلاد لتمكين المغرب ليصبح بلدا ديمقراطيا في المدي المنظور وما عدا هذا فكل شيء ممكن ما عدا الديمقراطية.

ہ كاتب من المغرب