sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الأحد، شتنبر 04، 2005

ملف 1 - تابع - : قراءات في مشروع الدستور العراقي

http://www.islamonline.net/Arabic/politics/2005/08/article30.shtml


رؤية أمريكية: لا عراق مستقرا بدون دستور عادل

2005/08/31

شيرين حامد فهمي**


لم تعبأ الإدارة الأمريكية التي وضعت الأفكار الرئيسية للدستور العراقي بالحقوق المشروعة للسنة العرب، رغم ما قد ينطوي على ذلك من ازدياد قوة المقاومة السنية العراقية أكثر مما هي عليه الآن، وبالتالي إفشال العملية السياسية برمتها ليكون الفشل الأمريكي مزدوجًا بعد أن فشلت في تحقيق الاستقرار الأمني بالعراق.

وذهبت العديد من التحليلات الأمريكية قبيل الإعلان عن الصيغة النهائية للدستور والتي تمت دون موافقة السنة.. إلى أنه لم يَعُد أمام الإدارة الأمريكية سوى حل واحد هو إعطاء العرب السُنة حقوقهم كاملة من خلال الدستور العراقي الجديد؛ لأن عدالة الدستور فقط هي الكفيلة بامتصاص غضب العرب السُنة الذين يؤيدون ويمولون المقاومة.

هذه الكتابات حملت فى طياتها ناقوس الخطر والحذر من الصياغة الحالية للدستور التي تبدو وكأنها تعكس اتفاقًا مبرمًا بين الشيعة والأكراد للاستئثار والاستحواذ على ثروات العراق، سواء النفطية أو المؤسساتية الحكومية، دون النظر إلى حقوق السُنة؛ الأمر الذي سيؤجج حتمًا من المقاومة السُنية العراقية التي لا تزيدها الضربات إلا قوة وتحديًا.

وعلى سبيل المثال يشير "مايكل هانلون" الباحث الأمريكي بمركز "بروكينجز" ومؤسس "الفهرس العراقي" بالمركز إلى أن النتيجة المفترضة لوضع دستور يراعي الحقوق السنية هي تقليل الدعم والتأييد السُني للمقاومة، ومن ثَم المساهمة في إجهاضها ومنعها تباعًا من إفشال العملية السياسية العراقية التي باتت تمثل طوق النجاة للنجاح الأمريكي في العراق، بعد الفشل الذريع والتدهور المريع في كلٍّ من الأمن والاقتصاد العراقيين.

المقاومة تزداد تحديًا

اشتد عود المقاومة السُنية العراقية، ولم تنجح معها الضربات الموجعة التي تلقتها على أيدي القوات الأمريكية.

ويُرجع "فرانسيس ويست" الوزير المساعد لشئون الدفاع والأمن الدولي بحكومة الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ريجان" هذا الأمر إلى ثلاثة عوامل رئيسية هي: البطالة العراقية، والقنوات الفضائية العربية، والنظام السوري. فهذه العوامل تساهم في دعم المقاومة بشكلٍ ما؛ الأمر الذي جعلها تتحمل تلك الضربات الموجعة، بل وتحولها إلى تطور وتأقلم مع الأوضاع الجديدة.

وعبر الملتقى الخاص الذي يُعِدّه معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى والذي يُسمى بــ Special Forum Report، أشار "ويست" إلى الدور المحوري الذي لعبته البطالة في مساعدة المقاومين على تجنيد وكسب أعضاء جدد، وإلى استخدام جماعات المقاومة عامل التخويف والتهديد مع كل مواطن عراقي تسول له نفسه التعاون مع "قوات التحالف".

ويأتي عامل القنوات الفضائية العربية كعامل ثانٍ و"خطير" -كما يصفه "ويست"- في إذكاء المقاومة، خاصة قناة "الجزيرة" القطرية؛ فقد حاولت الكثير من الفضائيات العربية اللعب على الجانبين؛ جانب المقاومة تارة، وجانب "قوات التحالف" تارة أخرى؛ فكانت النتيجة أن تحولت تلك الفضائيات إلى قنوات إعلامية إمدادية لقضية المقاومة العراقية.

وأخيرًا، يأتي العامل السوري ليثقل كفة المقاومة العراقية؛ إذ تحولت الأراضي السورية إلى سماء آمنة للمقاومين العراقيين. وهذا ليس حبًّا في الشعب العراقي، بقدر ما هو رغبة في استعادة النظام البعثي العراقي؛ تأمينًا وتوطيدًا للنظام البعثي السوري.

ويدلل "ويست" على ازدياد قوة المقاومة السُنية العراقية، قائلا: "إن المقاومين لا يُبدون أي مظاهر ضعف؛ بل إنهم بدءوا بالفعل في تبني تكتيكات صار من الصعب مواجهتها من قبل قوات التحالف؛ حيث تعلم هؤلاء المحاربون الدرس جيدًا من الفلوجة، وهم الآن يفضلون استخدام القنابل والمتفجرات على الهجمات المباشرة، وهم كذلك باتوا ضالعين ومتفننين في تغطية وتغلفة عملياتهم بالدين". ومن ثَم يرى "ويست" أن "قوات التحالف" أضحت مسئولة عن القضاء على تلك العوامل الثلاث التي تسهم في إذكاء وتنشيط المقاومة.

وفي الملتقى نفسه عضد "جيفري وايت" الذي عمل أكثر من ثلاثة عقود في وكالة الاستخبارات الدفاعية من الافتراض القائل بأن المقاومة السُنية العراقية في تمدد وازدياد، على الرغم من جميع الصعوبات التي تواجهها، بل إنه تنبأ باستمرار المقاومة على نفس الوتيرة الحالية من "العنف" لمدة عام آخر على الأقل. ويؤكد أيضًا على تطور أساليب المقاومة، بدليل إصرارها على البقاء في المدن التي حوربت فيها أشد محاربة، ونُكِّل بها أشد تنكيل؛ فهاهم المقاومون العراقيون يستعيدون وجودهم في الفلوجة، على الرغم من انهزامهم فيها مرتين. هذا إضافة إلى تمتعهم بالتأييد الشعبي مما يكسبهم زخمًا وحماسة للاستمرار والبقاء.

