sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

في استمرارية للحرب التي ابتدأت رحاها في أفغانستان: دخان الحرب الإلكترونية يتصاعد

القدس العربي

في استمرارية للحرب التي ابتدأت رحاها في أفغانستان: دخان الحرب الإلكترونية يتصاعد
2005/08/31
سعيد الزغوطي
مع ان طالبان كانت تحرم مشاهدة التلفاز، استعمال فرشاة الأسنان، ومظاهر الغرب عموما، إلا ان ما يسجل عليها وعلي انصارها، انها كانت أشد حرصا علي استخدام أدوات الاتصال والتواصل الحديثة، خاصة بعد هزيمة حكم طالبان في أفغانستان أواخر ديسمبر 2001، بدءا بأفلام الفيديو القصيرة التي بين الفينة والأخري كان زعيم القاعدة أو مساعده الأيمن أيمن الظواهري يشهرها ويرسلها إلي بعض الفضائيات في المعركة الشرسة التي تواجه تنظيم القاعدة بالولايات المتحدة الأمريكية، مرورا بالهواتف النقالة، وانتهاء باستخدام الويب أو الانترنت كأرقي تقنية تواصلية توصلت إليها الإنسانية في العصر الحالي، إذ يحكي عن انصار القاعدة، وهم يستعدون للانتشار والتخفي في جبال أفغانستان الوعرة بعد هزيمتهم في الحرب الأفغانية، انهم وضمن ما كانوا يجمعونه من عتاد وعدة، جمعوا بالإضافة إلي بنادق الكلاشنكوف طبعا، هواتفهم النقالة، لكن وبالأساس حواسيبهم الشخصية التي كانت تتزين بصور زعيم 11 سبتمبر محمد عطا ، في إشارة إلي ان الحرب الدائرة هناك لم تنته بعد وان ما ابتدئ في الأرض من معارك، سينتقل إلي عالم أكثر شراسة، عالم الويب الافتراضي في مساحات افتراضية حيث الزمان والمكان لا معني له.
وهكذا فلقد تعززت شبكات الجهاد المقربة من تنظيم القاعدة، عبر الانترنت، بانصار ووافدين جدد، بحيث خفف هذا الأخير من مشاق وأتعاب التنقل إلي بعض الأماكن من أجل اكتساب مهارات التدريب والتمرس علي الجهاد والقتال، فأمام الحاسوب الشخصي لأي متطوع، بالإمكان الانفتاح علي بعض المواقع التي تحولت إلي ما يشبه المعاهد لتلقين كل ما يلزم لكي يتحول المتطوع إلي عضو ناشط وفعال في التنظيم، وحتي وإن لم تكن الظروف تسعف، لكي يشارك المتطوع عمليا وماديا في الحرب الدائرة، فبإمكانه المشاركة افتراضيا عبر المشاركة إلكترونيا، مع اختيار السرعة التي تناسب مؤهلاته ومداركه في التكوين، حتي ان بعض المواقع بدأت تنصح بان ينتظم المستفيدون من الدروس في مجموعات صغيرة حتي يتسني لهم تكوين الخلايا المناسبة التي بإمكانها ان تنفذ عملياتها بكل دقة وعناية، بعيدا عن انظار رجالات الاستخبارات والأمن، فلم تعد تنفع كثيرا مراقبة خطب المساجد، ولا المضامين التي تلقن للأطفال في المدارس، ولا حتي مراقبة تجوال بعض الأشخاص في الحدود المجاورة لبعض الدول، ما دام هؤلاء الأشخاص أصبحوا متخففين من حمل أشياء بإمكانها الكشف عن انتمائهم أو تبرز حقيقة نواياهم، فعقل الانترنت الكبير دائما جاهز وفي الخدمة يمد بالمعطيات في كل جانب، بدءا بكيفية صنع بعض المتفجرات التقليدية، كيفية استهداف أحد الجنود الأمريكيين في قلـــب بغداد، أو خــريطــة بعض المواقع المستـــهدفة، وفي معظـــم الأوقات كل هذا الكم الهائل من المعلومات موجود وبلغة قريبة من لغة العـــديد من المتطوعين الذين يأتون بالخصوص من دول الشـــرق الأوسط أو شمال إفريقيا، سواء تعلق الأمر باللغة العـــربية، الأوردية، أو الباشتونية، يعني انها موجودة وبالخلفية الدينية واللغوية للمتطوعين.
ولا يعني هذا ان الإدارة الأمريكية تجلس غاضة الطرف أو مكتوفة الأيدي حيال هذا التطور، بل إنها تعمل جاهدة من أجل تتبع وتدمير أي موقع يشك في قرابته من معسكر القاعدة، غير انه ومنذ تدمير المواقع الأولي للقاعدة، وبالخصوص موقع النداء ، دفعت الإدارة الأمريكية انصار القاعدة إلي ابتكار أساليب جديدة تنسجم أكثر مع الوضع الجديد المرتكز علي إتقان لعبة التخفي والتستر، بغية تأمين الحضور، إذ من الواضح ان تنظيم القاعدة ومنذ هزيمة أفغانستان استجمع قواه وركزها في سبيل ان يكون أكبر تنظيم يستعمل الفضاء الرقمي والإلكتروني بكيفية جد متطورة وناضجة حسب ما أوردته صحيفة الواشنطن بوست في إحدي أعدادها الأخيرة، بحيث انتقل العدد الإجمالي لمواقع التنظيم من 12 موقعا سنة 97 إلي أكثر من 4500 موقع حاليا، جلها تنطلق