sahafa.net

أخبار - تحليلات - قضايا وآراء

الثلاثاء، شتنبر 13، 2005

حرب الارهاب: الارباح والخسائر

القدس العربي

حرب الارهاب: الارباح والخسائر
2005/09/13
عبد الباري عطوان
بعد مرور اربع سنوات ويومين علي هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، واعلان ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش حربا ضروسا علي الارهاب، يظل السؤال المطروح، وبقوة، هو عن حجم الانتصارات التي تحققت في هذا المضمار.
الارهاب الذي اعلن الرئيس بوش الحرب عليه يتزايد بمعدلات مرعبة، وتنظيم القاعدة يتضاعف من حيث القوة والتأثير، بحيث اصبح التنظيم الاخطر في العالم، واللاعب الرئيسي في السياسة الدولية.
بلغة الارقام نقول ان الادارة الامريكية اعلنت ان العالم شهد في العام الماضي 651 هجمة ارهابية علي درجة كبيرة من الخطورة، اي ثلاثة اضعاف ما كان عليه الحال في العام الذي سبقه اي عام 2003. وثلث هذه الهجمات في العراق الذي من المفترض ان يكون، وبفضل الاحتلال الامريكي، قد تحول الي مضرب مثل في الاستقرار والازدهار والديمقراطية!
الرئيس جورج بوش وعد مواطنيه، والعالم بأسره، بأنه سيقضي علي الارهاب، وينهي تنظيم القاعدة، وينشر الديمقراطية في الشرق الاوسط، لان الطريق الاسلم لمواجهة الارهاب هو في القضاء علي الانظمة الدكتاتورية. بعد اربع سنوات لا الحرب علي الارهاب نجحت ولا الديمقراطية تحققت، وفوق هذا وذاك كلفت هذه الحرب الخزينة الامريكية 250 مليار دولار، والفي قتيل، ومئة الف شهيد عراقي علي الاقل، مثلما كلفتها سمعتها وتعاطف العالم معها، بحيث اصبحت اكثر دولة مكروهة، ولا ينافسها علي هذه المرتبة غير اسرائيل حليفتها الاوثق، ومصدر كل متاعبها ونكساتها السياسية والعسكرية.
الحرب الامريكية في افغانستان نجحت في تدمير خمسة وثمانين في المئة من تنظيم القاعدة، وحرمانه من امارته المستقلة في تورا بورا، ليرتكب بعدها الرئيس بوش، وبتحريض من اسرائيل وحلفائها من المحافظين الجدد، اكبر حماقة سياسية في التاريخ الحديث، بغزوه العراق واحتلاله، وتفكيك مؤسسات الدولة العراقية!
احتلال العراق اعاد الحياة الي تنظيم القاعدة، واعطاه زخما سياسيا وعسكريا لم يحلم به زعيمه، وحوله الي تنظيم دولي، وايديولوجية جذابة لكل المحبطين الساخطين علي السياسة الخارجية الامريكية.
فالضربات والحروب الاستباقية التي شكلت العمود الفقري الاستراتيجية المحافظين الجدد، جاءت بنتائج عكسية تماما. فالحربان في العراق وافغانستان لم تنجحا في الحد من هجمات تنظيم القاعدة، او منعها من الوصول الي الاراضي الامريكية، مثلما ردد الرئيس بوش اكثر من مرة، فقد وصلت هذه الهجمات الي اقرب نقطة من اليابسة الامريكية، اي قلب مدينة لندن، وبات وصولها الي العمق الامريكي مسألة وقت وتوقيت.