وفي تحليل آخر بمعهد واشنطن حمل عنوان "المقاومة السُنية العربية: قوة مستهلكة أم متصاعدة؟"، عكس "مايكل أيزينشتادت" مدير قسم الدراسات الأمنية بالمركز تخوفاته من قيام المقاومة باستغلال السواد الأعظم من العرب السُنة، وتوسيع نطاق "جهادها" ليصير حربًا ليس على "قوات التحالف" فقط، بل على الحكومة العراقية أيضًا؛ مما سيؤدي إلى إجهاض الجهود الرامية أولا إلى إيجاد قوات أمنية عراقية مسئولة. وثانيًا إلى تقليل الوجود العسكري الأمريكي بالعراق. وعلى الرغم من قناعة "أيزينشتادت" بأن المقاومة السُنية العراقية لا تشكل إلا نسبة بسيطة جدًّا من الشعب العراقي تصل إلى أقل من 1%، كما يقول الجنرال الأمريكي "جون أبي زيد" القائد الأعلى للقوات المركزية الأمريكية، وتيقنه من وجود عدد كبير من العرب السُنة غير المؤيدين للمقاومة، واعتقاده باعتماد عملية التجنيد وفقًا لعوامل اجتماعية، مثل انتشار البطالة وتأثير علاقات القرابة والإغراءات المادية، وليس وفقًا لعوامل سياسية أيديولوجية، فإنه لم يستطع إخفاء تخوفه من استغلال جماعات المقاومة للأوضاع العراقية الداخلية في الزحف نحو البقية الباقية من العرب السُنة.

المقاومة والدستور

الباحث هانلون يرى أن إعطاء العرب السنة حقوقهم يجهض المقاومة

ويرى الجنرال الأمريكي "جاك كين" -النائب السابق لرئيس القوات المسلحة الأمريكية- أن أفضل مؤشر لنجاح التجربة العراقية هو نجاح العملية السياسية؛ وهو ما ستحاول المقاومة إفشاله بكل السبل لإظهار الولايات المتحدة في موقف ضعف وإذعان أمام العالم كله. والمقاومة ليست بعيدة عن ذلك الهدف -كما يتوقع الجنرال الأمريكي- فهي مُدربة تدريبًا متميزًا، وليس من السهل القضاء عليها، والقوات الأمريكية -بحسب رأيه- غير مؤهلة لهزيمة المقاومة العراقية التي تحتاج إلى عشر سنوات على الأقل لإجهاضها وبترها، ولنا في حركات المقاومة في السلفادور والفلبين وماليزيا أمثلة حية وواضحة.

وبما أن "الدستور" يمثل العمود الفقري للعملية السياسية العراقية؛ فإن المقاومة ستفعل كل جهدها للحيلولة دون توقيعه. وهو ما يتوقعه "جيفري وايت" حيث افترض أن الاستفتاء الجاري على الدستور سوف يعطي المقاومة الفرصة الحقيقية لإلحاق الضرر بالعملية السياسية. فمن خلال إقناع العرب السُنة الذين يشكلون 20% من الشعب العراقي، بالتصويت ضد الدستور، ستتحقق النسبة المطلوبة للتصويت ضده، ومن ثَم الحيلولة دون توقيعه؛ لأنه إذا ما صوتت هذه النسبة ضد الدستور، سوف يتحقق شرط رفض ثلثي عدد المصوتين في ثلاثة أقاليم عراقية أو أكثر؛ وهو ما سيقود إلى حل البرلمان وتكرار العملية نفسها مرة أخرى.

أما إذا أصرت المقاومة على منع العرب السُنة من التصويت -كنوع من المقاطعة- فإن هذه النسبة لن تتحقق، ومن ثَم سيمر توقيع الدستور ببساطة وسهولة. وقد يثير تعاون بعض العرب السُنة مع الحكومة العراقية الجديدة الاستفسارات والتساؤلات، وهنا يرد "جيفري وايت" قائلا بأن هذا التعاون لا ولن ينفي أبدًا تكتل العرب السُنة جميعًا ضد الدستور، وتصويتهم جماعيًّا ضده.

منح حقوق السُنة يجهض المقاومة

وبناء على هاتين الحقيقتين الواضحتين -وهما زيادة حدة المقاومة، واستطاعة السنة إفشال العملية السياسية في حالة رفضها الدستور- يؤكد كل من "جوزيف هانلون" الباحث بمركز "بروكينجز، و"إدوارد جوزيف" منسق مشاريع المقرطة في الحكومة العراقية المؤقتة تحت رعاية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.. أن على الإدارة الأمريكية أن تحترم حقوق العرب السُنة في الدستور العراقي، على أمل أن يسهم ذلك في امتصاص غضب تلك الفصيلة السُنية التي تدعم المقاومة بشكل رئيسي؛ الأمر الذي سيفضي إلى تسكين المقاومة، ومن ثَم السير بسلام نحو استكمال العملية السياسية.

إن هزيمة المقاومة -كما يرى الباحثان- لن تتحقق بتعديل الدستور حول قضايا الإسلام والمرأة، ولكنها ستتحقق عبر بناء دستور بمنح العرب السُنة حقوقهم كاملة، وأما نقيض ذلك كما يحدث الآن من تهميش للعرب السُنة سياسيًّا واقتصاديًّا في إعداد الدستور فسيستفز كلا من المجتمع السُني والمقاومة السُنية.

ويشير الباحثان إلى أن المجتمع السُني هو مربط الفرس؛ إذ يعتبر الممول الأول والداعم الأساسي والحامي الجوهري للمقاومة السُنية. وأن إرضاء المجتمع السُني سيُرضي المقاومة السُنية، وإطفاء غضب المجتمع السُني سيطفئ غضب المقاومة السُنية، وذلك على عكس "جيفري وايت" الذي يحذر من إدخال العرب السُنة كفصيل متساوٍ في الدستور؛ لأن ذلك سيكون بمثابة إدخال المقاومين في داخل الحكومة العراقية.

ويُصِرّ الباحثان -"جوزيف" و"هانلون"- على موقفهما الناقد للصياغة الحالية للدستور العراقي؛ حيث يصفانها بالتحيز الشديد ضد العرب السُنة. فإصرار الأكراد على السيطرة على "كركوك" لضمان سيادتهم واستقلاليتهم قد شجع الشيعة على فعل الشيء نفسه مع آبار النفط المتواجدة في الجنوب، وإصرار الشيعة على امتلاك المراكز الحكومية الحساسة سيجعل العرب السُنة يعتقدون بل يؤمنون إيمانًا كاملا بأن الدستور ليس إلا اتفاقًا مبرمًا ومحكمًا بين الشيعة والأكراد على السُنة.

حرب أهلية في الأفق

ويحذر الباحثان من العواقب المترتبة عن ذلك الأمر، والتي تتمثل معظمها في اندلاع حرب أهلية ستكون بمثابة الإبادة الإثنية أو الفصائلية على الشاكلة البوسنية؛ مما سيضر ضررًا بالغًا بالبنى التحتية النفطية، وتحول العراق إلى نسخة حية من أفغانستان.

إن الباحثَين يحذران الإدارة الأمريكية من التغافل عن تلك التوترات والصراعات الفصائلية التي تعتبر أكثر العوامل تهديدًا لاستقرار العراق وأمنه؛ أي تهديد العملية السياسية العراقية، وهو ما يعني تهديد المشروع الأمريكي في العراق وفي الشرق الأوسط برمته.

