sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

انتباه: أوروبا على طريق التعريب والأسلمة!

الحياة

انتباه: أوروبا على طريق التعريب والأسلمة!

رغيد الصلح الحياة - 30/08/05//

منذ الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) وصوت المحذرين من نمو ظاهرة المهاجرين العرب والمسلمين في دول الغرب يرتفع باضطراد. وبعد الانفجارات التي اصابت لندن خلال شهر تموز (يوليو) الفائت ازداد هذا الصوت علواً. فبالمقارنة بين الاعمال الارهابية التي استهدفت المدن الاميركية وهذه التي استهدفت العاصمة البريطانية يبرز فارق مهم هو ان الارهاب جاء الولايات المتحدة من الخارج، بينما تبين في لندن انه بريطاني الصنع. ومع السعي الى تسليط الانظار على هذه الظاهرة والسعي الى استجلاء اسبابها وآثارها، تمحورت هذه التحذيرات حول مستقبل القارة الاوروبية. وفي سياق ما انجبته الاعمال الارهابية من جدل وردود فعل، اطلق المحذرون من الوجود العربي في أوروبا أرقاماً ومعلومات وتوقعات كثيرة اتسمت بالاثارة والمبالغة، وسواء اشتط اصحاب هذه المعلومات والتوقعات في مجانبة الدقة أو لا، فهي من شأنها اذا تراكمت ولم تجد من يناقشها، ان تترك آثاراً بعيدة المدى على العرب في أوروبا وعلى العلاقات العربية - الأوروبية، فما هي هذه الاحصاءات والتوقعات وما هي تلك النتائج؟

يتفق اكثر المنبهين الى الخطر العربي والاسلامي على أوروبا على ان في القارة اليوم قرابة 15 مليوناً من المسلمين اكثرهم من العرب الوافدين من الدول المتوسطية. وان الغالبية الساحقة من هؤلاء موجودة في فرنسا التي يبلغ عدد المسلمين فيها حوالي الاربعة ملايين كثرتهم من المغرب العربي. ان هذا الرقم ليس نهائياً وليس حقيقة ساكنة، اذ يجزم المحذرون من خطر العرب الاوروبيين ان عددهم في ازدياد متسارع ومتصاعد، وان وراء هذا الاستمرار عوامل عديدة في مقدمها ما يأتي:

• الهجرة المتنامية من الدول العربية المحيطة بأوروبا الى دول القارة. يلاحظ نايال فرغسون استاذ التاريخ في جامعة هارفرد، والداعية الى الامبريالية الجديدة، ان هذا العامل هو الأساس طالما ان الدول العربية تعاني من التخلف الاقتصادي والاجتماعي وما دامت اوروبا توفر فرص عمل للعرب العاطلين عن العمل.

• التزاوج في تقدير الاكاديمي الاميركي جيرهارد فولك واضع كتاب «كرة القدم والهوية القومية الاميركية». ان العرب رجالاً ونساءً يعملون على تعريب أولادهم مهما كانت جنسية ورغبة الأم أو الأب. ويذهب فولك الى الاعتقاد ان المزيج من الهجرة والتزاوج سيؤدي الى تحويل فرنسا خلال العقود المقبلة الى اول دولة اوروبية عربية وثالث دولة اوروبية اسلامية بعد تركيا والبانيا!

• نسبة التوالد عند العرب والمسلمين: ولقد عاد البعض من هؤلاء الى الارقام التي نشرتها هيئة الامم المتحدة منذ الخمسينات وحتى هذا التاريخ لكي يستنتج ان نسبة المواليد بين العرب، تبلغ عادة ثلاثة اضعاف نسبة المواليد بين الاوروبيين. ان هذه التقديرات المالتوسية لن تؤدي الى التكاثر الفائق في عدد العرب والمسلمين في اوروبا فحسب، ولكنها ستؤدي، كما يؤكد بعض قارعي اجراس الانذار مثل المؤرخ البريطاني الاصل برنارد لويس، الى ان يصبح المسلمون الاكثرية في اوروبا في نهاية القرن الواحد والعشرين، أي أن أوروبا ستصبح قارة مسلمة. ولما كان اكثر هؤلاء المسلمين هم من العرب، فإن القارة ستتعرب!

