sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأربعاء، غشت 31، 2005

لبنان: مشهد اليوم التالي لتقرير ميليس النهائي

القدس العربي

لبنان: مشهد اليوم التالي لتقرير ميليس النهائي
2005/08/31
د. عصام نعمان

يقول المثل اللبناني التقليدي: عند إختلاف الدول، إحفظ رأسك !
الدول إختلفت في لبنان وعليه. بعد أن إختلفت إتفقت علي إخراج دولة سورية وإدخال دولتي الولايات المتحدة (وفي معيتها إسرائيل) وفرنسا. إتفاق الدول تمّ في إطار قرار مجلس الأمن 1559 الذي يتضمن، إلي بند إخراج سورية، بنوداً أخري تتعلق بإخراج الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ، أي بتجريدها من السلاح. حزب الله يعتبر نفسه، بحق، مقاومة وليس ميليشيا. لذلك رفض تنفيذ قرار مجلس الأمن. مثله رفضت المنظمات الفلسطينية تسليم سلاحها إلي أن تتفق حكومة لبنان والسلطة الوطنية الفلسطينية علي تسوية لقضية اللاجئين تعالج شروط العودة والإقامة وممارسة الحقوق المدنية والإنسانية.
لم يتأخر اللبنانيون، لا سيما الزعماء ورجال الصف الأول بينهم، عن إدراك أبعاد إختلاف الدول في لبنان، فقرروا حفظ رؤوسهم. بعضهم تحصّن في بيته لا يغادره إلاّ قليلاً ووسط حراسة مكثّفة. بعضهم الآخر غادر البلاد إلي عواصم دول القرار، متخوفاً من قائمة إغتيالات قيل ان لجنة التحقيق الدولية حذّرت هي الأخري من مفاعيل مخاطرها علي شخصيات معروفة. أما سائر اللبنانيين فقد تركوا لمصيرهم. تري، من سيحفظ رؤوسهم ؟!
مع توقيف مجموعة من كبار القادة الأمنيين السابقين والحاليين أمام لجنة التحقيق الدولية لإستجوابهم، أدرك أهل القرار والمراقبون والمتابعون لمجريات الساحة اللبنانية مغزي التأجيل المفاجيء لزيارتي خافيير سولانا وتيري رود ـ لارسن لبيروت. الأول هو الممثل الأعلي للسياسة الخارجية والأمن المشترك للإتحاد الأوروبي، والثاني هو موفد الأمين العام للأمم المتحدة المكلّف متابعة تنفيذ القرار 1559. سبب التأجيل يتعدي واجب حفظ الرأس إلي ملاحظة صلة ضمنية بالمناخات التي دخلها لبنان عقب تقديم رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس تقريره الإجرائي لمجلس الأمن، وبدء العدّ العكسي لتقديم تقريره النهائي في جريمة إغتيال المغفور له الرئيس رفيق الحريري.
اللبنانيون وغيرهم من المهتمين والمتتبعين يتساءلون كيف سيكون مشهد اليوم التالي في لبنان بعد صدور تقرير ميليس النهائي؟
ليس صعبا، في ضوء المعلومات المتوافرة، والإجراءات المتخذة، والتطورات المتوقعة، ان يتصور المراقب المتتبع السيناريو المرجح للخطوات والتدابير المراد إتخاذها من طرف ميليس والحكومة اللبنانية، بدعم صريح من حكومتي واشنطن وباريس.
في هذا الإطار تُمكن الإشارة إلي واقعات بارزة وإحتمالات مرجحة علي النحو الآتي:
أولي الواقعـات أن لبنان أصبح عمليا بعد صدور قرارات مجلس الأمن 1559، 1595 و1614 تحت رقابة دولية معقودة اللواء للولايات المتحدة وفرنسا. هذه الرقابة هي اقل من وصاية وأكثر من رعاية. ومن المرجح ان يطول أجل هذه الرقابة كونها متصلة بقضايا إقليمية أخري، شائكة وساخنة، كقضية فلسطين وقضية العراق، وربما أيضاً قضية سورية إذا ما صعّدت واشنطن (وباريس) ضغوطها علي دمشق في سياق مطالبتها بفك ارتباطها بالمقاومة الإسلامية (حزب الله) في لبنان، ومنظمات المقاومـة (حماس والجهاد الإسلامي) في فلسطين، وحركة المقاومة القومية والإسلامية للاحتلال في العراق.
ثانية الواقعات أن الرقابة الدولية المخيمة علي لبنان لا تحول دون إستمرار الصراع داخله بين قوي سياسية مشاركة في الحكومة، بعضها مؤيد للقرارات الدولية آنفة الذكر وبعضها الآخر معارض لها. كذلك تتسم قوي المعارضة بأن بعضها مؤيد للقرارات الدولية ولكنه غير مؤيد للحكومة، وبعضها الآخر معارض للقرارات الدولية وللحكومة معا. هذه الحال تضع لبنان في مهب تناقضات وربما اضطرابات حادة قد لا تتمكن أطراف الرقابة الدولية من تسويتها، أقله في المستقبل المنظور.
ثالثة الواقعات ان سورية تعهدت بشخص رئيسها بشار الأسد علي التعاون مع لجنة التحقيق الدولية بما في ذلك السماح لها بالتحقيق مع أي سوري . هذا الموقف يدل، ظاهرا، إما علي وجود ثقة راسخة لدي دمشق ببراءة ساحتها مما نُسب إليها، أو ان ما يمكن ان يتهم به بعض مسؤوليها الأمنيين السابقين في لبنان لن يشكل إدانة لها، لا من الناحية الجنائية ولا من الناحية السياسية.
