sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

الصدقة المنظمة أفضل

الحياة

الصدقة المنظمة أفضل

علي بن طلال الجهني الحياة - 30/08/05//

ان مشكلة الفقر في نهاية المطاف «هيكلية». ولذلك يتعذر حلها بحلول لها نصيب من الديمومة بجهود فردية. والدولة، أي دولة بطبيعة الحال، قد تكون قادرة على حلها موقتاً إذا لم تجد غضاضة في مصادرة حقوق المواطنين المادية والمعنوية، وحكمهم بأعنف الوسائل، كما حدث في غالبية دول حلف وارسو الشيوعية.

وكما يعرف طلاب علم الاقتصاد، إذا سد الإنسان رمقه طالب باحتياجات أخرى، مما يؤدي بدوره، عاجلاً أو آجلاً، إلى انهيار البناء الذي شيد على أعمدة العنف وبقية وسائل الترويع.

غير أن حكم الناس بالحديد والنار، بحد ذاته، كما رأينا مع الدكتاتوريات العسكرية التي لا عقيدة لها غير بقائها بالحكم- بأي ثمن- لا يضمن توفير الحد الأدنى مما يقتات به الإنسان بصورة يومية، كما هو ملموس حالياً في بعض دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وقد تكون أسوأ درجات الفقر في آسيا على الأقل، في دولتي بورما وكوريا الشمالية. ولا يخفى على متابع شدة درجة القمع والتجويع والقتل إذا دعت الضرورة، في هاتين المنطقتين المنكوبتين بأنظمة بوليسية استثنائية في درجة قسوتها.

والمراد توضيحه، كما أُشير الى جزء منه، في هذا المكان يوم الثلثاء الماضي، ان ينطلق الحل من خلق الدوافع الذاتية لدى الفقراء أنفسهم، حينما يكون ذلك ممكناً، للخروج من مستنقعات الفقر المميتة للأفراد ولمجتمعاتهم ولو بعد حين. وللتوضيح نضرب أمثلة للنجاح، ومثل إضافي، ان حقق نجاحاً فليس من المرجح أن يكون نجاحاً له الديمومة.

المثال الناجح الاول، وهو من «الحلول الإبداعية الحقيقية» كما يقول الدكتور غازي القصيبي في كتابه «العولمة والهوية الوطنية» مكتبة العبيكان، 2002.

وهذا المثال المقصود هو «بنك جرامين» في بنغلادش. يقول القصيبي: «أترك صاحب هذا المشروع الرائد يتحدث عن تجربته:

«لقد قيل لنا المرة بعد المرة انه لا يمكن للفقراء ان يسددوا القروض، وإنه لا يمكن أن نقدم الائتمانات للفقراء... واليوم وبعد ان قدمنا أكثر من بليون دولار على هيئة قروض صغيرة (معدل الواحد منها مائة دولار) إلى أفقر الطبقات في بنغلادش، وجدنا ان نسبة التسديد تتجاوز 98%. وهؤلاء المقترضون الصغار تمكنوا من تحسين مستواهم المعيشي باستمرار، وخلال عشر سنوات يتمكن نصفهم من تجاوز خط الفقر، ويوشك 27 في المئة منهم ان يتجاوزوه». وحتى لا تتصوروا أن البروفيسور يونس يبالغ في وصف حلمه الذي تحول إلى حقيقة، فسوف أضيف إلى شهادته رأي مراقب موضوعي، هو نائب رئيس البنك الدولي إسماعيل سراج الدين:

«اذهب إلى بنغلاديش، واحدة من أفقر دول العالم، وخذ المعدمين، خذ نساءهم، أفقر الفقيرات... لهؤلاء النساء يقدم البنك قروضاً تتراوح قيمة الواحد منها بين 35 و50 دولاراً... المقترضات لا يتمكنّ من تسديد القروض فحسب، بل أن 48 في المئة منهن يتمكنّ خلال ثماني سنوات بعد القرض من تجاوز حد الفقر».

والمثال الثاني، صندوق الأمير للشباب، وهو المشروع الذي بدأه أمير ويلز. هذا الصندوق يقدم للشباب محدودي الدخل في ما بين الثامنة عشرة والثلاثين قروضاً لإقامة مشاريع خاصة بهم، ويقدم مع القروض الخبرة التي يحتاج إليها الشباب في دراسة الجدوى، والتسويق، والتمويل. لقد تمكن الصندوق من مساعدة أكثر من 33 ألف شاب على ان يبدأوا أعمالهم الخاصة. ومن هذه المشاريع هنالك مئة مشروع هي الأنجع، يبلغ حجم عملها 80 مليون جنيه، وتوظف 500 عامل. (مصدر المثالين كتاب القصيبي المذكور)

ومثال ثالث جديد يبشر بالنجاح في السعودية، ألا وهو «صندوق المئوية»، الذي ولد في 8 حزيران (يونيو) عام 2004. هذا الصندوق الذي يحاكي مشروع «صندوق الأمير للشباب» بما يتفق والظروف السعودية، يهدف تحديداً إلى تمكين الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 سنة، إلى تأسيس مشاريع استثمارية منتجة يتعذر تمويلها من مصادر التمويل المعتادة. (انظر «الحياة»، صفحة 7، في 6 حزيران/ يونيو 2005). وفي الوقت الحالي تتراوح مبالغ القروض بين 75 ألف ريال حداً أدني و 200 ألف ريال حداً أقصى.

وبما أن القضاء على الفقر بصوره «الهيكلية» لا يتم من دون توظيف من لا يجدون فرصة للعمل، أو فرصة لخلق فرص عمل إضافية عن طريق الاستثمار في مشاريع خاصة يديرها أكثر الناس مصلحة في نجاحها - أصحابها-، فإن «صندوق المئوية» من أفضل وسائل الأعمال الخيرية التي تفيد أكبر عدد من المواطنين، نسبة إلى ما يمدها به المحسنون من هبات لتمويله من جميع الجهات الفردية والمؤسساتية. أي ان ما يمنحه من قروض صغيرة نسبياً يعطي دافعاً ذاتياً للمقترضين للنجاح. ونجاحهم يضيف إلى الاقتصاد الوطني أضعاف مكاسبهم الفردية.

أما المثال الذي قد تكون نسبة نجاحه اقل من المأمول فهو تبرع مُؤسس شبكة «سي ان ان» تيد تيرنر بمبلغ ألف مليون دولار لمنظمات الأمم المتحدة الإنسانية. ومع ان الجميع يتفق على نبل دوافع تأسيسها، فإن المنظمات الدولية البيروقراطية، بطبيعتها، ليست أكثر أنواع التربة خصوبة لإنبات أعمال خيرية بكفاءة عالية.

أكاديمي سعودي.