ويتعرض الباحثان للأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية في تعاملها مع واقع الصراعات الداخلية العراقية، ومنها التركيز على التهديد "الجهادي" القادم من الخارج، وتجاهل التهديدات الداخلية التي تسببها التناحرات الفصائلية، والفهم الأمريكي المغلوط أيضًا لانتخابات يناير 2005؛ حيث قرأتها الإدارة الأمريكية من منظور إيجابي يبشر بتحول العراقيين نحو الديمقراطية، بينما كانت الحقيقة هي استغلال الشيعة لتلك الانتخابات لتحقيق مكاسب كبيرة لهم.

إن عدم فهم الوضع الفصائلي العراقي وعدم إعطائه وزنه الذي يستحقه سيعرقل من وصول العملية السياسية العراقية إلى بر الأمان؛ أي سيعرقل من خروج العراق من "لعنة" العنف. فالأمريكيون والعراقيون على حد سواء -كما يشير "جوزيف" و"هانلون"- بحاجة إلى "إستراتيجية خروج" exit strategy من دوامة العنف المتواصل، ولن يتم ذلك إلا بوجود دستور عادل يعطي لكل فصيل حقه من ثروات هذا البلد؛ فبدون دستور عادل لن تقوم للدولة العراقية المستقرة الديمقراطية قائمة.

وأخيرًا يبدو أن الإدارة الأمريكية مُصِرّة على عدم سماع صوت السنة العرب، أو أن تستعيد إلى أذهانها خاطرة الانتخابات العراقية التي لم تقد لتقليل العنف، كما أنها لا تبالي بآراء المحللين الأمريكيين إذا ما كانت تخالف ما يرغبه المحافظون الجدد فى إدارة "بوش".

المصادر:

  • Marica Hook, "Insurgency and Counterinsurgency in Iraq: A Progress Report", Special Forum Report, Washington Institute, 1 Aug. 2005.

  • Michael Eisenstadt, "The Sunni Arab Insurgency: A Spent or Rising Force", Washington Institute, 26 Aug. 2005.

  • Edward P. Joseph and Michael E. O'Hanlon, "Iraqi Constitution Must Deliver Oil to Sunnis, or it Won't Deliver", The Christian Science Monitor, 11 Aug. 2005.

  • -------------------------------------------------------------------

http://www.islamonline.net/Arabic/politics/2005/08/article29.shtml


دستور "بوش" العراقي.. ملاحظات قانونية

2005/08/30

د. عبد الله الأشعل **




ردت الولايات المتحدة على ما يتردد بشأن تدخلها في وضع أفكار الدستور العراقي والإلحاح في سرعة إنجازه، من أنه لا يجوز أن يقوم الاحتلال بوضع دستور للبلد المحتل، رغم أنها فعلت ذلك سابقا عندما وضعت الدستور الياباني خلال احتلالها لليابان، والدستور الألماني عام 1946 خلال احتلالها لألمانيا.

وقد عبر بيتر جلبرث Galbraith Peter السفير الأمريكي السابق في كرواتيا، والمكلف بمتابعة الدستور، عن المنطق الأمريكي تجاه الدستور، حيث صرح أن الدستور يعكس واقع العراق المنقسم فعلاً، والأفضل تصوير هذه الوحدة الهشة بدلاً من التوحيد القسري لطوائف متصارعة، وقال أيضا: "العراق لم يخلقه الله، إنما خلقه ونيستون تشرشل بعد الحرب العالمية الأولى". وهو بذلك يؤكد رغبة الولايات المتحدة في إعادة رسم خريطة المنطقة، وإن كانت حريصة كذلك على وحدة العراق ولو في إطار هش.

البعث حزب نازي

يقوم المنطق الأمريكي الذي انعكس على الدستور العراقي على أساس أن العراق، مثل ألمانيا واليابان، من الدول الأعداء للديمقراطية والسلام والحرية، فإذا كانت النازية هي مرض ألمانيا الذي دفعها إلى الاعتداء على أوربا، فقد حرصت الولايات المتحدة على القضاء على مصادرها ومظاهرها في الفكر والمجتمع الألماني، فحظرت الحزب النازي وطاردت أعضاءه، ونصت في الدستور على أن كل الرموز والدعايات النازية محظورة، أما في اليابان فقد حرصت واشنطن على اقتلاع الطابع العسكري من اليابان، والذي تراه الدافع لاتباع هذا السلوك الوحشي الياباني في الحرب العالمية الثانية، ولذلك، ردت بالقنبلة النووية، وألغت من الدستور الياباني كل ما له شأن بالماضي، وحظرت تشكيل جيش حتى لا يجدد النزعة العسكرية مرة أخرى، مع التركيز على ثقل المؤسسات الديمقراطية.

وقد اتبعت واشنطن مع العراق نفس المنهج، فوضعت حزب البعث على قدم المساواة مع الحزب النازي في ألمانيا، ومع النخبة العسكرية في اليابان. ولذلك حرص الدستور العراقي على النص على أن السياسة الرسمية للدولة العراقية هي القضاء على "البعث الصدامي" ورموزه، وسبق أن أنشأ الأمريكيون لذلك لجنة قومية عليا تعمل بالتنسيق مع السلطات القضائية والتنفيذية وفق قوانين خاصة تعمل على اقتلاع البعث من العراق، ومحاكمة رموزه أمام محكمة جنائية عليا. فما هو الفرق حقيقة بين بعث العراق، وبين الحزب النازي الألماني والطبقة العسكرية في اليابان؟.

والمعلوم أن اليابان قد هاجمت الأسطول البحري الأمريكي في ميناء "بيرل هاربور"، فأدخلت بذلك الولايات المتحدة الحرب ضدها، مما أدى إلى احتلالها وفرض الدستور الذي وضعه القائد العسكري الأمريكي "ماك أرثر" لليابان. أما ألمانيا، فكان الحزب النازي يعكس الروح الألمانية التي تستعلي على الهزيمة والإذلال، وكان قرار هتلر بغزو أوربا بالكامل هو ما جعل المعركة قائمة بين المعسكر النازي الفاشي متحالفاً مع العسكرية اليابانية، وبين العالم الحر الديمقراطي بقيادة الولايات المتحدة.

أما العراق، فإن الولايات المتحدة هي التي قامت بالاعتداء عليه في الوقت الذي كان يَجِدُّ في احترام وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1441 الخاص بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل، كما ساقت الولايات المتحدة حججاً كثيرة لا يعترف بها القانون الدولي -حتى لو صحت- فضلاً عن أنها ذرائع مختلقة، وهو ما يجعل التمييز ضروريًّا بين جرائم صدام حسين وحزب البعث ضد شعبه من كل الطوائف، وليس ضد الأكراد والشيعة وحدهم، كما يزعمون، فضلاً عن الجرائم ضد جيرانه (إيران والكويت)، وكلها جرائم ساعدت عليها الولايات المتحدة، بل ودفعت إليها، فهي التي سكتت على جرائم صدام ضد شعبه، وهي التي دفعته إلى محاربة إيران حتى يقضي -نيابة عنها- على نظام الثورة الإسلامية فيها. وهي التي عملت بعد غزوه للكويت على عسكرة الخليج، والسيطرة على مقدرات المنطقة، ومحاصرة إيران، والتمكين لإسرائيل، وتجزئة العراق والقضاء عليه كدولة عربية. الفارق إذن كبير بين حزب البعث الذي استخدم لمصلحة أمريكية، والحزب النازي الألماني الذي كان يعمل لمصلحة ألمانية المطلقة.

