sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الثلاثاء، شتنبر 13، 2005

قول في مشروع الدستور العراقي

الحياة

قول في مشروع الدستور العراقي

أحمد الحبوبي الحياة - 13/09/05//

شكلت الجمعية الوطنية بعد انتخابها لجنة من خمسة وخمسين عضواً مهمتها وضع مسودة لدستور عراقي جديد، الذي جاء ضمن استحقاقات قانون الدولة الموقت ابان حكم (بول بريمر). وتوجس الكثيرون خيفة من اقتصار عضوية اللجنة على أعضاء الجمعية الوطنية من دون الاستعانة بخبرة آخرين من خارج الجمعية. فالدستور المنوي وضعه يخص جميع العراقيين بمختلف أطيافهم وتلاوينهم القومية (الاثنية) والدينية والطائفية. وله أهمية قصوى في حياة الناس لأنه سيرسي دعائم الدولة الجديدة وفق أسس ومفاهيم حضارية تضمن حقوق كل الفئات. لذلك فإن وضع الدستور يحتاج من دون شك الى مستوى عال من الفهم والادراك والخبرة، ليس في الفقه الدستوري والقانوني فحسب بل يتعداه الى فهم وادراك طبيعة تكوينات المجتمع العراقي وتلاوينه السياسية وتفاعلاته الاجتماعية والثقافية والفكرية.

ولم تسمع الأصوات التي راحت تنادي وتطالب بضرورة إشراك عناصر من خارج الجمعية الوطنية تتحلى بصفات وسمات وخبرات وتوجهات مطلوبة، وكان ما يرشح عن عمل اللجنة الدستورية (لجنة الـ55) لا يشجع على القول ان الأمور تسير في الطريق الصحيح.

نجحت الضغوط التي مورست على المهيمنين على الحكم والجمعية الوطنية، فأضيفت الى اللجنة عناصر تمثل الجهة التي غابت أو غيبت من جراء مقاطعة الانتخابات لهذا السبب أو لذاك. وبعد شد وجذب اتفق على العدد المضاف وعلى صيغة التوافق التي يجب أن تسود أعمال اللجنة الموسعة من أجل ان تجيء مسودة الدستور محققة لطموحات كل أطياف الشعب العراقي. تباينت وجهات النظر، وهذا أمر طبيعي، وظهرت نقاط خلاف وكان المؤمل الوصول الى «توافق» لتأتي مسودة الدستور مقبولة من كل الأطراف. وتأجل طرح المسودة في الجمعية الوطنية أكثر من مرة من أجل سد فجوة الخلاف. وطرحت المسودة الأخيرة التي أقرتها الجمعية الوطنية والتي سيجري عليها الاستفتاء في 15/10/2005 مع تعديلات اضافية، وقد اعترضت عليها لجنة الـ «15» كما اعترض عليها كثير من العراقيين ومن مختلف الأطياف. ولا يزال الجدل محتدماً حيال هذه المسودة وسيستمر الى موعد الاستفتاء، والمعروف عن الدستور (أي دستور) انه أبو القوانين، وأعلاها رتبة، وأرفعها منزلة، وأقواها حجة... فهو الذي يحدد شكل الدولة وهويتها ونوع الحكم فيها وسلطات الحكم والحريات الخاصة والعامة والحقوق والواجبات وينأى عن التفاصيل والجزئيات والفرعيات ويتركها الى القوانين التي تصدرها الجهة الاشتراعية (مجلس النواب أو جمعية وطنية أو مجلس أمة...).

لقد وجدت، من حيث الشكل، أن مسودة الدستور في موادها الـ139 غرقت في تفاصيل وجزئيات وفرعيات وشروح ليس الدستور مكانها الطبيعي وانما تنتظمها قوانين تسن بعد حين من جانب الجمعية الوطنية.

