sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

عراق...ليس إلا عراق

الحياة

«عراق...ليس إلا عراق»

ماهر عثمان الحياة - 01/09/05//

بعد ان فكك الاحتلال الاميركي الدولة العراقية في عهد الحكم المدني الاميركي، الديبلوماسي من الدرجة العاشرة، بول بريمر الذي عين قيماً على شؤون ومستقبل بلد عربي عظيم عريق، تدفع الولايات المتحدة الآن في اتجاه تغيير هوية العراق وتركيبته كدولة من خلال اقامة الدستور العراقي الجديد على اسس طائفية وعرقية بغيضة تنكر على العراق انتماءه الى أمته العربية وتفرق بين العربي العراقي وأخيه العربي العراقي طائفياً.

ان تيار التفرقة الطائفية الذي يشجعه الاميركيون والمتعاونون معهم في العراق يصب في اتجاه ايجاد بلد مشوه يريدون هندسته جينياً ليكون غريبا لا على أمته وحسب، وانما ايضاً على غالبية اهله.

لقد ترك قرار «المحافظين الجدد»، اي الصهاينة المتغلغلين في انسجة اهم دوائر ادارة بوش ووزاراتها، تفكيك الدولة العراقية هذا البلد العربي ليس فقط من دون جيش كان سيبقى العمود الفقري لأمن الدولة، وانما ايضاً من دون قوات أمن ومن دون اهم الكوادر الادارية المدربة المتعلمة وذات الخبرة، وأحل محلها اولئك العائدين الى العراق على ظهور دبابات الاحتلال بعد تعميدهم بأموال «البنتاغون» ووكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي.آي.اي).

ان الكيان العراقي المشوه الذي يؤسس له الاحتلال الاميركي الآن مستعجلاً استيلاده ليكون بوسع الرئيس بوش سحب جزء من القوات الاميركية من العراق بعيداً عن مخاطر عمليات مقاومة الاحتلال سيكون كياناً غريباً حقاً. فالاكراد الذين طالما تمتعوا، منذ 1970 بأقصى وافضل درجات الحكم الذاتي مقارنة باخوانهم في تركيا وايران مثلاً، استطاعوا بتشجيع الاميركيين ودعمهم ان يفرضوا النظام الفيديرالي على مسودة الدستور رغم شدة المقاومة لهذا المفهوم الذي ترفضه غالبية العراقيين لأنها ترى فيه شبح تجزئة العراق وتعرف ان الاحتلال لا يأبه بعروبة العراق او وحدته الوطنية او سلامته الاقليمية. لقد استطاع الاكراد ليس فقط تسلم رئاسة العراق وبالتالي ادعاء الايمان بوحدته الفضفاضة فيديرالياً، وانما فرض مواد وبنود في الدستور تتعلق بتوزيع الثروات الوطنية على نحو يوجد تمييزاً لمصلحتهم ومصلحة المطالبين بالفيديرالية لجنوب العراق مع ترك اهالي الوسط تحت رحمة الجناحين الفيديراليين.

يحق للعراقيين، جميع العراقيين غالبية واقليات كثيرة متنوعة، ان يفخروا بحضارات العراق القديمة والاحدث عهداً وما تركته للبشرية من منجزات انسانية سامية كالابجدية والكتابة والشرائع القانونية والعلوم الفلكية والرياضية والهندسية وغيرها واساطير الخلق والطوفان وملحمة غلغاميش في عهود السومريين والكلدانيين والاشوريين، وصولاً الى منجزات مماثلة، واعظم احيانا، في عهد الدولة العباسية. ولكن ماذا يبقى للعراقيين اذا نزعت صفة العروبة عنهم وعن بلدهم، وماذا يبقى منهم لاخوتهم العرب؟ هل يريد الغرباء والمتأثرون بفكرهم: ان يزجوا بأبي الطيب المتنبي في سجن ابو غريب؟ او يصلبوا «ابو فرات» محمد مهدي الجواهري على نخلة عراقية باسقة، او يلقوا ببدر شاكر السياب في مياه شط العرب وهو يهتف حرقةً وحنيناً: «عراقُ، عراق، ليس الا عراق»؟.

ليست المسألة مسألة تراث شعري وحضاري وحسب. انها مسألة انتماء الى أمة وقضاياها. وقد حان للاهثين وراء اقامة عراق طائفي مشوه ان يدركوا ان المحتل الاجنبي لا يريد بالعراق واهله خيراً، فهو خطط لتجزئة البلد وبث الفرقة بين اهله. ان تغليب عراقية العراقيين على اي اعتبارات اخرى، طائفية كانت او عرقية، واحترام الصفة الغالبة في غالبية العراقيين من دون انكار حقوق هما المنطلق الاكثر رشداً للخروج من الازمة الحالية الناشئة بسبب مسودة دستور لا تحظى بقبول ملايين العراقيين. ومع ان من المهم ان يكون للعراق دستور يتصف بالرقي ديموقراطياً وانسانياً، فان اي فقرات سامية فيه تخبو قيمتها اذا ضم الدستور بنوداً تهدد وحدة عرق المستقبل وتلصق به سمة التفرقة الطائفية والعرقية.