الدستور وأحكام خطيرة

د.عبد الله الأشعل

احتوى الدستور العراقي على عدد من الأحكام الخطيرة التي يجب التنبيه إليها من الناحية الموضوعية. فقد أشار الدستور في المادة (1) إلى أن جمهورية العراق دولة مستقلة، وهذه إشارة غير مألوفة في دساتير الدول، وخاصة العربية التي تبدأ دساتيرها بالتنويه إلى طابعها العربي. ثم تشير المادة الثانية إلى أن النظام السياسي في العراق يتسم بأنه نظام جمهوري نيابي (برلماني)، أي أن البرلمان هو مركز الثقل في النظام السياسي وليس رئيس الجمهورية كما كان في الدستور العراقي قبل الاحتلال، كما أنه نظام ديمقراطي وفيدرالي، وهو الجديد في الموضوع.

ومن الواضح في الدستور أن هذه الفيدرالية تؤدي إلى تكريس السلطة والثروة في المناطق والأقاليم على أساس طائفي، بحيث لا يبقى للحكومة الاتحادية الكثير من الصلاحيات. وهذا واضح بشكل خاص في معالجة الدستور للمنطقة الكردية التي يراد لها أن تكون فيدرالية كبرى بداخلها فيدراليات صغيرة. وهكذا يتجه الدستور إلى تجزئة العراق بعد أن أغفل الصفة العربية للدولة وكرس الفيدرالية.

وأضاف أمرين في نفس الاتجاه وهما: أنه نص في الفقرة ج من المادة (2) على أن العراق جزء من العالم الإسلامي، وهذا نص فريد في الدساتير الإسلامية حتى غير العربية؛ لأن فكرة العالم الإسلامي فكرة معنوية، وليس مألوفاً أن يكون الدين رابطاً للعلاقة بين الدول، إذ يكفي لتحقيق هذه الغاية النص بوضوح على أن الدولة "إسلامية"، ثم يؤكد الشطر الثاني من هذه الفقرة أن العرب وحدهم هم جزء من الأمة العربية. فكأن الدستور قد قسم العراق كدولة بين عراق ينتمي إلى العالم الإسلامي وأقلية عربية فيه، حيث لا يعترف الشيعة بأنهم عرب، كما أن الأكراد ليسوا عرباً. وهذا نص بالغ الخطورة؛ لأنه يؤكد أن العراق لم يعد دولة عربية، ولن يكون لها مكان في الجامعة العربية، وأن العراق وإن كان يقع في المنطقة العربية، فإنه يعامل كدولة آسيوية غير عربية.

وينص الدستور أيضاً في الفقرة (أ) من هذه المادة على أن الإسلام مصدر أساسي للتشريع، وليس المصدر الأساسي، ورتب على هذه الفرضية نتائج غير منطقية، واستخدم مصطلحات غير منضبطة علميًّا، حيث حظر إصدار القوانين المخالفة "للمعايير الإسلامية"، والديمقراطية، والحقوق الأساسية والحريات الواردة في الدستور، وكلها مصطلحات غامضة. ثم يقرر الدستور في الفقرة (ب) من نفس المادة أنه يضمن الهوية الإسلامية للشعب العراقي، كما يضمن كل الحقوق الدينية وحرية الجميع في حدود ديانته في ممارسة طقوس هذه الديانة.

تمزيق ثقافي واقتصادي

كذلك حرص الدستور على تكريس التجزئة وإضعاف الطابع العربي على النحو الذي يقرره فيما يتعلق باللغات الرسمية ولغات التعليم، فترك لكل طائفة لغوية أن تعتبر لغتها هي اللغة الرسمية، كما أكد الدستور أن العربية والكردية هي اللغات الرسمية على المستوى العراقي، ومن حق العراقيين أن يستخدموا في التدريس لأبنائهم لغتهم الأصلية مثل التركمانية والآشورية في مؤسسات التعليم الحكومية. كما نص الدستور على أن اللغة المستخدمة شفاهة في المؤسسات الرسمية كالبرلمان ومجلس الوزراء، وكذلك الوثائق الرسمية يجب أن تكون إحدى هاتين اللغتين العربية أو الكردية، وهذا إمعان في التمزيق الثقافي واللغوي للعراق. غير أن الدستور اعترف بالوثائق الرسمية المحررة باللغتين وحدهما. كما أن المدارس يجب أن تستخدم اللغتين معاً، مثلما يجب ذلك على المؤسسات الفيدرالية في كردستان.

كذلك أشار الدستور إلى أن العراق يتكون من بلديات ومناطق صغرى ومناطق كبرى، وأن يكون لكل منطقة دستور وحكومة ورئيس ونظام قضائي، وأن البترول والغاز ملك لكل الشعب العراقي في المناطق والبلديات، على أن تقوم الحكومة المركزية بإدارة البترول والغاز المستخرج من الحقول الحالية بالتعاون مع حكومات المناطق المنتجة للبترول بشرط أن توزع الدخول بطريقة تتناسب مع عدد السكان في كل منطقة.

العراق لم يعد عربيا

ومن الواضح أن الدستور العراقي الذي وضعت مشروعه الولايات المتحدة يتعاطف تماماً مع الأكراد، ويجور تماماً على العرب؛ لأنه حقق تجزئة العراق قولاً وفعلاً، وسجل هذه التجزئة في وثيقة رسمية. وبموجب هذا الدستور يبدأ الصراع بين الطابع الإسلامي والطابع العربي للعراق. فالعراق يضم شعباً مسلماً ولكن جزءاً فقط من هذا الشعب هو الذي ينتمي للأمة العربية، ومؤدى ذلك أن العراق لم يعد دولة عربية، ما دامت الأقلية العربية فيه هي وحدها التي تنتمي إلى الأمة العربية.

فهل معنى ذلك أن ينسحب العراق من الجامعة العربية، ما دام ميثاق الجامعة يشترط لعضوية الجامعة أن تكون دولة عربية، على أساس أن العروبة ثقافة ولغة وعرق أيضاً؟.

وبهذا، فإن مقولة الصراع بين العروبة والإسلام ظلت مقولة فكرية ونظرية، إلى أن تحولت في العراق لأول مرة إلى حقيقة واقعة، وهي أن يتصارع المسلمون غير العرب مع المسلمين العرب، وأن ينقسم العراق ليس إلى سُنة وشيعة، وإلا لأصبح السُنة يوازون في العدد أو يقتربون من الشيعة إذا أضفنا إليهم الأكراد، وإنما أصبح التقسيم في العراق على أساس طائفي وعلى أساس عرقي.