كما وجدت أن اللغة التي صيغت بها المسودة لم تتمتع بالمتانة والرصانة والحبكة المطلوبة والمعهودة في الدساتير. ويبدو أن عامل الوقت القصير لعب دوراً ليس في مصلحة الصوغ، اذ يجد القارئ تناقضاً بين نص وآخر في المادة ذاتها كما في المادة 2 بفقراتها الثلاث، أو ان الصوغ يربك المعنى فتتقدم عبارة كان عليها أن تتأخر أو العكس (م 53)، أو ما جاء في المادة 59 (اختصاصات مجلس النواب). سابعاً أ- «لعضو مجلس النواب أن يوجه الى رئيس مجلس الوزراء والوزراء اسئلة في أي موضوع يدخل في اختصاصهم ولكل منهم الاجابة...»، وتعطي كلمة «لكل» معنى الجواز له ولا تعني الوجوب عليه حيث أراد المشروع إلزام رئيس الوزراء أو الوزراء بالاجابة عن الاسئلة، فيكون الصوغ الصحيحة «على كل» أي يعني الوجوب وليس لكل ويعني الجواز. وكذلك المادة 65 (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن...) والصحيح رمز لوحدة الوطن، فكلمة رمز يجب أن تضاف... والله أعلم.

وكذلك المادة 90 ثانياً، اذ يجب حذف كلمة «وينظم» لأنها زائدة، ثانياً (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون يحدد عددهم وينظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون)، تحذف الكلمة ويوضع بدلها «و».

أما الديباجة فتعتبر من صلب الدستور التي تبرز عادة توجهات وطموحات الشعب، فتجيء عبارتها داعمة لرص الصفوف، وترسيخاً للوحدة الوطنية، واستشرافاً لمستقبل مشرق، والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة ضغينة أو خلق حساسية.ومن حيث «الموضوع» فهناك الكثير الذي يمكن قوله عن مواد مشروع هذا الدستور واكتفي بما يأتي:

أول ما يلفت ويثير الاستغراب أن الغالبية (الاسلامية) لسكان العراق (95 في المئة) قد شفعت للعراق أن يكون جزءاً من العالم الاسلامي، رغم ان العراق متعدد القوميات والأديان والمذاهب (م 3)... ولكن الغالبية «العربية» لسكان العراق (85 في المئة) قد فشلت في أن تشفع للعراق أن يكون جزءاً من العالم العربي، وهذا تناقض واضح... فاضح.

فالغالبية الاسلامية تلحق العراق بالعالم الاسلامي والغالبية العربية لا تلحقه بعالمه العربي، في حين جاء في المسودة الأولى انتماء العراق للعالمين الاسلامي والعربي. وزاد من الالتباس ما صرح به عضو بارز في «حزب الدعوة» في فضائية «الحرة» بأن حزبه كان مع النص الأول. اذاً من كان وراء غمط هوية العراق العربية، أهم الاخوة الاكراد، أم الاخوة في المجلس الاسلامي الأعلى، أم الاخوة الانكليز والاميركان واليابانيون والطليان... (عجبي)، أم هو اقتصاص وتصفية حساب مع «العروبة» أو القومية العربية المفترى عليها. والكل يعلم ان صدام حسين وطغمته الفاسدة ما كانت تمثل القومية العربية ذات البعد الانساني، وان سياسته الرعناء الداخلية والخارجية قد أساءت اليها إيما اساءة، وشوّهت أهدافها النبيلة، فلا تتحمل العروبة أو القومية العربية جرائم وجرائر، وتجاوزات وتشويهات وتهويمات وعنتريات حاكم طاغية جر على بلده وأمته العربية الكثير من المحن والإحن والضرر والخسران.

ولفت نظري ان مشروع الدستور استحدث محكمة ذات صلاحيات واسعة اسماها «المحكمة الاتحادية العليا»، ومنحها استقلالاً مالياً وادارياً (م 90). أولا (المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة مالياً وادارياً)، ثانياً (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي، وفقهاء القانون يحدد عددهم وينظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بغالبية ثلثي اعضاء مجلس النواب (وان كانت كلمة «وينظم» زائدة...)، وقد أعطيت هذه المحكمة (الاتحادية) اختصاصات وصلاحيات واسعة تشمل رقابة دستورية القوانين والأنظمة وتفسير نصوص الدستور والفصل بين القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين والقرارات والأنظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية. ثم أنها (المحكمة) تنظر في الطعن المقدم اليها من قبل مجلس الوزراء وذوي الشأن. ومن صلاحياتها الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية، والفصل بين المنازعات التي تحصل في ما بين حكومات الاقاليم والمحافظات، والفصل في الاتهامات الموجهة الى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، والفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم. ونصت المادة 92 على «ان قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة...». من كل ذلك نخلص الى ان الدستور قد أعطى لهذه المحكمة حق الاشراف التام والهيمنة الكاملة على شؤون البلاد من خلال الصلاحيات والاختصاصات الواسعة، وكأنها تماثل تماماً من حيث التكوين والصلاحيات نظيرتها في ايران المسماة (هيئة أو مجلس تشخيص مصلحة النظام) التي يرأسها رفسنجاني.

