sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

هوية العراق الوطنية والقومية اولاً!

القدس العربي

هوية العراق الوطنية والقومية اولاً!
2005/08/31
حكمت العاني
كل حديث يخرج عن اطار هوية العراق الوطنية والقومية يعد امراً غير مقبول طالما ان هذه الهوية مهددة بالتقسيم والتفتيت تحت مسميات (الفيدرالية) و(تقسيم الثروة) و(ظهور خرائط جغرافية في الشمال والجنوب)، فضلاً عن الاصرار علي ان تكون لهذه التقسيمات مدلولات طائفية ومذهبية وعرقية. فماذا يستهدف مشروع الاحتلال الامريكي ـ البريطاني من العراق ارضاً وشعباً.. وماذا يستهدف اتباع هذا المشروع وما تحتويه برامجهم السياسية المختلفة والمتناقضة من مخططات؟
يتساءل البعض حول اللغز الذي ينطوي عليه احتلال العراق، عدا مزاعم امتلاكه اسلحة الدمار الشامل المفضوحة، وانه يهدد جيرانه وان نظامه دكتاتوري ويفتقر الي الديمقراطية. هذه التوصيفات قد تهاوت تماماً فلا اسلحة دمار شامل ولا عراق يهدد احداً ولم تكن دول المنطقة خالية من سلطات قمعية حتي في لندن وواشنطن وتل ابيب كما انه لا ديمقراطية حقيقية في تلك البلدان بل هي ديمقراطية انتقائية مصنوعة من قبل النخبة، فلماذا اذن استهدف العراق، ليس نظامه السياسي الوطني فحسب انما تدمير الدولة العراقية؟
ومن اجل توضيح هذا (اللغز) الذي يتساءل البعض بشأنه يتوجب التذكير بالآتي:
ـ انجز العراق تأميم ثروته النفطية وحقق استقلاله الاقتصادي في عام 1971 الامر الذي جعل العراق يمتلك ناصية العلم والاقتصاد، وينهي الامية بالكامل ويبني قاعدة صناعية متطورة وفاعلة ويؤسس مراكز بحوث في الجامعات والمعاهد مع رعاية حلقة واسعة من العلماء في التخصصات المختلفة.
ـ انجز العراق الحكم الذاتي لشمال العراق في 1 آذار 1972 وهو الاقرار الديمقراطي المتقدم الذي حققه العراق الامر الذي وجه لوماً من دول الجوار لأقدامه علي هذه الخطوة الجريئة والمحاطة بخط احمر بالنسبة لأيران وتركيا.
ـ اتساع نطاق صناعات العراق العسكرية بعد ان نفذ استراتيجية تنويع مصادر التسلح وبلوغه تقريباً حد الاكتفاء الذاتي في تصنيع الذخيرة بكل اصنافها فضلاً عن الكثير من الاسلحة الميدانية ومنها علي وجه الخصوص الصواريخ البالستية التي تحمل رؤوساً للكيمياوي المزدوج لكي تكون معادلاً استراتيجياً لترسانة الكيان الصهيوني الذي يمتلك ما يقرب من (200) قنبلة نووية.
ـ ونتيجة لاستمرار الكيان الصهيوني في منهج الاستيطان وقتل وتشريد الشعب الفلسطيني.. ونتيجة لتهديد هذا الكيان بضرب العراق بعد ان دمرت طائراته مفاعل تموز للاغراض السلمية في عام 1981.. ونتيجة لتجهيز هذا الكيان للدولة الايرانية بالسلاح والمعلومات وتقديمه تسهيلات للقوات الامريكية واعلانه شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة اضطر العراق الي توجيه تهديد لهذا الكيان بأسلوب الردع (اذا لم تكف اسرائيل عن عدوانها علي الشعب الفلسطيني او اي دولة عربية فان العراق سيحرق نصف اسرائيل)، ثم تلقت خلال الحرب العدوانية علي العراق عام 1991 عدداً من الصواريخ العراقية حطمت ما يسمي بنظرية الامن الاسرائيلية، الامر الذي انهي اسطورة قدرات العمق الاستراتيجي الذي لا يقهر للعدو الصهيوني.