نصوص شكلية

وقد يظن البعض لدى قراءته لنصوص الدستور العراقي أن به بعض المواد التي تسعى للحفاظ على وحدة العراق، لكنها تبقى نصوصا شكلية فقط ولا تغير شيئا من واقع التجزئة المفروض.

وعلى سبيل المثال تنص المادة 107 على أن السلطات الاتحادية تحافظ على وحدة العراق وسلامته.. وتنص المادة 59 على أن مجلس النواب يختص بتشريع القوانين الاتحادية، وتشير المادة 63 إلى أن مجلس الاتحاد الذي يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم سيتقرر تكوينها وشروط عضويتها من مجلس النواب، إلا أن القراءة المتعمقة في النصوص الأخرى تشير إلى أن السلطات الاتحادية ستكون محدودة الاختصاصات إلى قدر كبير، ومن ذلك حصر اختصاصات السلطات الاتحادية (المادة 108)، ثم توضح المادة 111 الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم في إدارة الجمارك، وتنظيم مصادر الطاقة، ورسم السياسة البيئية، وسياسات التنمية، والصحة، والتعليم، والموارد المائية. وتكمل المادة 112 إضعاف هذه السلطات الاتحادية عندما تنص على أن ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية تكون من صلاحية الأقاليم، والأخطر من ذلك النص في نفس هذه المادة على أن ".. والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية فيها لقانون الإقليم في حالة الخلاف بينهما".

ويتضح نفس الشيء بدقة لدى تناول سلطات الرئيس ورئيس الوزراء، والتي باستقراء النصوص الخاصة بهما، يتضح أن العراق ستكون حكومته الفيدرالية ضعيفة للغاية. والطريف أن الدستور اشترط في رئيس الوزراء فقط أن يكون جامعياً، وهى إشارة إلى عدم اكتراثه بشروط الرئيس.

أيضا، القول بأن كون مجلس النواب يختص بتشريع القوانين الاتحادية لا يغير من الأمر شيئا، لأن مجلس النواب، رغم اختياره بالاقتراع السري المباشر، فإنه سيعكس في النهاية تركيبة يتمتع فيها الأكراد والشيعة بالأغلبية ليمررا ما يريانه مناسبا لصالح الأقاليم التي يشكل بها أي منهما أغلبية سكانية دون الأقاليم الأخرى.

أما نص المادة 9 (أ) بأن تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، تراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو إقصاء.. فيجب قراءته في الإطار الذي وضع فيه، فالولايات المتحدة هي التي شكلت الجيش العراقي الحالي الذي يتكون من بقايا الجيش العراقي السابق والشيعة، ويبدو أن تكوين القوات الأمنية لن يخرج عن ذلك. ونتوقع ألا يكون هناك جيش عراقي مشكل من كل الطوائف، بل سيتم تحديد عدد الجيش وربما تتحول قوات البشمرجة إلى جيش كردي. يضاف إلى ذلك أمر جد خطير وهو أن الدستور لم يتضمن النص على التجنيد الإجباري، وهو ما يخالف باقي الدساتير العربية.

الدستور.. تفصيل أمريكي

الدستور العراقي هو دستور مفصل تم قياسه على رغبات الولايات المتحدة، وليس عجيبا أن يتضمن هذا الدستور، خلافا لما اعتادت عليه الدساتير العربية، النص في باب الحقوق والحريات على إعطاء المواطن العراقي كافة حقوقه وحرياته، وهذا أمر إيجابي بالطبع، إلا أنه رسالة أمريكية للآخرين تبين وجوه الاختلاف، فهذا أول دستور ينص على أن لا يقل تمثيل المرأة في مجلس النواب عن 25%، كما أن هذه النصوص هي قيم أمريكية لتطبيق الحريات العامة، لكن التساؤل: هل في ظل تكريس هذه الحالة من الانفصالية والانقسام وسوء الوضع الأمني؛ سيتمكن المواطن العراقي من العيش سعيدا مع هذه الحالة الديمقراطية التي يوفرها له الدستور؟

وما يدل على أن هذا الدستور مفصل هو نص المادة 9 (هـ) على تنفيذ الحكومة العراقية الالتزامات الدولية الخاصة بمنع انتشار وتطوير وإنتاج واستخدام الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية ومنع ما يتصل بتطويرها وتصنيعها وإنتاجها واستخدامها من معدات ومواد وتكنولوجيا وأنظمة للاتصال. وهذا النص لم يرد في دساتير أخرى، ولعله وضع ليكون مبررا يعترف به العراقيون بأن احتلال العراق كان بسبب امتلاكه لهذه الأسلحة.

وأخيرا..

نرى أنه يجب وضع دستور للعراق بعد أن يتحرر من الاحتلال الأمريكي، وأن إصرار الولايات المتحدة على وضع دستور هو هدف ترمي من ورائه تسجيل وتقنين الوضع الراهن في العراق، وأنها أسرعت في ترتيب الانتخابات وفي وضع الدستور قبل الانسحاب حتى تكرس وضعاً خلقته منذ عام 1991، وتخشى أن تلتئم وحدة الشعب العراقي بعد رحيلها، فتكون قد خسرت كل شيء رغم كل ما تكبدته من خسائر بشرية ومادية وسياسية.



**دبلوماسي سابق بالخارجية المصرية وخبير قانون دولي.


-----------------------------------------------------------------


http://www.islamonline.net/Arabic/politics/2005/09/article01.shtml


دستور العراق.. هل هو مقدمة لتفتيت طائفي للمنطقة العربية؟!

2005/09/01

محمد جمال عرفة**




ما معنى أن يصدر دستور جديد للعراق -ترعاه واشنطن- ينص على أن العراق لا ينتمي للعالم العربي ولكن "الطائفة السنية العربية" فقط هم "جزء" من الأمة العربية؟ وما معنى أن ينص الدستور على توزيع النفط والثروة وفقا لوجودها في كل إقليم تسكنه أقلية عرقية أو طائفية؟، وما معنى أن يتم النص على حق كل طائفة في إقليم ما أن تنفذ ما تراه في حال إذا لم تناسبها قرارات الحكومة المركزية في الأمور التي لم يتفق على إدارتها بالمشاركة؟ وما تداعيات كل ذلك على الأوضاع السياسية القائمة في دول المنطقة؟.

من أخطر ما سيترتب على الدستور العراقي الجديد أنه لن يؤدي فقط لتفتيت الدولة العراقية الموحدة في المستقبل القريب، ولكنه يفتح فوهة بركان الأقليات العرقية والدينية والطائفية في العالم العربي والدول الإسلامية المحيطة بالعراق، والتي لم تتعامل معها الأنظمة العربية ومع مشكلاتها بشكل جدي.