ويتحدث الباب الخامس عن سلطات الاقاليم... فالمادة 113 تقول «يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة واقاليم ومحافظات لامركزية وادارات محلية...»، وأقرت المادة 114 أولاً اقليم كردستان وسلطاته القائمة «اقليماً اتحادياً» وأقرت ثانياً بأن اقاليم جديدة تؤسس وفقاً لأحكام الدستور. وألزمت المادة 115 «مجلس النواب خلال مدة 6 أشهر بسن قانون يحدد الاجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الاقاليم بالغالبية البسيطة». وأعطت المادة 116 «لكل محافظة أو أكثر تكوين اقليم بناء على طلب الاستفتاء».

أي بمعنى ان هذه النصوص أباحت تشكيل أكثر من اقليم في العراق اذا ما رغبت محافظة أو أكثر بذلك، ونحن تجاه هذه النصوص أمام عملية معقدة وغير «مفهومة» أو «مبررة» ترمي الى تفكيك كيان العراق الواحد وتفتيت شعبه الى أجزاء وجزئيات تتوزع بين هذا الاقليم وذاك وهذه المحافظة وتلك، وما قد يعقب ذلك من عواقب، لا أدري ان كان يدركها المشرع من حيث أراد الخير للعراق. فأي خير يرتجى ونحن نزرع بذرة تفكيك وطن وبعثرة شعب. ولعل الذي حدا بواضعي هذه النصوص هو الحؤول دون قيام حكم مركزي ديكتاتوري متسلط، شديد الوطء والثقل والضرر على العراق وشعبه، كان يمثله نظام صدام حسين الذي انطبع حكمه بالدم والدمار والخراب والاستحواذ على خيرات العراق وتبديدها وحرمان الشعب العراقي من خيرات بلده، فجاءت هذه النصوص وكأنها الحل الأمثل لعراق جديد يتلافى مساوئ النظام السابق.

وأنا وان كنت اتفق مع المبدأ الذي يؤسس لهذا العراق الجديد بعيداً عن المركزية والديكتاتورية والتسلط، لكنني أرى من خلال هذه النصوص الكثيرة التي جاءت في مشروع الدستور التي تنظم قيام الاقاليم واللامركزيات والمحافظات والمحليات انها ستكون سبباً في إضعاف الروابط والأواصر التي تشد العراقيين من خلال المواطنية العراقية المعروفة، فضلاً عن الارتباك الذي سيحصل حتماً جراء تنازع الاختصاص بين السلطات الاتحادية وسلطات الاقاليم والمحافظات. وان الديموقراطية الحقيقة وسلطة الشعب وصناديق الاقتراع، وان الشعب هو السيد ولا معقب على قراره ولا راد لارادته سيكون الكفيل في منع تكرار قيام أية ديكتاتورية مع الأخذ بمبدأ اللامركزية الادارية في محافظات العراق.

فإذا كانت للاخوة الاكراد خصوصيتهم المعروفة من جراء سياسات صدام حسين وطغمته الفاسدة حيالهم من سنة 1990، ولهم وضعهم الخاص في كردستان العراق ضمن العراق الواحد، فلا أظن أن من المستحسن والمستساغ أو من المصلحة الوطنية ان يتجزأ العراق الى اقاليم ومحافظات وبلديات وخلافه، وكأننا بذلك ننفذ المشروع القديم الذي طرح ابان حكم صدام حسين بعد تحرير الكويت، والذي كان يدعو الى تقسيم العراق الى ثلاثة كيانات (جنوب ووسط وشمال).

ولعل من الأفضل والأجدى للعراق الجديد تطبيق النظام اللامركزي وتعطى للمحافظات العراقية سلطات واسعة، ادارية ومالية وتشريعية، بحيث تحكم نفسها بنفسها من خلال انتخابات مجلس المحافظة والمحافظ ومؤسسات ومجالس محلية، ولا يربطها بالمركز الا الاعمال السيادية فقط، كما هو معمول في كثير من دول العالم، ثم ما معنى أن تؤسس مكاتب للاقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الديبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانتمائية (م 118). رابعاً، فهل يحق (مثلاً) لبفاريا أو ساكسونيا الالمانيتين أن تفتحا لهما ملاحق في السفارات الالمانية؟ أو مثلها لسويسرا أو الولايات المتحدة الاميركية. ان النصوص الكثيرة التي جاءت تنظم «الفيديرالية» ستكون ضغثاً على إبالة وستؤدي حتماً الى الارباك والتشويش وتنازع الاختصاص بين ما هو اتحادي وما هو اقليمي. فهناك اختصاصات اتحادية منصوص عليها، وهناك اختصاصات اقليمية منصوص عليها وان لم يرد فيها نص تكون من صلاحيات الاقاليم... (م 112). ثم السياسة غير الواضحة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم في ما يخص ادارة النفط والغاز والموارد الطبيعية الأخرى.