وتتصرف تحت إمرة شبكة من العلاقات المباشرة وغير المباشرة تربطها ببعضها البعض، ومع العديد من الجمعيات والمنظمات المنتشرة عبر العالم، هذا التحول الكمي واكبه تحول نوعي انعكس إيجابا علي طرق التخفي والتستر بحيث أخذت هذه الأخيرة أبعادا أخري جد متطورة وملتوية كما كشفت عن ذلك عدة تقارير بريطانية حين أكدت علي ان مجموعة من متعاطفي القاعدة التجؤوا إلي إخفاء رسائلهم الإلكترونية في ملفات صور وملفات موسيقي أو متخفين في بعض صور الخلاعة، كل ذلك من أجل إنجاز مهام التراسل فيما بينهم، بل أكثر من ذلك فحتي بعض المواقع الإلكترونية الأمريكية لم تعد هي الأخري في مأمن من هذه المواجهة، حيث تعرضت العديد من مواقع شبكة الكهرباء والمواصلات الأمريكية لضربات موجعة كادت ان تشل حركتها في كبريات المدن الأمريكية بالكامل، بل حتي مواقع الاستخبارات الأمريكية FBI لم تسلم هي الأخري من نفس الضربات أو ما يسمي بعمليات القرصنة أو الهاكرز لكن هذه المرة بواسطة أياد أمريكية نظيفة حاولت ان تثبت لرجالات الاستخبارات والأمن ان الجدار الأمني المضروب علي مواقعها ليس بالقوة التي يصعب اختراقها.
من جهة أخري، وفي استفادة واضحة من طريقة الهيكلة التنظيمية للانترنت، هيكلت القاعدة نفسها علي النحو الذي اقتبست فيه تقنياتها و فلسفتها في التنظيم من صميم نفس الشبكة العنكبوتية ، بخلايا منتشرة ومتفرقة عبر العالم، وربما من دون سابق معرفة أو تنسيق مسبق بينها وبين انصارها، تلعب وفق نظام خاص ومن أجل أهداف واضحة، وهو ما ساعدها بقوة علي تجاوز البنيات التقليدية للتنظيمات، برأس مدبر وأتباع يأتمرون بأمره، لقد أدخل الانترنت ثورة علي جل المفاهيم التقليدية، بحيث أسعف القاعدة هي الأخري وبالخصوص زعيمها بن لادن في ان يعانق رغبته في إنشاء مفهوم الأمة الذي طالما نادي به منذ ان تكبد عناء الانتقال إلي أفغانستان ليجعل منها خلفيته لتحقيق مراده ، ساعيا إلي تحقيق مفهوم الأمة الذي يتجاوز الاعتبارات القومية، العرقية والارتباط بالفضاءات القطرية، وإذا كانت الهزيمة علي الأرض الأفغانية قد أجهضت مفهوم الأمة مرحليا ، إلا ان نافذة الانترنت قد أحيت نفس المفهوم علي الأقل افتراضيا ، حتي ليمكن الحديث عن وجود أمة افتراضية بين انصار القاعدة ساهم الانترنت في بلورتها وإيجادها علي نحو كبير. ولا يعني هذا ان الويب قد اقتصر استخدامه من طرف بعض التنظيمات المتشددة فقط، كفضاء من أجل التجييش خدمة لبعض القضايا والأهداف الجهادية، بل تحول بالنسبة لبعض الانصار بمثابة التعويض عن الحياة الحقيقية، نوعا من الحياة الموازية التي تمكن أصحابها من العيش في مجتمع افتراضي حيث الأجوبة متوفرة عن كل الجزئيات التي بالإمكان طرحها. وبهذا يمكن القول ان عقل الانترنت عاد لكي يختزل جل المعارك التي بالإمكان خوضها في معركة واحدة يمكن التواضع علي تسميتها بمعركة الأفكار ، وربما نعيش اليوم إرهاصات وبوادر تشكل نوعا من السجالات والمعارك المطولة في ساحة الويب التي ستلزم الأطراف المتنازعة علي وضع أسلحتهم التقليدية جانبا، لكي يتعبأ الجميع في عصر العولمة من أجل المشاركة في هذا النوع الجديد من السجالات الفكرية والنظرية حيث لن يصح إلا الصحيح، وربما جزء كبير من الأفكار المتطرفة وبعض قضايا الظلم في العالم ستجد طريقها إلي الحل فقط عبر هذه المقارعات النظرية، إذ وفي تحول غريب، وبدل ان يستغل بعض مستعملي الانترنت خدماته في إذكاء الحروب وتغذية الاقتتال كما هو الحال حاليا، ربما يملك هذا الأخير من الذكاء والقوة ما سيجعله يفعل فعلته ويورط مستعمليه فيخرجهم بفعل كمية الأفكار والمعلومات التي يروجها، من الأرضية التي ينطلقون منها، أو ليـــست من بين أهداف حرية الإعلام والتواصل غربلة الأفكار وتلاقحها من أجل الخروج بأشياء يمكنها إسداء الكثير من النفع للإنسانية ?? ومن يدري، فربما تتلاشي جزء كبير من الأفكار المتطرفة التي تقف خلفها القاعدة، أو تجد الإدارة الأمريكية نفسها محرجة غدا جراء بيت الانترنت الزجاجي الذي سيكشف عوراتها في فلسطين والعراق وسيضطرها هذا الأخير لمباشرة المعالجة علي وجه السرعة.. وحده التاريخ يملك الجواب عن أمثال هذه التساؤلات.

ہ كاتب من المغرب