ـ بروز العراق قوة اقليمية كبيرة بلغت حداً مؤثراً في ميزان تعادل القوي مع الكيان الصهيوني، الامر الذي عكس قلقاً كبيراً انتاب هذا الكيان ومراكز صنع القرار في واشنطن، فيما باتت ابواق الغرب تزعق بخطر العراق الجدي والوشيك علي الكيان الصهيوني.
ـ الحشود الامريكية وحليفاتها التي تحركت نهاية عام 1989 بعد انتصار العراق في حربه مع ايران، من البحار العالية (البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر والبحر العربي والمحيط الهادي) قد تكالبت بهدف ما يسمونه احتلال منابع النفط في الخليج العربي بما فيها العراق تنفيذاً لقرار اتخذته منظمة الطاقة الدولية عام 1975 الامر الذي دفع بالعراق الي اخماد منبع التآمر الاقليمي في الكويت الذي تغذيه الطغمة الحاكمة هناك من خلال اللجنة الثلاثية الامنية المشتركة (الامريكية البريطانية الكويتية) التي يشرف عليها آنذاك وزير الخارجية والنائب الاول لرئيس الوزراء الكويتي صباح الاحمد الجابر من جهة والامريكي ديك تشيني من جهة ثانية.
ـ تراجع معدلات انتاج النفط وشحة الكثير من آبار مناطق العالم وخاصة آبار بحر الشمال، الامر الذي جعل التركيز علي نفط الخليج العربي ذي الخزين الاستراتيجي الكبير ونفط بحر قزوين المكلف في الاستخراج والتسعير والنقل عبر ايران الي موانيء تركيا المعروفة. هذا الواقع النفطي التراجعي دفع بانضاج استراتيجية احتواء واحتلال منابع النفط في الخليج العربي وقلبها العراق الذي يضم خزينا استراتيجيا يمتد لمائة سنة بعد اكتشافات حقول لم تكن مكتشفة فيه.
ـ بات العراق يمثل دولة القرار السياسي والاقتصادي المستقل ونموذجاً محرراً من سطوة الكارتلات الامبريالية، فيما باتت اغلب الدول العربية رهينة في قرارها السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي، وخاصة الموقف من قضية فلسطين الذي تبناه العراق آيديولوجيا وعملياً لما لديه من امكانات سخرت لصالح هذه القضية، فيما كانت بعض الانظمة العربية تتآمر علي الانتفاضة الفلسطينية الباسلة وتعمل علي اجهاض نضال الشعب الفلسطيني وتهرول مذعورة باتجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني.
كل ذلك قد وضع العراق في دائرة الضوء الامبريالية ـ الصهيونية اضافة الي عوامل اخري ذات مدلول مهم وهي عروبة العراق وحضارته وتمسكه باسلامه الحنيف وصلابة ايمانه بتحرر الشعب العربي ووحدته وتنميته وعدالة مكوناته الاجتماعية، فضلا عن ما يتميز به العراق من موقع استراتيجي وعمق جغرافي وتنوع بيئي وسكاني متماسك عبر العصور وثروات طبيعية ومعدنية في مقدمتها النفط ومياه وافرة، مما جعل العراق يجمع كل عناصر القوة التي تفتقر الي بعضها وحدات سياسية عربية اخري، الامر الذي وضع العراق علي رأس المخططات الامريكية ـ البريطانية ـ الصهيونية، ليس لتغيير نظامه السياسي الوطني فحسب انما لتدمير الدولة العراقية وافراغها من عناصر قوتها وتغييب مخاطرها المزعومة علي امن الكيان الصهيوني.
وهكذا بدأ مسلسل حصار العراق والاجهاز عليه وتغيير نظامه السياسي وتدمير مؤسساته السياسية والخدمية والعسكرية والامنية والثقافية والحضارية وارجاع الدولة العـــراقية الي ما اســــماه جيمس بيكر وزير خارجية امريكا الاسبق بالعصر الحجري!!
