sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

بلد عربي غير عربي

الحياة

بلد عربي غير عربي

عبدالوهاب بدرخان الحياة - 01/09/05//

مأساة أخرى، مأساة زائدة في العراق، مهولة ومفجعة تتخطى الحزن الى ما هو أعمق. لم يكف القصف لإرعاب الناس فأجهز عليهم الاهمال وسوء التصرف الأمني فضلاً عن سوءالتنظيم. مئات قضوا أمس على جسر الائمة بين الاعظمية والكاظمية، رحمات الله عليهم.

رحل هؤلاء العراقيون في لحظة دقيقة تمر بها بلادهم. ولعلهم ماتوا قبل أن يشهدوا الفصل القاتم التالي، الذي سيكرس تفتت ما كان متعارفاً على انه العراق. ويراد لهذا التفتيت أن يتم بـ «شرعية» دستورية، أي أن أهل العراق قد جلسوا وتحاوروا وتوافقوا وتوصلوا الى اتفاق حر ونزيه على أن يتقاسموا البلد جغرافية وثروات وسلطة، بل انهم اتفقوا خصوصاً على أن عراقهم لم يكن له تاريخ وليست له هوية وانما وجد بالأمس مع دخول الاحتلال الاميركي وما عليهم الآن سوى فرز المغانم وتشريع اكتسابها. وفي مثل هذه الحال يفرض المنتصرون ارادتهم حتى لو كانت متخلفة رجعية لكنها مصاغة بمصطلحات العصر، كأن يقال ان «النظام الاتحادي» أثبت أنه الأكثر احقاقاً للحقوق، إلا أنهم يتجاهلون الظروف التي تقلبت فيها «الفيديراليات» المعروفة، ويتجاهلون أن الصيغة التي استقرت عليها لم تكن ارادة فئة تفرض على فئة أخرى.

لم أكن شخصياً، ولا في أي يوم، إلا مؤيداً ومدافعاً عن حقوق الاكراد وطموحاتهم في العراق وغير العراق. ولم أكن شخصياً، ولا في أي يوم، متعاطفاً مع نظام صدام حسين أو مراهناً عليه، سواء سمي بعثياً أو قومياً أو أي شيء آخر. لكنني مثل كثيرين غيري في العالم العربي لم اؤيد اسقاط العراق في غمرة اطاحة ذلك النظام. كما انني مثل كثيرين من العرب لا اعتقد بأن اعطاء الأكراد حقوقهم كاملة يجب أن يعني شرذمة البلد وتقسيمه. ولذلك فإن «الفيديرالية»، كما طرحت وأقرت، ومهما حسنت النيات، كانت ولا تزال الاسم المضلل لـ «التقسيم». ولا اعتقد أن للأكراد مصلحة حقيقية في أخذ استقلالية كيانهم في مثل هذا الظرف غير التوافقي في العراق، لكنني بالتأكيد أقف مع الاكراد في سعيهم الى تحصين كيانهم وتثبيت حقوقهم، وفي الوقت نفسه أقول لهم بكل نزاهة انهم لا يستطيعون الانفراد بهذا الكيان وثرواته ومن ثم ادعاء أنهم مساهمون أقوياء وايجابيون في وحدة العراق.

للأسف، سهلت الظروف المضطربة للاكراد ان يبتزوا طرفاً عراقياً آخر يرغب فعلاً في أن يتعرض لمثل هذا الابتزاز، لأنه يبحث بدوره عن ذريعة لنسف العراق المتعارف عليه. وهكذا بدت صفقة الاكراد مع شيعة ايران أشبه ما تكون بالتحكيم الشهير الذي جرى بين الاشعري وبن العاص، لكن مع نتائج «مصححة» هذه المرة، اذ رمت الى الاطاحة ليس بالعراق وانما بعروبته، وجرى تقديم الاعتراف بالعراق «المسلم» على انه «تنازل» (لمن؟ للسنّة؟). من الواضح ان الحقد الأعمى لا يختلف كثيراً عن العنف الأعمى، فكلاهما لا ينتج سوى الهراء، وطبعاً مع كثير من الاخطاء التي لن تلبث أن تظهر في حياة الشعوب، ولا بد ان تتسبب بكوارث. من حق المتضررين والمتألمين من نظام صدام ان ينتقموا لكنهم مطالبون بأن يبنوا دولة ووطناً لمواطنيهم ولا يمكن ان يبنى وطن اعتماداً على الأحقاد وحدها. كما لا يمكن للحاقدين، مهما بلغ الانتقام، ان ينسوا أين يعيشون وفي أي محيط يسبحون، أو أن يتجاهلوا ماذا يمثل العراق نفسه للعروبة.

العراق بلد غير عربي. هذا ما يريد «الدستور» ان يقوله. يتكلم العربية وليس عربياً. يتشارك مع العرب في التاريخ والجغرافيا والحدود والتراث والبشر لكنه غير عربي. هذه ليست مقدمة للانشقاق أو الانفصال التدريجي عن العالم العربي فحسب، انها بالأحرى حيلة لتغطية حرمان العرب من السلطة والثروة في آن. فالتقاسم الكردي - الشيعي (الفارسي) لم يقم فقط على توزع مناطق النفوذ المعنوي والسياسي، الطائفي والعرقي، بل استند أساساً الى تقاسم الثروة. وليس مهماً ما ورد في نص مسودة الدستور على التوزيع العادل للثروة الوطنية طالما ان الحكم المركزي سيصبح مسخاً مهلهلاً يخضع لمشيئة الاقاليم وميليشياتها. مثل هذا الكيان المبعثر، البلاهوية، المتخاصم على سبل العيش كما في أيام الدويلات أيام الحرب الصليبية، لا بد أن يكون خبراً جيداً لليكوديي الادارة الاميركية، ولذلك فإن الرئيس بوش يعلن انه متفائل.