إن تحول العرب والمسلمين الى أكثرية عددية في اوروبا لن يكون مجرد حقيقة ديموغرافية، بل انه سيتحول الى واقع يرخي بثقله على كل مناحي الحياة، خصوصاً على الصعيد السياسي، فالعرب والمسلمون لا يأتون الى القارة، «... من أجل بدء حياة جديدة ولكسب العيش شاكرين فيها البلد المضيف... وإنما هم يأتونها وفي نيتهم التحول الى أسياد هذا البلد... وهذا النزوع داخل في صلب العقيدة الاسلامية» كما يقول فرانك فانهيكي، زعيم حزب «الكتلة الفلمنكية» العنصري النظرة والمنتشر في شمال بلجيكا.

ويؤيد دافيد برايس جونز، الكاتب الانكليزي، هذه النظرة الى الاسلام والى الجماعات الاسلامية. وهو يسند رأيه هذا باقوال ينسبها الى زعماء بعض هذه الحركات مثل «حزب الله» اللبناني، إذ ينسب الى زعيمه رفضه التفاوض مع الغرب، او اعطاء تنازلات الى الدول الغربية لأن حزبه وسائر المسلمين يعملون على «اجتثاث الغرب». ولا يفيد جونز القارئ عن مصدر هذا القول، ولا يسعى الى التأكيد على صدقيته، هذا علماً بأن «حزب الله» كان طرفًا في مفاوضات مثمرة مع المانيا أدت الى اطلاق سراح ألوف اللبنانيين من سجون اسرائيل. إلا أن الكاتب الذي يتوقع هو الآخر «أسلمة أوروبا» يصر على ان المسلمين والعرب الذين يؤمون أوروبا مصممون على السيطرة على القارة.

ان الاستيلاء على الحكومات الاوروبية قد يكون ممكناً عندما يتحول العرب والمسلمين الى اكثرية سكان القارة. هذا معناه ان هذا الخطر قائم ولكنه، اذا صحت حسابات برنارد لويس، فإنه مؤجل الى نهاية القرن. بيد ان فريقاً من قارعي اجراس الخطر يرى ان هذا النهج ينطلق من معايير ديموقراطية تعتبر الحكومات معبرة عن غالبية المواطنين، بينما ينبه هذا الفريق الى ان العرب والمسلمين لا يأبهون لهذه المعايير، وبالتالي فإنهم لن يكونوا في حاجة الى الاصطبار الى نهاية القرن حتى يصيروا أكثرية الاوروبيين، فيأخذوا القارة عندها عن طريق صناديق الاقتراع. بدلاً من ذلك، يكفي العرب والمسلمون ان ينتشر في القارة عدد قليل من ابناء عقيدتهم حتى يبدأوا مسيرتهم الجهادية للاستيلاء على الحكومات الاوروبية عن طريق العنف. وينسجم هذا الطريق مع النظرة التي تصاحب قدوم العرب الى أوروبا، إذ انهم يأتونها ومعهم، كما يقول برايس - جونز، رغبة تاريخية في الثأر من الاوروبيين.

ويخشى باتريك سوخيديو، مدير معهد دراسة الاسلام والمسيحية، ان تكون بريطانيا باتت الآن على شفير هذه المرحلة، فالمسلمون فيها يقطنون ويتكاثرون بسرعة في المدن البريطانية الرئيسية التي تشكل عصب الحياة في البلاد من الشمال الاسكوتلندي الى لندن في الجنوب. وهو يتوقع ان يصبح المسلمون في هذه المدن اكثرية خلال عقد او عقد ونصف من الزمن. ويشاطر اكاديمي اميركي لبناني الاصل سوخيدو هذه المخاوف، ولكنه يقدر ان «الاستعمار» الاسلامي والعربي سيركز على مناطق معينة مثل منطقة يوركشير، كما فعل العرب في جنوب اسبانيا او في البلقان، أي انه لن يستهدف كافة انحاء القارة.