ماذا لو صدر قرار لجنة التحقيق متضمنا تحديد الجهة المخططة للجريمة والجهة الآمرة بارتكابها، أو تعذر عليها تحديد هوية المخطط والفاعل واكتفت بتحديد بعض المشتبه بهم من المتدخلين في مسألة العبث بمعالم مسرح الجريمة؟ ماذا لو تعثرت سياسة جورج بوش (ومواقف جاك شيراك) ومخطط ارييل شارون في ما يخص قضايا فلسطين والعراق وسورية وإيران؟ ماذا لو اندلعت الإنتفاضة الثالثة في الضفة الغربية نتيجة متابعة شارون سياسة الإستيطان؟ ماذا لو تعاظمت المقاومة العراقية للإحتلال، وجري رفض مسودة الدستور في الاستفتاء المرتقب في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، بل تعذّر إجراء الاستفتاء بسبب إلتقاء المعارضة السنّية مع المعارضة الشيعية علي رفضه؟ ماذا لو اغتنمت دمشق تعثّر سياسة بوش في المنطقة فعادت إلي دعم حلفائها الفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين؟ ماذا لو إغتنمت طهران هي الأخري تعثّر سياسة بوش وإضطراره إلي تليين حملته عليها مع إقتراب موعد الإنتخابات النصفية في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل؟
ثمة ثلاثة احتمالات راجحة علي النحو الآتي:
أول الاحتمالات ان يسارع مجلس الأمن، بطلب من لبنان أو من دونه، إلي إتخاذ قرار اجتهادي بإعتبار إغتيال الحريري بمثابة جريمة ضد الإنسانية وإحالة القضية تاليا علي المحكمة الجنائية الدولية لتقرير صلاحيتها وإختصاصها والسير بها. يسبق هذا القرار، علي الأرجح، مبادرة الحكومة اللبنانية إلي إعلان حالة الطواريء لقطع الطريق علي أية محاولة للإخلال بالأمن.
ثاني الإحتمالات ان تتصاعد ضغوط خصوم رئيس الجمهورية اميل لحود السياسيين، بدعم من واشنطن وباريس، لحمله علي الإستقالة بغية إنتخاب رئيس موالٍ للأكثرية النياببة التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة. اذا ما نجحت هذه الحملة في تحقيق أغراضها فإن الخطوة التالية التي ستحظي بدعم دول الرقابة الدولية هي قيام الحكومة اللبنانية بإتخاذ قرار بنشر وحدات من الجيش اللبناني علي طول الخط الأزرق الذي يفصل بين أراضي لبنان وأراضي فلسطين المحتلة، وان تتوضع هذه الوحدات بين الناقورة في الغرب ومزارع شبعا في الشرق، وان ترفدها وحدات أخري تنتشر بين شبعا ونقطة المصنع علي الحدود بين لبنان وسورية. ذلك كله بقصد إقامة جدار عسكري فاصل للحؤول بين المقاومة الإسلامية والوصول إلي المناطق المحتلة تحت طائلة الاصطدام بالجيش اللبناني. هذا بالإضافة إلي تمكين الحكومة من سدّ منافذ الإمداد اللوجستي للمقاومة علي طول الحدود بين لبنان وسورية. ولن تتأخر دول الرقابة الدولية بتوفير وحدات عسكرية إضافية تحت راية الأمم المتحدة لمساندة الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه آنفة الذكر.
ثالث الإحتمالات ان يرفض حزب الله وحلفاؤه السياسيون هذه الترتيبات بحجة انها مقدمة لتجريده من السلاح فيقوم، مغتنما ـ شأن سورية وإيران ـ تعثّر سياسة بوش في المنطقة، لا سيما في العراق وفلسطين، بتوليد معارضة شعبية لمخطط نشر الجيش اللبناني علي طول الخط الأزرق ما يؤدي إلي خلخلة النظام السياسي اللبناني وإنقسام الطبقة السياسية علي نفسها وبالتالي تعطيل تنفيذ المخطط الدولي المرسوم للبنان وسورية معا.
في كلٍ من الإحتمالات الثلاثة ستكون الإرادة الدولية ـ وهي امريكية في الدرجة الأولي ـ فاعلة لا لشيء إلاّ لأن الإرادة اللبنانية غائبة أو سائبة. غير ان إحتمال تعثّر سياسة إدارة بوش في المنطقة قد يؤدي إلي تعثـر الإرادة الدولية في لبنان. من هنا تنبع أهمية إستعادة اللبنانيين وحدتهم الوطنية من أجل تكوين إرادة سياسية لمواجهة تحدي إخفاق بوش في إعادة تشكيل المنطقة سياسيا وثقافيا.
إما أن ينجح اللبنانيون في إستعادة وحدتهم وتوليد إرادة وطنية للمواجهة أو يسقط لبنان ـ شأن فلسطين والعراق ـ في الفوضي البناءة التي نشرها بوش في المنطقة كوصفة فاعلة من اجل الإنتقال من حال التجزئة إلي حال التفتيت
.