والسؤال المطروح هو: هل يأتي ذلك ضمن خطة متعمدة لتفتيت المنطقة العربية والإسلامية ينفذها أقطاب اليمين المسيحي المتطرف في إدارة بوش على نار هادئة؟ وهل ما تسرب سابقا عن خطط أمريكية أعدها قادة اليمين المسيحي الصهيوني في إدارة بوش – نقلا عن خطط إسرائيلية – لتفتيت هذه المنطقة كحل للسلام الذي يريدونه وهيمنة أمريكا على العالم الإسلامي، بدأ تنفيذه بالعراق وسيستمر العرض ليطال باقي الدول العربية والإسلامية بدعوى نشر الديمقراطية والحريات والقضاء على العنف؟

ليس سرا أن هناك مئات الدراسات الغربية عن الأقليات الدينية والعرقية والطائفية في المنطقة العربية والإسلامية، بعضها يطالب بوضوح بالتحرك لاستغلال هذه المساحة للضغط على هذه الدول، وليس سرا أن بعض هذه الملفات يجري فتحه في أوقات مختلفة وفقا للمصلحة الأمريكية.

وليس خافيا كذلك أن ثمة خططا إسرائيلية – كشف عنها موشي قرحي في كتاب أصدره مركز ديان للأبحاث التابع لجامعة تل أبيب عن انفصال جنوب السودان - لمساندة الحركة الانفصالية في العالم العربي وتشجيع وحث الأقليات والطوائف المختلفة في المنطقة للتعبير عن ذاتها، للحصول على حق تقرير المصير والانفصال عن الدولة الأم وهو ما ظهر بوضوح في الإقليم الكردي بالعراق عقب الغزو الأمريكي.

وإذا كانت هذه الأقليات قد تم ترويضها أو قمعها ومنع تطلعاتها الانفصالية في أوقات زمنية معينة، فهناك مخاطر أن تنتعش هذه التطلعات وتزيد في الآونة القادمة يشجعها في ذلك دستور العراق الجديد الذي أعطي أهمية لحقوق الأقليات وللفيدرالية، وصور الأمر على أنه حرية وديمقراطية، بعيدا عن الهوية الدينية أو القومية العربية.

مخاطر ثنائية الشيعة والأكراد

ومع أن الأمر أخطر من أن يقتصر على شيعة المنطقة العربية المحيطة بالعراق والمنتشرين في الخليج العربي خاصة السعودية والبحرين والإمارات والكويت وفي سوريا ولبنان وفق مذاهب تشيع مختلفة، وأخطر من أن يقتصر على أكراد المنطقة المنتشرين في سوريا وتركيا، ويتعداه إلى قوى طائفية ودينية أخرى في غالبية المنطقة العربية، فالألغام الأولى المتوقع تفجرها بسبب الدستور العراقي ستكون الأقليات الشيعية والكردية.

فقد لعب الإيرانيون دورا هاما لا يخفى في مساندة بعض القوى الشيعية بالعراق بشكل غير عادي منذ انهيار حكم صدام حسين وانتشار الفوضى، وتزامن هذا مع بوادر نشاط كبير لشيعة السعودية (10%) والبحرين (حوالي 80%) في صورة المشاركة في انتخابات البلديات السعودية أو الخروج في مظاهرات في الثانية، وركزت وسائل الإعلام الأمريكية – ومن بينها محطة "سي إن إن" – على ما قالت إنه "تحفز شيعة السعودية" بعد انتخابات العراق في يناير 2005.

وقد نجحت الحكومة السعودية في الاستيعاب المبكر لهذه الأقلية الشيعية التي تقدر بمليوني شيعي والتي تستقر الغالبية العظمى منها في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، فور ظهور بوادر مخاطر الغزو الأمريكي للعراق وعلو شأن شيعة العراق، من خلال حوارات الإصلاح وتسليم وثيقة اشتهرت بعنوان "شركاء في الوطن" من قبل مثقفين شيعة للملك عبد الله بن عبد العزيز – حين كان وليا للعهد - تطالب بإصلاحات سياسية وحريات أوسع.

وبدا أن مشاركة الشيعة في انتخابات البلديات السعودية الأخيرة وفوزهم في مناطق تمركزهم مؤشر على هذا الاستيعاب بعد فترة توتر وشكاوى شيعية من معاملتهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية في فترات سابقة.

وينطبق الأمر نفسه على شيعة البحرين (80% في تقديراتهم) والذين يشكلون أغلبية في البلاد ودخلوا في فترات سابقة – بجانب التيارات الليبرالية واليسارية - في صراعات مع الحكومة السنية، تعرضوا خلالها لاعتقالات طالت رموزهم خصوصا في عقد التسعينيات، والذين قد يدفعهم دستور العراق للتقدم بمطالب سياسية ذات سقف أعلى ونصيب أوفر في السلطة والثروة، وكذلك شيعة الكويت (30% حسب تقديرات غير رسمية) وربما شيعة الإمارات (16%).

بعبارة أخرى هناك مخاوف من أن يعيد نص الدستور العراقي على الفيدرالية وتوزيع الأقاليم والثروة مخاوف النظام في السعودية من إمكانية تأثير هذا الدستور على الشيعة السعوديين وتصعيد مطالب مشابهة لمطالب شيعة العراق خصوصا عقب دخولهم المعترك السياسي بقوة من خلال الانتخابات البلدية والتحول لموقف أكثر جرأة في طرح مطالبهم ومشاكلهم على الملأ، وربما يفسر هذا، إلى جانب عوامل أخرى، الانتقادات الرسمية السعودية لمشروع الدستور العراقي.

والمشكلة الأخرى الأكثر تفجرا والمطروحة بالفعل هي مشكلة (الأكراد) الذين ينتشرون في المثلث (العراقي – السوري – التركي) وهناك مخاوف قديمة من سعيهم لتشكيل دول مستقلة في هذه المناطق الحدودية المشتركة وخصوصا أن تعدادهم في العراق 18% من السكان، وإن كان الرقم يقل في سوريا وتركيا.

والتخوف الأكبر منهم يأتي من جانب تركيا التي تخشى أن يسعى الأكراد إلى إعلان دولة لهم في شمال العراق مما يحفز أكراد تركيا إلى المطالبة بالانفصال عن تركيا أسوة بأبناء جلدتهم في شمال العراق، وكان هذا سببا في سعي الأتراك للإعلان مسبقا عن أحقيتهم في ضم أجزاء من شمال العراق منها الموصل بهدف إجهاض هذه المحاولات الانفصالية الكردية، وهي محاولات تمثلت أيضا في حرب في الإقليم الكردي جنوب تركيا طوال 15 عاما وأثمرت قتالا عنيفا بين الجيش التركي ومتمردين من حزب العمال الكردستاني المحظور الذي يسعى إلى إقامة حكم ذاتي في المنطقة التي تسكنها غالبية من الأكراد.