ومن خلال قراءة المسودة تجد قيوداً وضعت أمام العراقيين وحريتهم، مقيدة من حيث التملك ومن حيث العمل وانتقال الأموال والبضائع الا بقانون. لقد أعطيت الاقاليم سلطات تتجاوز أحياناً سلطة الدولة الاتحادية.

ان الاستحقاقات التي وردت في قانون الدولة الموقت من حيث موعد اجراء الانتخابات وتقديم مسودة الدستور والاستفتاء عليه ثم اجراء الانتخابات الاخيرة آخر هذا العام، قد تكون هي التي أربكت الوضع، وزاد في الطين بلة الضغوط الاميركية التي مورست من أجل ان تتم هذه الاستحقاقات بمواعيدها المحددة. فكان الرئيس بوش على أحر من الجمر وهو يتابع من مزرعته اعمال لجنة الدستور، ويحرق الأرم، ولم يقر له قرار ويتنفس الصعداء الا بعدما أبلغوه بوصول مسودة الدستور الى الجمعية الوطنية. ما هكذا تورد يا سعد الابل كما يقول المثل العربي. فالدساتير تكتب عادة في أجواء هادئة ونفوس صافية وقلوب مطمئنة ولا عبرة للزمن في ذلك. فقد كنت وما زلت أدعو مع الداعين الى العمل على تهيئة الاجواء الصافية من خلال المصالحة الوطنية المطلوبة، فنحن أحوج ما نحتاج اليها الآن فهل من مستجيب؟!

اتصل بي ابني غسان من المانيا حيث يقيم شأنه شأن الكثير من شباب العراق الذي شرده حكم صدام حسين. يسأل «هابوي انت شراح تصير!»، فاستوضحته «ماذا تعني؟» أجاب «يعني انت شنو صفتك أو هويتك بعد الدستور!» فأجبته:

أبوك حسب المشروع عراقي - عربي - مسلم - شيعي مولود في اقليم النجف أو محافظة النجف، محلة الحويش، ومقيم في (العاصمة) بغداد أو (دوقية) بغداد أو محافظة بغداد حي المحامين في الداوودي. وهكذا سيكون تصنيف كل عراقي في دفتر أحواله المدنية بحيث يرد الى أصوله وجذوره وعشيرته ومدينته ومحلته وديانته ومذهبه، وهذه هي الوحدة الوطنية يا ولدي.

وقد تجلت هذه الوحدة الوطنية الصحيحة والصادقة في الكارثة التي أصابت زوار الكاظمية في فاجعة جسر الأئمة من خلال الموقف البطولي الشهم الذي وقفه أهالي الأعظمية الكرام عندما هبوا الى نجدة اخوانهم الزوار وقدموا المساعدات اللازمة لهم في هذه المحنة، حيث استشهد اربعة منهم غرقاً في شط دجلة وهم يحاولون انقاذ اخوانهم من الغرق، اسم أحد هؤلاء الشهداء عثمان العبيدي. وكذلك سارع أهالي الفلوجة الكرام بأريحية ونخوة فتبرعوا بالدم الى اخوانهم المصابين والجرحى في مستشفيات بغداد والكاظمية.

عراقنا اليوم في محنة عظيمة تفاقمت الى الحد الذي لم يعد في مقدور المواطن العراقي احتمال المزيد من المعاناة والعنت والخوف، وما زال صابراً يحدوه امل في عراق جديد، خال من القهر، والاستبداد والتسلط... ولم تزل الفرصة سانحة أمام من يريد أن يعمل بصدق واخلاص وتجرد وشفافية من أجل تخليص الوطن من محنته ويقيله من عثرته، والمواطن من معاناته وعذاباته والله يثيب من أحسن عملاً.

مواطن (سياسي) عراقي مقيم في القاهرة.