ومما يسهل بلوغ هذه المسيرة الجهادية غاياتها، في نظر المحذرين منها، هو نزعة التخاذل المنتشرة في اوروبا. ويعبر سياسيون اوروبيون عن هذه النزعة عندما يفرقون بين الارهابيين، من جهة، وبين وبين العرب والمسلمين، من جهة اخرى. فالاسلام، عند مارك ستاين، احد المعلقين الرئيسيين في صحيفيتي «ديلي تلغراف» و «سبكتاتور» البريطانيتين، هو في حد ذاته اكبر حاضن للعنف. ويتفق سوخيديو، مع ستاين في التحذير من الحديث عن «الاسلام المعتدل»، إذ ان تعاليم الاسلام لبثت تحث، في نظره، على العدوان منذ نشأته في القرن السابع الميلادي. ويجد ماثياس دوبفنر، مدير مجموعة اكسل شبرنجر للنشر في المانيا، نزعة التخاذل هذه عند زعماء اوروبا الذين يمضون وقتهم في انتقاد اسرائيل لانها تحارب الارهابيين بدلا من ان يلتفتوا الى الشرور التي حلت بالديار الاوروبية نفسها.

وما حل بأوروبا يضعها، في رأي أكاديمي عربي مقيم في المانيا، امام واحد من خيارين: اما ان تطبع الاسلام بالطابع الاوروبي أي نتتج اسلاماً اوروبياً، واما ان تطبع اوروبا بالطابع الاسلامي فتتحول الى قارة اسلامية. اما المؤرخة بات يئور المختصة بـ «الذمية» فترى ان اوروبا تتراجع بسرعة التخلي عن تقاليدها اليهودية -المسيحية التي تجاوزت بها مرحلة التنوير، لكي تقع في اسر تقاليد عربية - اسلامية تتخلف بها عن مبادئ التنوير. ومع هذا التحول، تفقد اوروبا، كما تلاحظ يئور بخوف، شخصيتها الحضارية المتقدمة لكي تتحول الى «اوروبيا» أو «يوروبيا» EUORABIA! ولا يقتصر استخدام هذه التسمية على يئور وإنما بات شائعاً بين الكثيرين - مثل جيرهارد فولك - ممن يرونه مناسباً الى أبعد حد للتعبير عن التحولات الحضارية والفكرية التي ستطرأ في المستقبل المنظور، في تقديرهم، على القارة الاوروبية.

قد يرى البعض في هذه المبالغات شيئاً من النكات السمجة التي لا تصمد امام حقائق ملموسة. فالمسلمون في بريطانيا لا يزيدون على ثلاثة في المئة من مجمل سكانها. وهذه النسبة باقية على حالها منذ سنوات كثيرة. وفي الوقت الذي تعلن فيه حكومات عربية تخليها عن الانتماء العربي من الصعب ان يتخيل المرء تخيل فرنسا الى دولة عربية! مع ذلك فإن تكرار هذه الاقاويل والانذارات وتداولها عبر وسائل اعلام واسعة الانتشار، وتزامنها مع اعمال ارهابية تقوم بها منظمات عربية او اسلامية، والطرق المستمر عليها من قبل احزاب عنصرية اوروبية متزايدة القوة ومن قبل مؤيدي اسرائيل النافذين في المجتمعات الغربية يضفي عليها مصداقية ويؤثر تأثيرا كبيرا على مستقبل العرب في اوروبا، وعلى العلاقات العربية - الاوروبية.

ولعله من المفيد ان نتذكر هنا كيف استخف الكثيرون بالمبالغات والاتهامات التي وجهها هتلر الى اليهود في اوروبا. حتى اذا وصل النازيون الى الحكم في المانيا، اعتبروا تلك التخيلات والمبالغات حقائق دامغة، واستخدموها كمبرر لارتكاب المحرقة، وهي واحدة من اكبر جرائم العصر. ان الذين يخوفون الاوروبيين والغرب من اسلمة اوروبا وتعريبها، يسيرون على طريق الهتلرية ويسعون الى جر الاوروبيين الى السير على نفس الطريق. ان خطر هؤلاء على اوروبا وعلى حضارتها لا يقل عن خطر معتنقي الافكار الارهابية. خصوصاً اذ يضعون الالغام على طريق التفاهم والتعاون والشراكة بين العرب والاوروبيين.

كاتب لبناني.