ويزيد الأمر خطورة بالنسبة لتركيا أن حزب مؤتمر شعب كردستان "كونغرا-جيل" تحرك بقوة عقب سقوط بغداد في إبريل 2003، وانتعاش آمال أكراد العراق في حكم ذاتي، أنهى هدنة سبق أن أعلنها حزب العمال الكردستاني من جانب واحد عام 1999 ابتداء من الأول من يونيو 2005 لتعود الحرب وتزداد مطالب الانفصال لأكراد تركيا.

الخريطة الطائفية العربية

ولا يقتصر الأمر على الشيعة والأكراد في المنطقة المحيطة بالعراق، إذ إن هناك مشاكل أخرى متعلقة بنسبة غير عادية من الطوائف الدينية والعرقية في المنطقة العربية منهم "الأقلية السنية"، كما هو الحال في العراق وإيران، فضلا عن مشكلة أخرى للأغلبية السنية في سوريا التي تطمح لوضع حد لسيطرة الأقلية الشيعية (النصيرية أو العلوية) على الحكم.

وهناك أيضا في السودان التقسيم العرقي/ الديني بين الشماليين (العرب المسلمين) والجنوبيين (الأفارقة الوثنيين والمسيحيين) والذي رسخه على الأرض اتفاق نيفاشا بين حكومة الخرطوم وحركة التمرد في الجنوب وحدد نسب كل من الجنوبيين والشماليين في حكومتي المركز في الشمال وحكومة الجنوب، كما يجري الحديث من قبل متمردي غرب السودان في دارفور عن تقسيم آخر بين العرب والأفارقة رغم أنهم كلهم مسلمون، وهو ما دفع مسئولا سودانيا للقول بأن إدارة بوش تسعى لتفتيت السودان وفق نظرية جديدة هي: تفتيت الأطراف السودانية في الجنوب والغرب والشرق عن الجسد الأم في الشمال.

وضمن سياق هذه الخريطة العرقية والطائفية في المنطقة، هناك كذلك المسيحيون العرب (الأرثوذكس والكاثوليك والروم الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن)، والمسيحيون غير العرب (النساطرة - الآشوريون أو الأرثوذكس الكاثوليك أو الكلدان - اليعاقبة أو السريان)، وأبرز المسيحيين العرب هم الأقلية المسيحية في مصر (5% وفق تقديرات شبه رسمية) والأقليات المسيحية المشابهة في العراق وسوريا والأردن وغيرها، وهناك أيضا التركمان، واليهود وحتى الأقلية ذات الجذور الإيرانية في دول الخليج (12% من سكان الإمارات و10% من سكان البحرين و5% من سكان الكويت وغيرهم).

وتكفي نظرة سريعة على التوزيع الطائفي في المنطقة العربية، كي تشير للمخاطر التي قد يحملها الدستور العراقي مستقبلا على الكثير من هذه الدول بالنظر إلى وجود طوائف وأعراق ذات مطالب انفصالية واضحة أو – على أقل تقدير - لديها تطلعات في الحصول على قدر أكبر من الحكم والمكاسب السياسية، مما يجعل مشاكل هذه الأقليات بمثابة متفجرات موقوتة قد تنفجر في أي وقت أو حسب الحاجة.

ففي لبنان حيث يشكل المسيحيون العرب (موارنة وروم أرثوذكس وروم كاثوليك وبروتستانت) 33% من السكان، والمسيحيون غير العرب (الأرمن "الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت" والسريان واللاتين والأقباط) 5%، كما يشكل الدروز 6%، والعلويون والأكراد والترك كل منهم يشكل نحو 1% من السكان، وهناك تقديرات أن الشيعة أصبحوا غالبية السكان بعد الأرمن وقبل السنة، وقد استغلت القوى الأجنبية وبعض القوى المحلية هذه التركيبة الطائفية المعقدة من أجل تحقيق مصالح سياسية واقتصادية منذ القرن الثامن عشر، وبلغت ذروة هذا الاستغلال خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 إلى 1990.

وفي الجزائر، يشكل البربر السنة (أهمهم الشاوية والقبائليون والشلوح) 26% من السكان، بينما يشكل كل من المسيحيين العرب وكذلك الإباضيون المزابيون، (وهم من البربر)، والطوارق (بربر سنة من البدو الرحل)، والمسيحيون البربر (خصوصا في جبال القبائل) 1% من السكان.

أيضا في المغرب يشكل البربر (مسلمون سنة أهمهم الريفيون والأمازيغ والشلوح) 36% من السكان، والطوارق (بربر من البدو الرحل) أقل من 1%، واليهود 0.2 %، والأوربيون (الغالبية الساحقة مسيحيون) 1%، والأفارقة (الزنج) أقل من 1%، ولا يختلف الحال مع موريتانيا، التي يشكل المولدون (عرب وبربر) فيها نسبة 40%، والأفارقة (وخصوصا التكرور والولوف والسونينكي والفولاني) 20%، والبربر (بمن فيهم الطوارق) 2.5%.

وفى مصر، يشكل الأقباط (معظمهم من الأرثوذكس، مع أقلية من الكاثوليك وأقل منها من البروتستانت) 5% من السكان وفقا للتقديرات الرسمية، أو 8% وفقا لتقديرات قبطية، يليهم النوبيون وجماعات أخرى ويشكلون 2%، وتلعب قوى استعمارية غربية منذ زمن كبير على فكرة انفصال المسيحيين والنوبيين بدولة في جنوب مصر، وتوارثت هذا الهدف الحكومات الغربية الحالية بهدف الضغط على حكومة مصر وابتزازها سياسيا.

وفي الأردن يشكل المسيحيون (معظمهم عرب من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك ومنهم عشائر بدوية) نحو 5% من السكان، أما الشركس (مسلمون سنة) فيشكلون1.6%، وهناك أيضا الشيشان (مسلمون سنة)، والأرمن الأكراد، والتركمان وهؤلاء جميعا لا يشكلون نحو 1% من السكان، بينما يبلغ عدد الدروز نحو 25 ألف نسمة.

وفى سوريا يوجد (العلويون) بكثافة في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وهم يشكلون 10% من السكان، والدروز 4%، والإسماعيليون 1%، والمسيحيون العرب (معظمهم روم أرثوذكس وروم كاثوليك وموارنة) 7%، أما المسيحيون غير العرب فهم 3%، والأكراد (يشكلون كثافة سكانية في المناطق الحدودية بشمال سوريا لا سيما محافظة الحسكة) يشكلون 4%.

وفي السودان هناك انقسام كبير بين العرب والأفارقة في الشمال والجنوب والغرب، وانقسام آخر بين المسلمين والمسيحيين وانقسام أعمق بين القبائل تلعب عليه القوى الاستعمارية، وهناك خطط أمريكية في عهد إدارة بوش الحالية تحدث عن مسئولين سودانيين تتلخص في تقسيم السودان من خلال حزمة من اتفاقات السلام (لا الحرب) تعطي كل طائفة امتيازات سياسية وحرية الانفصال.