وربما لا نبالغ اذا قلنا ان تنظيم القاعدة لم يعد بحاجة الي شن هجمات في نيويورك او واشنطن او لوس انجليس. فهناك مئة وخمسون الف جندي امريكي يتواجدون في العراق حاليا، حيث يوجد اهم فرع له، وهو تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي يتزعمه ابو مصعب الزرقاوي. الحرب الامريكية في العراق حققت مصالحة تاريخية بين النقيضين، البعث العلماني، وتنظيم القاعدة الاصولي. وبمعني اكثر شمولا، حققت مصالحة بين التيارات القومية والاسلامية علي ارضية العداء لامريكا ومقاومة احتلالها في العراق، وهذا الانجاز لم يحلم به مطلقا اكثر المتفائلين في المعسكرين اللدودين.
فلولا هذه المصالحة لما وجد تنظيم القاعدة هذه الارضية الخصبة والالتفاف الشعبي علي الاقل من جزء مهم من ابناء العراق، والرئيس بوش الذي تحدث كذبا وتزويرا عن وجود علاقة بين تنظيم القاعدة ونظام البعث، اوجد مثل هذه العلاقة ونماها بغزوه للعراق واحتلاله.
ومن المفارقة ان الرئيس بوش اراد ان يحول العراق نموذجا يصدّر الديمقراطية ومباديء التعايش والاستقرار والرخاء الي جيرانه، وها هو السحر ينقلب علي الساحر ويصبح العراق ليس مصدّراً للديمقراطية الي محيطه وانما يصدر العنف والتطرف والارهاب.
الادارة الامريكية اصبحت رهينة في العراق، رهينة لتنظيم القاعدة ، ورهينة للنظام الحاكم في ايران. فتنظيم القاعدة يقوي عسكريا وسياسيا ويستقطب المئات من المتطوعين في صفوفه شهرياً، ويصعّد عملياته، ويفّشل مع حلفائه العملية السياسية التي تريد امريكا استغلالها لاثبات نجاح مشروعها الاحتلالي، والهروب من العراق بحجة انجاز المهمة. اما ايران فتطور برنامجها النووي وهي مطمئنة الي عدم قدرة الولايات المتحدة علي خوض حرب اخري، وحتي اذا فتحت جبهة جديدة ضد ايران، ستجد قواتها في العراق هدفاً لحلفائها من انصار ايران حكام العراق الجديد ، وبفتوي من الامام اية الله علي السيستاني الذي افتي بتأييد مشروعها والتعاون مع احتلالها ومساندة عمليتها السياسية.
بعد اربع سنوات من غزوتي نيويورك وواشنطن انقسم العالم فعلاً الي فسطاطين، فسطاط امريكا المستنزف المرتبك الغائص في مستنقع دموي في العراق، وآخر اقل دموية في افغانستان، وفسطاط تنظيم القاعدة الذي يتضخم ويزداد رعباً وترهيباً. ولهذا تتدني شعبية الرئيس بوش الي اقل من ثمانية وثلاثين في المئة، وهي اقل نسبة وصل اليها رئيس امريكي منذ قيام الولايات المتحدة. ويضيق الخناق علي حلفائه، خاصة توني بلير رئيس وزراء بريطانيا.
فعندما يعلن كينيث كلارك المرشح الاوفر حظاً للفوز بزعامة حزب المحافظين البريطاني المعارض ان الارهاب وصل الي مترو لندن بفعل حرب العراق وتورط رئيس الوزراء فيها، والتصاقه بسياسة امريكا الخارجية الفاشلة، فان هذا يعني الكثير سياسياً، ويؤشر لما يمكن ان يكون عليه مصير الاثنين: الرئيس بوش وحليفه توني بلير.
بعد اعصار كاترينا، الذي كشف فشلاً اضافياً لادارة الرئيس بوش لم يعد السؤال هو ما اذا كانت الادارة الامريكية ستنسحب من العراق ام لا، وانما متي وبأي قدر من الخسائر؟
الرئيس بوش سينسحب من العراق، وربما ينسحب بعدها من الحكم هو وكل المحافظين الجدد انصار اسرائيل، ولكن الاهم من كل ذلك هو ان ايا من الانسحابين، من العراق او الحكم سيكون بدء العد التنازلي لانهيار امريكا كقوة عظمي، وتذكروا التجربة السوفييتية في افغانستان ونتائجها.