ولكن وبالرغم من كل المغالطات التي احاطت بمجريات الاحداث في العراق والتشويهات التي رافقتها وتصدير مفاهيم غريبة واقحامها في القاموس السياسي العراقي ومنها (الفيدرالية) و(الديمقراطية) و(اقتسام الثروات)، وكلها ادوات للتهديم والتقسيم والتفتيت كما ذكرت ذلك صحيفة الاندبندنت في تعليقها علي الاحداث في العراق.. من ان مسودة الدستور العراقي تسهم في توسيع شقة الخلاف في البلاد من خلال تأكيد الفيدرالية التي تعني الانفصال وسيادة القوانين الاسلامية.. انها مسودة غير مكتملة وغامضة ومثيرة للجدل، وهي تعزز عملية تفكيك العراق الي اقطاعيات مثل البند (129) الذي يســـمح لاي اقــليم بادارة شؤونه الامنية والشرطة بعيداً عن الحكومة المركزية . الاشكالية الخطرة في مضمون مسودة الدستور التي هي عبارة عن الغام تكرس التجزئة ولا توحد، تشيع التفرقة ولا توحد، تشجع علي التطاحن والاقتتال بدل الوئام والسلام والتعايش السلمي كما كان شعبنا في العراق من شماله حتي جنوبه ومنذ الآف السنين بهذا النسيج الفسيفسائي المنسجم والمتلاحم عبر التاريخ لا يعرف الطائفية او العرقية ولم يشهد نزاعاً او حربا اهلية. فكيف يراد له التناحر والاقتتال الطائفي؟ من هو الذي خطط ويخطط لهذه الاهداف الاجرامية؟ ومن له مصلحة في تفكيك العراق وشرذمته وتفتيته وتمزيق عناصر قوته كدولة ذات اهمية قومية واستراتيجية؟
من البديهي الاجابة علي هذه التساؤلات بناء علي المعطيات التي تحدثنا عنها آنفاً وهي جديرة بان تأخذ مدياتها التأثيرية ليس في محيط العراق القريب فحسب انما علي المستوي الدولي وهما (النفط) و(امن الكيان الصهيوني) ومشروعه في الشرق الاوسط، الذي يقوم علي خيار احتواء المنطقة العربية عن طريق الاقتصاد ولكن تحت مظلة التهديد النووي والابتعاد قدر الامكان عن استخدامات القوة بسبب من ان الصواريخ البالستية الحديثة، كما قال شمعون بيريز من الصعب تحييدها وهي في طريقها الي العمق الاستراتيجي لهذا الكيان. اذن لم يتبق له سوي الاحتواء عن طريق الاقتصاد ـ مع استخدام القوات الامريكية لتمهيد الطريق كلما تطلب الامر ذلك ـ وهذا يذكرنا بخيار ايران الآيديولوجي في تصدير الثورة الاسلامية بعد ان جربت خيار القوة مع العراق وخسرت هذا الخيار ولم يتبق لها الا الخيار الآيديولوجي ـ الديني.
والتساؤل في هذا المنحي هل ينجح الكيان الصهيوني في خياره الآيديولوجي ـ الاقتصادي لتطويع المنطقة العربي واحتوائها! وهـــل تنجــح ايران في خيارها الآيديولوجي ـ الديني لابتلاع المنطقة العربية واحتوائها!
ان المخططات التي تضعها مراكز البحوث والخبراء الاستراتيجيون قد تكون بارعة ومتماسكة نظرياً ومغرية للقادة السياسيين والعسكريين الا انها ليست دائماً متطابقة مع حقائق الواقع الموضوعي، لان عوامل وتفاعلات وتأثيرات هذا الواقع غير معروفة دائماً ستقوم بافساد تلك المخططات عاجلاً ام آجلاً.. وكما سقط خيار القوة الصهيونية مؤقتاً حيال المنطقة العربية بصورة عامة والقضية الفلسطينية علي وجه الخصوص، وسقط خيار القوة الايرانية حيال المنطقة العربية بصورة عامة والعراق بشكل خاص، ستتساقط تلك الخيارات الاخري التي تريد بالعراق وبالامة العربية سوءاً وشراً بفعل انتباهة الشرفاء من ابناء العراق والامة العربية ويقظتهم وهم يفكرون ويناضلون من اجل الخلاص من فكي كماشة الكيان الصهيوني والدولة الصفوية الفارسية التي تهدد الوجود العربي والهوية القومية!!

ہ كاتب من العراق