وبشكل عام يوجد في السودان بجانب الأغلبية العربية السنية كل من: الوثنيون (كلهم من غير العرب) 25% - المسيحيون 5% - البجا 6% - الهوسا 4% - النوبيون 3% - الفور 2% - شعوب صحراوية أخرى 4% - القبائل النيلية وشبه النيلية 16% - البانتو 2%.

وأمام المخططات الأمريكية الرامية إلى إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط، وفي القلب منه المنطقة العربية، سواء بالحرب أو عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير، يصبح التساؤل الملح هو: هل تقتصر فيدرالية الدستور العراقي على الطوائف والأعراق العراقية التي تحركت للمطالبة بنصيب في كعكة التقسيم الطائفي العرقي، أم يمتد تأثيرها إلى دول أخرى مجاورة تعاني مشاكل عرقية وطائفية أخرى قد يشجعها ما جرى في العراق للمطالبة بمكاسب سياسية أو طائفية أو ربما انفصالية؟


** محلل الشئون السياسية بإسلام أون لاين.نت


----------------------------------------------------------------


http://www.islamonline.net/Arabic/news/2005-08/31/article11.shtml



صمت رسمي عربي على دستور العراق

أحمد فتحي- إسلام أون لاين.نت/ 31-8-2005

الدكتور حسن أبو طالب


في الوقت الذي تمتلئ فيه الغالبية العظمى من الصحف العربية بانتقادات حادة للدستور العراقي الذي اعتمدته الجمعية الوطنية العراقية الأحد 28-8-2005، غلف الصمت الموقف الرسمي لكافة الحكومات العربية تقريبا، وهو ما أرجعه خبير في الشأن السياسي العربي إلى تسليم الدول العربية بالدور الأمريكي في العراق، بجانب التزامها "بمبدأ" عدم التدخل في الأزمات العربية الكبرى الذي أصبح في السنوات الأخيرة "تقليدا" لا تتم مخالفته.

وفي تصريحات لإسلام أون لاين.نت الأربعاء 31-8-2005 قال حسن أبو طالب، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في القاهرة: "يقف وراء الموقف الرسمي العربي الصامت تسليم وإقرار بالدور الأمريكي في العراق حتى لو لم يكن هذا الدور مقبولا. ومما يعزز ذلك الإقرار غياب الإرادة الجماعية للعرب".

وتابع: "كذلك، فإن هذا الصمت أصبح نتيجة لإقرار قائم بشكل شبه ضمني في العلاقات العربية- العربية بمبدأ عدم التدخل في شئون كل بلد حتى في حال تعرضه لأزمات كبرى".

وضرب الخبير في الشأن السياسي مثالا على ذلك بقوله: "دولة الجزائر استمر الاقتتال الداخلي بها أكثر من 10 سنوات (خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين) وكان الجزائريون يقبلون خلالها بوساطة خارجية في الوقت الذي يحظرون فيه التدخل العربي في شئونهم الداخلية".

وأردف: "اعتبر الجزائريون أي تدخل عربي سيزيد من الفجوة والشقاق ولن يجدي نفعا، وفي المقابل رأوا الوسيط الخارجي حياديا ومبرأ من أي هوي أو مصلحة، وهو ما تكرر مع قضية السودان حيث كان يتم استبعاد أي محاولة عربية للصلح والتوافق، فأصبح عدم التدخل بين العرب بمثابة تقليد لا تتم مخالفته".

وتوصيفا للوضع العربي أوضح أبو طالب: "يضاف إلى ذلك بالطبع أن العرب يعانون أصلا من حالة من الانقسام والتشرذم وعدم وضوح رؤية سياسية متفق عليها وقابلة للتطبيق، مما يجعلهم عاجزين عن اتخاذ مواقف إيجابية تجاه أي قضية من القضايا المهمة".

وتابع قائلا: "كما أن الوضع العراقي الحالي نفسه شبه متفق على رفض التدخل العربي في العملية السياسية" وأضاف: "ما أعلمه أن "الحكومة العراقية رفضت بشكل قاطع اقتراحا من جهة عربية بتقديم دعم قانوني عبر خبراء عرب في كتابة مواد الدستور، سواء كانت تحت مظلة جامعة الدول العربية أو غيرها من الحكومات العربية".

وأشار إلى أن "هناك قوى مؤثرة ونافذة داخل العراق من الأكراد والائتلاف الشيعي تبحر في اتجاه مضاد للعلاقات مع العرب حيث تنكر العروبة للعراق؛ لأن لها توجهات إقليمية تخدم مشروع التفتت الذي تسعى له، والعروبة تقف حائلا دون تحقيق هذا المطمح".

ومضى محذرا: "تمرير الدستور يخدم مشروع قسم من هذه القوى يتمثل في تقديم العراق لقمة سائغة لدولة إقليمية مجاورة كبيرة"، في إشارة ضمنية منه إلى إيران.

وحول الدور العربي الذي يمكن للقوى العراقية الحاكمة حاليا أن تقبل به، قال أبو طالب: "الاعتراف بشرعية الوضع الحالي دون اتخاذ إجراءات مضادة له، ومطالبة الدول العربية بتقديم مساعدات اقتصادية وأمنية للحد من تسلسل العناصر غير المرغوب فيها".

قلق سعودي

ولم يخرج عن الموقف الرسمي العربي الصامت من الدستور العراقي سوى السعودية تقريبا، حيث أعرب مجلس الوزراء السعودي المنعقد برئاسة الملك عبد الله بن عبد العزيز الإثنين 29-8-2005 عن أمله في أن "يستجيب الدستور العراقي لتطلعات الشعب العراقي في تكريس وحدته الوطنية والمحافظة على هويته العربية الإسلامية، لتحقيق ما يصبو إليه من أمن واستقرار ورخاء، وعودة العراق عضوا فاعلا في أمته والمجتمع الدولي".

وتعقيبا على التصريح السعودي قال أبو طالب: "التصريح يعكس درجة عالية من القلق السعودي على انعكاسات ما يحدث في العراق سلبا على أمنه الداخلي".

كما انتقد الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى النص في الدستور العراقي الجديد على أن الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية؛ معتبرا ذلك "خطيرا للغاية". وتساءل: "هل يطعن هذا النص في انتماء العراق الشامل لهذه المنطقة والعالم العربي؟ وهو أحد الأعضاء المؤسسين للجامعة العربية".

وتتحفظ القوى العربية السنية الرئيسية في العراق على عدة بنود في الدستور الذي سيطرح في استفتاء عام منتصف أكتوبر 2005، من أهمها ما يتعلق بإقامة نظام فيدرالي في العراق، باعتباره سيكرس الطائفية وسيقود إلى تجزئة العراق، بجانب عدم النص بشكل صريح على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع واستمرار الحظر السياسي على البعثيين.